الأربعاء , 27 أكتوبر 2021

التجليات الأندلسية في المتن الشعري النسائي “هل أتاك حديث أندلس” لسعاد الناصر أنموذجا 2/1

تتميز التجربة الشعرية المغربية بخصوصيات تجعلها متفردة من حيث المضامين والأغراض، وتحفل ساحة الشعر العربي في المغرب بأسماء شعرية وازنة بصمت المشهد الشعري بالجودة والإبداع، وخصوصا جيل الثمانينات الذي تميز بحضور “كمي قوي للشعر والشعراء[1] وتختلف رؤية الشعراء حسب اختلاف الحقب التي ينتمون إليها نتيجة للمتغيرات والعوامل المحيطة بهم. والمتن الشعري الذي سنخصص له هذا المبحث متن شعري متميز لأدائه ومعانيه، فريد بتشكلاته ومراميه، ولقد اخترت الاشتغال بالنص الشعري للشاعرة المبدعة سعاد الناصر، والتي بصمت بالتميز والجودة، وأثبتت حضورها القوي في مجال النظم والقريض.

تكشف سعاد الناصر من خلال نصوصها المتنوعة عن تجربة شعرية خلاقة، تمتح من الينابيع الشعرية وتسهم في بناء النصوص الشعرية. وسنحاول البحث في التمثلات الذهنية للصورة الشعرية عند سعاد الناصر من خلال استقصاء حضور الرموز الأندلسية في المتن الشعري الخاص بها. وسنتتبع منهج الدكتور أحمد الريسوني في رصد الصور الشعرية عند الشعراء المغاربة، فقد أوصلته دراسته للمتن الشعري إلى مستويين أساسيين للصورة الشعرية العامة “فهناك الصورة التي تعاملت مع التمثلات الذهنية وتجلياتها في البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .. فنتج عن ذلك نمو عناصر الدراما داخل الصورة .. وهناك الصورة التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالذات الشاعرة .. وبذلك كانت الصورة عبارة عن نسيج غنائي ذاتي[2]

سنحاول تتبع صورة الأندلس في التجربة الشعرية للشاعرة سعاد الناصر لنكشف تمثلاتها وتجلياتها، فللشاعرة ديوان شعري بعنوان هل أتاك حديث أندلس.

الشاعرة والأستاذة سعاد الناصر[3] تخُص الأندلس بديوان شعري بعنوان هل أتاك حديث أندلس[4] الديوان يتألف من ثلاث وعشرين 23 قصيدة وهو عبارة نصوص شعرية كلها تتضمن ذكراً للأندلس، جعلت منها الشاعرة حوارا بين الأندلس وبين الأمير السندبادي. ومما جاء في كلمة ظهر الغلاف “هل أتاك حديث أندلس ديوان شعري، أرادته الشاعرة أم سلمى أن يكون جديدا في كل شيء.. هو ديوان السؤال والمساءلة وفيض من فيوضات الوجدان، في نكهة النثر والسرد، وإشراقات الشعر.”[5]

إنَّ الشَّاعرة جعلت من ديوانها بابا يلج منه القارئ إلى عالم يفصح عن المكنونات، ويوحي بأنها ستبحث عن سر من أسرارِ الأندلسِ، وهذا ما نفهمه من جملة مدخل النص: “هلْ أتاكَ حديث أندلس، وكأنها تُخاطبُ عاقلاٌ، الأندلس التي وقفَ عندها الْكثيرون في قصائدهم وأشعارهم وكِتَاباتهِم.. هي الفضاء الملهم والمكان الذي سكن وجدان وعقل الشعراء، الأندلس ذلك التاريخ المجيد التليد، وأول ما يطالعنا في الديوان عنوانه، فجملة الْعنوان الاستفهامية تشُدُّ الْقارئ للخطاب ليتسَاءلَ عن طبيعةِ وحقيقة الْخطاب الذي ترسله ” أندلس”، “إذ يحضر التشويق والتَّرغيب في معرفة خبايا الْحديث المُرْسلِ من قِبَلِ ” أندلس ” ، وتنكير الْمُفردة ” أندلس” يترك مِسَاحاتٍ للتًأويلِ والْقراءة ، فيسبح المستمع – القارئ – الْمتلقي في أمواج التأويلات عسَاهُ بذلكَ يُمسكُ بتلابيبِ الْمعْنى والْمَقْصِد.. هل هي أندلس الْمعروفة أم هي أندلس الذًات الشًاعرة، التي نسجتها مخيلتها الشِّعرية صُورًا ومعاني وبوْحا وأرادت أن تنقلها للمُخاطب المُعلنِ في نُصوصها الشِّعرية أو الْمُضَمَّنِ في الْبوح الْخَفِيِّ غيرِ الْمُعْلَنِ.”[6]

التجربة الشعرية لأم سلمى تتميز بالتفرد والجدة، وتكشف عن بواطن الإبداع والبوح الفني، تقول الناقدة السنعوسي: “ يجمع بين نصوص سردية وأخرى شعرية مما يعكس عمق خيال الشاعرة ومهارتها في استخدام التراكيب والصيغ التعبيرية، ويتميز بسحر الكلمة وروعة المعنى وجاذبية الخيال.[7]

العنوان جملة استفهامية تفتح الباب أمام القارئ للغوص في متن شعري قد يجيب عن السؤال، سؤال استنكاري يجذب القارئ للتصفح والقراءة، فالمعلوم أن جميع الناس -تقريبا- يعرفون الأندلس وقصص الأندلس، لكن الشاعرة تتساءل وتطرح السؤال الموجه للمفرد، وتسأل عن الأندلس بصيغة النكرة -أندلس-

القصيدة الأولى بعنوان إهداء[8]، ومما جاء فيها:

وهج يسكنني

يدنيني من مرافئ عينيك

يمنحني بنض الكون

وفجرا قدسي الألوان

ها فضاء الوصل يعانق أندلس البوح

ويستنطق أسرار العمر

الشاعرة أم سلمى تطلعنا منذ بداية الديوان أن الأندلس ستبوح لنا بسرها الدفين، يتأكد هذا الطرح، وتتضح هذه الفرضية من خلال القصيدة الثانية التي تحمل عنوان تجلي[9] والتي جاء فيها:

أنا بوح تجلى في غمام

وميض تناثر في خيال

..

[1]  الشعر العربي المعاصر بالمغرب لأحمد هاشم الريسوني ص 12

[2]  الشعر العربي المعاصر بالمغرب للريسوني ص 14

[3]  أستاذة التعليم العالي بكلية الآداب  بتطوان. من مؤلفاتها: لعبة اللانهاية/سأسميك سنبلة/ظلال وارفة.

[4]  ديوان هل أتاك حديث أندلس؟ لسعاد الناصر، مطبعة آنفو برانت فاس، 2009م.

[5]  الدكتور مسلك ميمون، كلمة ظهر غلاف الديوان.

[6]  سعيدة الرغيوي نقلا عن موقع الحوار المتمدن https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=652843

[7]  مقال بعنوان تجربة مغربية ناضجة للسنعوسي https://www.maghress.com/map

[8]  الديوان ص 5.

[9]  الديوان ص 6.

 

د محمد التويرة

عن Romaisae

شاهد أيضاً

من جمال التصوير إلى قوة التصديق: قراءة في ديوان كنز الحكيم1 للشاعر محمد البقالي

  من الشعراء من يأسرك حديثهم، وتصطحبك مروياتهم الشعرية فتشعرك بأنك مقبل على تتبع حكاية …

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “عبد الواحد القلالوسي.. سيرة ومسارات”

شكلت الهوية الجماعية لمدينة تطوان علامة مخصوصة داخل مكونات ذاكرة منطقة الشمال. وظل عطاء نخب …

كتاب “ذاكرة مستعادة عبر أصوات ومنظورات” لأحمد اليبوري سيرة ذاتية بضمائر وأصوات متعددة

لم أحظ بقراءة كتاب ” ذاكرة مستعادة عبر أصوات ومنظورات “ للأستاذ الفاضل أحمد اليبوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: