الأديبة غادة الصنهاجي لـ”الشمال 2000″

أكرَهُ أن يَتقيّد الأدب بـأيّـة شُـروط أو قـواعد، لأن الإبداعَ هو كَسر القيد ؛ الكتابة بالنسبة إليّ نتاج تفاعلي مع ما يقع من أحداث على أرض الواقع

جريدة الشمال – حاورها : عبد الله بديع
الجمعة 03 فبراير 2017 – 17:25:33
                       
تُواصِلُ الأديبة والصَحـافية المُتـألقـة غـادة الصنهـاجـي مسيــرتها في عالم النشر والكتابة، من خلال إصدار جديد وسمته بـ”هي وهو” (قصص حوارية). في هذا اللقاء / المكاشفة، تحدّثنا غادة عن البواعث التي تقف وراءَ إخراج هذهِ المجـموعـة، وعــن الأسلوب الذي سَلكته في كتـابـة القِصَص المُضمنة فيهـــا. كما تقـدّم ضيفتـنا الكريمة، في هذا الحوار، رأيها في عديد من القضايا التي تروج وسط الساحة الأدبية بالمغرب. 

بداية، كيف نبع لديك التفكير في كتابة هذا المؤلف الجديد ؟ استوحيتُ مادة نصوص هذه المجموعة القصصية من صميم الواقع المعاش، لتحكى كسلسلة أفلام قصيرة أصرّ ممثلوها على التوغل في أعماق الشخصيات الحقيقية لتكون تأديتها لأدوارها على مستوى عال من التشخيص الواقعي؛ ففي أحيان كثيرة، تكون المرأة أو الرجل عاجزين عن البوح بحقيقة ما يشعران به، أو عن كشف ما يخفيانه عن بعضهما.. ومهما استطاعا ذلك يبقى جزء كبير من الحقيقة تائها في أعماقهما، ويرفض أن يتجلى بأي شكل. وهناك أشياء لا يجسران على الاعتراف بها؛ لأنها ستعرضهما غالبا لمساءلة من الشريك، ومن المجتمع، ومن القانون، وأيضا يخافان كثيرا من فقدان بعضهما أو فقدان شيء يربطهما، وربما يكونا قد افترقا ويكون الوقت قد فات على المواجهة ويدركان ذلك في أعماق نفسيهما، فيبقيان على صمتهما الصارخ في ضميرهما. حاولت، من خلال كتابة المجموعة القصصية الحوارية “هي وهو”، أن أكون موضوعية وأن أكون محايدة وألا أتحيز إلى أيّ طرف من الطرفين؛ لا إلى المرأة كوني أنا امرأة، ولا إلى الرجل كوني أدرك جيدا أن الرجل أيضا كائن لديه أحاسيس ومن الممكن أيضا أن يعاني وأن يكون ضحية. ما كنت دائما أعيبه هو أن أغلب الناس يصدرون أحكامهم، بعد سماعهم لطرف واحد في علاقة تجمع طرفين: رجل وامرأة.. ولطالما سمعت قصصا عن نساء دمّر الرجال حياتهن وعن كونهن كن ضحايا وتعرضن لأنواع من العنف، وعن رجال كادَت لهم النساء ففقدوا ما لم يتوقعوا فقدانه.

وكنت دائما أقول لنفسي: ليتهم حين يسمعون يفعلون ذلك مع الطرفين، الأول والثاني؛ فالسماع للطرف الثاني ليس فيه تكذيب للطرف الأول بقدر ما فيه تمحيص في ظروفهما، وأيضا في معرفة الأسباب الحقيقية وتجلياتها على الطرفين. وحين كنت أسمع فقط لقصة الطرف الأول أتعاطف معه ضد الطرف الثاني، وحين أسمع فقط لقصة الطرف الثاني أتعاطف معه ضد الطرف الأول؛ لكن حين أسمع القصة ذاتها من الطرفين معا كنت أجد أن المرأة مظلومة، وأن الرجل مظلوم، وبأن الظروف هي الجانية وهي التي كانت قاسية وظالمة.

book-rada_sanhajji.jpg
في نص الإهداء الذي صدّرت به “هي وهو”، جاء ما يلي: “أهديها إلى الذين أخفيتُ أسماءهم بين السطور.. أهديها إلى الزمن الذي صدر من عمري.. أهديها إلى من عانى في الحياة”؛ وهو إهداء يضمر / يظهر إشارات معينة..
فما هي، في نظرك، حدود الواقع وحدود الخيال في تلك القصص؟ أو بتعبير آخر: كيف تختار غادة الصنهاجي نصوصها / قصصها ؟ ليس للخيال حدود كما للواقع؛ فالواقع يفرض علينا الالتزام بما تمليه ظروفه. حاولت في القصص المضمنة في هذه المجموعة الجديدة أن أكون واقعية أكثر؛ لأن الخيال يفتح مجالا أرحب للحلم، والحلم نادرا ما قد يتحقق. حقيقة، وددت لو أنني استعملت القليل من الخيال، لأجمّل بعض القصص أو أجعلها تؤول إلى نهاية سعيدة؛ لكنني حاولت الاشتغال على حالات نقلتها بعناية وأمانة. إن ما أردته في “هي وهو” هو أن أجعل المرأة صادقة، وأن أجعل الرجل صادقا، وأن أكنس الزيف وذلك الوشاح الذي يضعانه على العلاقة ليضمنان عدم لومهما أو عقابهما وليستمرا في طريق يرسمه سوء تدبيرهما للعلاقة. باختصار، يمكن أن أقول: في المجموعة القصصية الحوارية “هي وهو” الطرفان يتقاسمان المسؤولية في مآل علاقتهما، والأمر يكون منطقيا بالنظر إلى ما فعلاه في بعضهما البعض.  

إن القارئ المتمعن في “هي وهو”، التي تعد المجموعة الثانية في رصيدك من الأعمال المنشورة إلى حد الآن، يلمس أنك اخترت في قصصها أن تعالجي قضايا المرأة وهمومها النفسية والاجتماعية؛ وهو ما سبق لك أن قمت به في المجموعة الأولى (الهاربة) التي صدرت منذ عامين ونيف.. ألا تخشين من الوقوع في نوع من التكرار؟ إن الوقوع في التكرار بالنسبة إليّ هو أمر مستبعد؛ فما يثير الكاتب هو الاختلاف والتفرد، وأيضا العمل على المستجدات من الظروف. ومن ثمّ، فإن التشابه قد لا يتعدى بعض الجزئيات البسيطة، وسيظل مرتكزا على العلاقات البشرية بتجلياتها الإيجابية والسلبية وفي أبعادها الاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية وغيرها. هنا، أؤكد لك أن المجموعة القصصية الأولى “الهاربة”، التي صدرت منذ عامين والتي تتضمن 122 قصة قصيرة جدا على امتداد 142 صفحة قدمها الروائي المصري الراحل فؤاد نصر الدين، تختلف جذريا عن المجموعة الأخيرة؛ فهي من نوع القصة القصيرة جدا، وتتخللها بعض الومضات، وتحمل في طيات كل قصة من قصصها حياة متكاملة تتجلى في سطر أو سطرين. إجمالا، هو نوع من القص المكثف يتناول مواضيع اجتماعية واقتصادية وسياسية، ويستهدف نخبة معينة من القراء؛ لأنه يحتاج إلى رؤية ثاقبة وإلى مستوى عال من الفهم لكونه مثقلا بالمعاني المضمرة وزاخرا بالاختزال ومعتقا بالدلالة. أما بخصوص الأعمال المقبلة، فهي – بإذن الله- ستكون مختلفة نوعا ما عن سابقيْها. لديّ مجموعتان جاهزتان، سأعمل على نشرهما في أقرب وقت، وهما: مجموعة “البلابل لا تحلّق في الأعالي”، وهي رسائل قصصية؛ ومجموعة “ثغر الحقيقة”، وهي قصص ومخاتلات وخواطر. 

 في قصة “رسالة”، التي تضمها المجموعة الأخيرة (هي وهو)، تقول الساردة (هي): “الكلام أصبح عندي هو الحرية التي لا تقيدني ولا تلزمني ولا تجبرني ولا تكرهني، ولا تقول لي: اصتمي…” (ص 15)… وفي مقطع من قصة “الورطة”، تقول الساردة (هي دائما) مخاطبة الآخر (هو= الزوج، هذه المرة): “… كنت تمنعني من الكتابة، وربما كنت أخشاك إلى درجة تقف فيها بيني وبين ما أفعل أو أفكر…” (ص 25).. فماذا تعني الكتابة بالنسبة إلى غادة؟ وما الوظيفة التي ترينها للكتابة في المرحلة الراهنة في مجتمع لا تمثل فيه القراءة عادة مألوفة وطقسا يوميا اعتياديا؟ الكتابة بالنسبة إليّ نتاج تفاعلي مع ما يقع من أحداث على أرض الواقع، هي رد فعل أستطيع أن أدرج فيه جميع أحاسيسي، وأحيانا أتخذ منه فرصا لكشف النفوس أكثر وجعلها تقول ما عجزت عنه في واقعها حلوا كان أو مرا.. إن ما أكتبه هو الصراع الذي يعيشه البشر على الأرض في أغلب تجلياته، وكما يعيشه الآخرون أو كما يتمنون عيشه.. أنقل الأحداث مرفقة بالأحاسيس، أحاول نقل الصور مكتملة، ما يمكن أن نراه بالعين وما يمكن أن نحسه بالشعور. ولا أرى للكتابة وظيفة أو أريد أن أقتحم بها عالم قراء أصبحوا بعيدين على عالمها ومنذ زمن؛ فحين يكتب الكاتب لا يخاطب أحد هو يخاطب نفسه أولا وأخيرا، هو يعيش حالة من الارتباك ومن الحيرة والاستفهام، الكاتب يسأل نفسه ويجيبها، ثم يدونها.. ومن ثم، فما يكتبه يكون قطعه من فكره.

يقول الناقد الأدبي الأستاذ نجيب العوفي: “ثمة طفرة نسوية مشهودة في المغرب تجعل النساء، بالفعل، شقائق الرجال في الأعمال؛ والإبداع هو غرة هذه الأعمال”.. كيف ترين هذه الفورة الكبيرة التي يشهدها الأدب، بمختلف أجناسه وألوانه، في المغرب؟ الفورة الكبيرة لا يشهدها الأدب وحده، والناقد رآها في تخصصه الأدبي، وتحدث عنها من منطلقه، وبمنظار الناقد يُرى الأدب مدققا، ويصنف إلى أجناس وألوان، والإبداع لا نحصره في الجنس البشري بقدر ما قد نميزه في الجنس الأدبي.. وربما الطفرة النسوية التي أصبحت مشهودة في المغرب، كما جاء على لسان الناقد نجيب العوفي، جاءت نتاجا للتكنولوجيا؛ فاليوم الكاتبة تختبر كتاباتها عبر عرضها في صفحات الأنترنيت والمواقع والمنتديات.. وعندما تلاقي تشجيعا وترحيبا فهي تستمر وتبدع وتخرج أعمالها إلى الوجود.. وهذا لا يعني أن الأعمال النسائية كثرت في يومنا؛ بل نستطيع أن نعتبر المرأة المشرقية والعربية مترددة ومتأنية ومتخوفة، وتحتاج إلى دعم نفسي يواكب إبداعها ويخرجه من خموده وضموره إلى الوجود، وأيضا هي ليست أكثر إقداما من الرجل في شجاعة طرح المواضيع وجرأة مواجهة القراء، فالإبداع ليس بالنوع فقط بل بالكيف وبالظروف أيضا. 

على ذكر الجرأة، يسجل القارئ المتأمل كثير من قصص المجموعة أنها تتسم بنوع من الجرأة الإيجابية، إذ يتحوّل بعضها إن لم يكن كلها إلى اعترافات تقدمها الساردة أو السارد حول قضايا ومواقف وأحاسيس يصعب على المرء في الحياة الواقعية أن يكشف عنها للآخر؟ لا يمكن أن نكتب بطريقة إنشائية، ولا يمكن أن نمارس النفاق الاجتماعي حتى ونحن نكتب.. في الحياة الواقعية، قد تخيفنا القوانين الوضعية والأعراف والالتزامات البشرية وغيرها… وإذا لم تحررنا الكتابة من جميع العقبات الموجودة في الواقع، وإذا لم تمكنا من تعريته ومن كشف خباياه وغموضه ومن معالجة ظواهره وعيوبه، فالأحرى أن نفعل شيئا آخر غيرها.. 

 أطلقت على النصوص التي جمعتها بين دفتي مجموعة “هي وهو” توصيف / تجنيس “قصص حوارية”؛ وهو تجنيس غير متداول في الساحة الأدبية. فكيف نبع هذا الاختيار؟ أو بتعبير آخر: ما المبررات الجمالية والفكرية التي تحكمت في هذا الاختيار؟ عندما كتبت “هي وهو” كنت أريد أن أكون عادلة نوعا، هي قصص جاءت على ألسن أصحابها.. وحين كانت تتكلم المرأة في قصة فإنني أترك للرجل حق الرد في القصة نفسها. ومن ثم، فالقصة تكون نفسها؛ لكن على وجهين ورأيين، أي أن القصة تكون من منظور الرجل وفي الوقت نفسه من منظور المرأة.. ولأن الحوار لا يكون دائما مباشرا أو بين شخصين بالضرورة، فلقد ارتأيت أن أسمي القصص حوارية. الاختلاف في مضمون القصص داخل هذه المجموعة يجعل الحوار متنوعا، ويجعل القارئ في حيرة؛ لأنه حوار مركب، فهناك قصص على هيئة مونولوج وفيها تحاور الشخصية نفسها بينما تحاور في الوقت نفسه الشخصية الأخرى التي تعيش نفس حالتها والتي تجيب بدورها عن الحوار بحوار مزدوج آخر. وطبعا، لا توجد أي مبررات تحكمت في هذا الاختيار، فلم يكن اختيارا بقدر ما كان تجربة، والتجربة -كما هو معلوم- هي أمّ الاختراع.. فلم أكن مصممة أو كان عندي اختيار مسبق لكتابة هذا النوع، ولم أستوح فكرته من أيّ نوع آخر؛ لأنني وفقط حين كتبت قصة “هي” أحسست بأن المشهد غير مكتمل وبأنني ظلمت “هو”؛ لأن مكانه في الصورة بقي فارغا بل وكظل أسود، وهو ما سيؤثر بالسلب على جمالية الصورة التي التقطتها لحياتهما معا، فكان من الواجب عليّ إبراز وجه “هو”، ليراهما القارئ معا وفي الضوء…

يلمس القارئ لهذه المجموعة الجديدة اتجاهك نحو التجريب، سواء على مستوى التجنيس الذي وضعت على الغلاف أسفل العنوان “قصص حوارية” أو على مستوى المكونات الموظفة داخل النصوص ذاتها التي لا تتقيد إلى حد كبير وبكل صرامة بالقواعد والضوابط المعروفة المتبعة في الكتابة القصصية، إذ تحضر – على سبيل المثال- الحكاية والشخصية في كل النصوص التي تضمها المجموعة القصصية “هي وهو”؛ غير أن أركانا أخرى من أركان القصة مثل المكان والزمان تغيب تارة وتحضر أخرى… هل كان هذا التغييب ينبني على وعي وقصد مسبقين؟ بمعنى آخر: هل تحقق هذا التجريب بوعي وإدراك مسبقين من لدنك أم أن طبيعة الموضوعات المعالجة في القصص فرضت عليك السير في هذا الاتجاه؟ يتقاطع هذا السؤال نوعا ما مع السؤال الذي تفضلت له به منذ قليل، وأكدت لكم فيه أن الاختيار كان نتاجا للتجريب، والتجريب يوصل إلى نتائج مختلفة وجديدة، إما لم تكن موجودة في أصلها أم أنها وجدت؛ لكن على شاكلة أخرى مشابهة لها في أشياء ومختلفة عنها في أخرى. ومن منظوري الشخصي، أكره أن يتقيد الأدب بأية شروط أو ضوابط أو قواعد؛ لأن الإبداع هو كسر القيد وليس التقيد.. وبالنسبة إليّ أركان القصة، من زمان ومكان وغيرهما، سوف تلزمني البقاء على أرض الواقع وسوف تمنعني من التحليق عاليا في سماء الخيال.. إن تغييب الأركان من ناحية القراءة النقدية الأدبية الكلاسيكية هو موجود، وعدم وجوده لا يدل قطعا على أنه غير موجود حتى وإن لم يوجد دليل أدبي على عدم وجوده؛ لأن الزمن والمكان منهما انطلق الكاتب حين كتب قصة تروي أحاسيس ما، وهو يترك للقارئ تخيل المكان والزمان ويمنح له كامل الحرية في اختياره، هو لا يلزمه ولا يدخله إلى زمن محدد، هو يفتح له آفاقا ليعيش تلك القصة بما يتماشى مع مكانه وزمنه كقارئ.. وللتوضيح قليلا، فحين يتكلم الكاتب عن الحزن مثلا، فالشخصية لم تعش الحزن داخل العدم؛ فمنطقيا ستكون قد عاشت الحزن انطلاقا من مكان وزمان محددين، حتى وإن لم يتم ذكرهما.. وأحداث القصة في مجملها تكون نفسية، ويجرد الكاتب تفاصيل معاناة الشخصية مع الحزن وما فعله الحزن بكل جزء من شعورها.. هنا ليس بالضرورة أن نعرف بأن شخصية القصة تمضي فصل الخريف في السجن، أو تعرضت للخيانة أو لحادث أو رزئت في حبيب؛ بل يترك الكاتب للقارئ حرية اختيار مكان وزمان هذه القصة، ويترك له مجالا واسعا لاستخدام فكره ومخيلته.

 تحضر، على طول نصوص المجموعة، عدد من العبارات والفقرات المسجوعة على منوال الحكم والأمثال؛ من قبيل: “الندم غال حين ندفع ثمنه لمرات والخيبة والهزيمة طعمهما مرّ على من ألف مذاق العسل” (ص 5) و”الاستسلام للنسيان حلّ سليم، وهو ليس برضوخ للضعف” (ص 6) و”أصعب شيء هو أن تعيش حياتك كلها في ندم” (ص 9).. فهل كانت الغاية لديك من هذا الأمر تقديم العبر والدروس إلى القارئ؟ حين تتكلم الشخصية في النص فهي المسؤولة عما تقوله وليس الكاتب، الذي يبقى مجرد واسطة بين الشخصية وبين القارئ، إذ يساعدها على القول ويساعد الآخرين على سماعها.. وما يأتي في النصوص من عبر أو دروس فهي ما توصلت إليه الشخصية، من خلال تجربتها التي تحكيها للقارئ الذي بدوره قد يعتبر من عبرتها.. ومن ثم، فغاية الكاتب هي غاية الأدب، أي التثقيف والإمتاع ولم لا التوعية أيضا؟.. 

ركبت، في مواضع عديدة من المجموعة، اللغة المجازية ذات الدرجة العالية في البلاغة والتنميق كما أنك كنت مباشرة في مواضع أخرى.. ألا ترين أن الحضور البلاغي الطاغي في النص القصصي يؤثر على ظروف التلقي؟ طبعا هو يؤثر على ظروف التلقي وحسب نوع المتلقي، ولا يمكن أن نكتب باستعمال نوع واحد من الكتابة طالما أن المتلقي ليس نوعا واحدا، فنحن نخاطب العموم بفئاتهم ومستوياتهم، وباختلاف سمات شخصياتهم.. لهذا، فالكاتب لا يحصل على رأي واحد بل على آراء مختلفة، وما يعجب هذا القارئ قد لا يعجب القارئ الآخر.. وكلما أدرج الكاتب طرقا مختلفة في الكتابة سالكا التعقيد مرة والتبسيط مرة، كلما اتسعت شريحة قرائه وكلما تباينت آراؤهم.

على غرار عدد من الأسماء في المغرب وخارجه، تمارسين العمل الصحافي إلى جانب الكتابة الأدبية.. فأيّهما يستفيد من الآخر؟ وما طبيعة تلك الاستفادة التي ينالها؟ طبعا، تختلف الكتابة الصحافية عن الكتابة الأدبية.. وأجد أن الكاتب من السهل أن يصبح صحافيا، في حين أن الصحافي من الصعب أن يصبح كاتبا؛ فالكاتب يمتلك الأساليب والوسائل الأدبية والحنكة والأسلوب المؤثر في القارئ.. وهذا قد يجعله صحافيا بارعا، خصوصا في كتابة أعمدة الرأي. كما يوظف الكاتب إمكاناته الثقافية أيضا في العمل الصحافي، فالكاتب شخص يدمن القراءة ويعيش بين الكتب، وحين يتوجه إلى الكتابة الصحافية يستعين برصيده المعرفي في التحليل والمناقشة وإدراج الأمثلة والمراجع. 

 في كتاباتك الصحافية، لا تتخلصين من الأديبة فيك، إذ إن القارئ للأعمدة الصحافية التي تحررينها ضمن ركن “ممنوع على الرجال” في الصفحة الأخيرة من جريدة “الأخبار” كل يوم ثلاثاء يلمس أن نفسا قصصيا يسري بين سطور تلك الأعمدة/ الكتابات… ألا ترين أنه لا بد من وضع الحدود الفاصلة بين النمطين (القصة والعمود الصحافي)، لا سيما أن القارئ يختلف من مقام إلى آخر؟ لكتابة مقال لا تحتاج إلى أكثر من فهم للموضوع ومعلومات واقعية وطريقة بسيطة في الكتابة، ولتكتب قصة تحتاج إلى آليات الكتابة الأدبية وتستند إلى الأحداث الواقعية لتشغيلها في السرد.. ويتقاطع المقال مع القصة في الخيال.. ولأن الحياة بمجملها قصة كبيرة وبداخلها قصص صغيرة، فكل شيء يعيشه الإنسان كان واقعا أو خيالا فهو قصة، وكتابة المقال بنَفَس القصة يجعل القارئ يعيش معك أحداثا واقعية وفي الوقت نفسه تخلق لديه تأثرا بالأحداث؛ فعندما تكتب مقالك مستعينا مثلا بالسخرية كأسلوب أدبي، فأنت تجعل المقال متميزا لأنك تمنحه أبعادا أخرى، والكاتب الصحافي حين يخلط بين القصة وبين المقال يفعل ذلك بشكل مدروس لا يؤثر على النمطين إنما يخلق منهما عملا إبداعا.

رأى مولودك الأول البكر “الهاربة” خارج أرض المغرب، وتحديدا في القاهرة؛ غير أنك قررت العودة، في وقت لاحق، إلى أحضان الوطن من أجل إطلاق عمل جديد.. كيف تقارنين بين التجربتين، على مستوى القراءة والتلقي تحديدا؟ أشهر الكتاب العرب وأغلبهم ينحدرون من المشرق الذي يعد مهد الأدب العربي، وما زلنا وإلى يومنا نقرأ للكتّاب المصريين واللبنانيين والعراقيين والفلسطينيين.. ومن منا لم يحلم يوما بمعانقة أرضهم لملامسة ما كتبوه عنها، فبالأحرى أن يكون كاتبا ويجعلهم يقرؤون له؟ وإطلاق أول عمل لي من مصر كان ربما بحثا عن الاهتمام والعناية من بلدان تعترف بقيمة الأدب والأدباء ولو معنويا.. فالكاتب يحتاج إلى القراء والآراء ليعرف موطئ قدمه على أرض الكتابة.. وكما قلت في سؤالك كانت مجرد تجربة؛ لأن الكاتب منا ابن بيئته ووطنه ولا محيد له عنهما، والتجربة تجعلك تتوصل إلى أن النجاح في وطنك لا يعادله أيّ نجاح في أيّ مكان آخر، وعلى الكاتب ألا يتسرع في الحكم على نوع القراء أو البلدان التي ينتمون إليها، لأن النجاح لا يكمن في المكان بل في نوع العمل.. ولعل الزمن كفيل بكشف الصالح من الطالح، والبقاء يكون للأصلح، كما أثبت لنا التاريخ الذي أخذ كامل وقته قبل أن يخلد الأسماء.. 

 إلى جانب القصة القصيرة، تمارسين الكتابة الشذرية التي أصبحت موئلا وملجأ لعديد من الأقلام الأدبية في المغرب في الوقت الراهن.. فما هي البواعث التي تدفعك إلى الانخراط في التعبير بوساطة هذا الجنس الأدبي؟ الكتابة الشذرية تفشت مؤخرا تفشيا كبيرا في الأوساط الأدبية المغربية والعربية.. ولأن هذا النمط الأدبي، الذي يعود أصله إلى فلاسفة اليونان ونجده في الكتب الفلسفية والدينية وفي التراث العربي في الكتابات الصوفية والعرفانية، يعد طريقة لها خاصية مميزة في الكتابة كونها تعتمد على الاختزال والتركيز؛ فلقد أصبحت اليوم ملجأ لمن يريد تدوين أفكاره بشكل ثائر، واستعمال اللغة كرمز وكرؤية وكقنطرة للمرور إلى عمق الواقع. لجوئي إلى هذا النوع الأدبي هو ربما نابع عن اهتمامي بفلسفة الشك وإعجابي الشديد بطرق التعبير التي ينهجها الفلاسفة؛ لأن الكتابة الرمزية والسريالية لها قدرة كبيرة على التمرد ورفض ما هو موجود على الواقع ونقده باللاواقع.. والشذرة بالنسبة إليّ هي القليل من الكثير، وهي النور من الظلام، وهي النهاية من البداية والشك من الحقيقة والمعرفة من الجهل.. وبناء عليه، فإنني عندما أكتب شذرة، فأنا أمهد طريقا إلى عالم وجداني يقع بين عالمين واقعي وخيالي، ولا أمنع القارئ من اكتشافه بل أتيح له كامل الحرية في طريقة ووقت الوصول إليه وكيفية العيش فيه. 

يلمس القارئ لبعض نصوصك القصصية أن النبرة الخطابية التقريرية (المباشرة) تكاد تهيمن على تلك النصوص.. ألا تحط، في نظرك، هذه النبرة من درجة الأدبية في كل نص أدبي وتسقط به في شباك التقريرية؟ سأجيب عن هذا السؤال بسؤال: ربما من السهل أن تكشف حقيقة شخص في غيابه، فهل من السهل أيضا أن تكشفها في حضوره؟ يحتاج أسلوب الخطاب المباشر والمواجهة إلى جسارة وجرأة، ويتطلب مواجهة الآخرين ومواجهة الذات، في نوع من المصارحة والمكاشفة، والخطاب في عمومه يحتاج إلى بلاغة وحجة وقدرة كبيرة على التأثير والإقناع، وما كان للسياسي أن ينجح خطته (قصته) السياسية لو لم يكن له خطاب مباشر ليقنع من سينتخبه.. والحال نفسه ينطبق على الأديب، فلن تنجح كتاباته إذا لم يكن خطابه الأدبي مباشرا ليقنع قراءه بما جاء في قصته –خطته –الأدبية.

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الشاعر والناقد عبدالجواد الخنيفي

اللّغة الشعريّة تنطوي على تشعّب المواقف والعواطف .. اللّغة الشعريّة لها القدرة على النّفاذ إلى …

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

%d مدونون معجبون بهذه: