الثلاثاء , 29 سبتمبر 2020

صحافة الزيف والإثارة والبهتان : “وثائق سرية أشعلت حربا استخباراتية مع إسبانيا” نموذجا

صحافة الزيف والإثارة والبهتان: “وثائق سرية أشعلت حربا استخباراتية مع إسبانيا” نموذجا 2/1

د. محمد عزيز البازي : كثيرا ما نُصادف في صحافتنا ترهات الأقوال، وزيف ونحل الأخبار، وبهتان الإعلام، وتحريف البيان، ومسخ الرواة والناقلين للألفاظ والمعاني والكلام، ومناورة المخبرين، وتواطؤ الكتاب والناشرين، وتهافت المدراء والمراسلين، من قبيل مقال : “وثائق سرية أشعلت حربا استخباراتية مع إسبانيا” لكاتبه خالد العطاوي، الوارد بجريدة الصباح، عدد 5283 (15-16/04/2017) صص 1-2[1]؛ المترع بالتهافت والبهتان والقذف في حق عميد المؤرخين المغاربة وهرم من أهرامات الثقافة المغربية والأندلسية، الأستاذ الكبير محمد ابن عزوز حكيم رحمة الله عليه، الغني عن البيان والتعريف، وهو صنيع يعاقب عليه القانون الجديد للصحافة والنشر حسب ما ينص عليه في مواده: 83 و85 و 87 و88 و89 و99 وغيرها[2]، خاصة وأن كاتبها ومدير نشرها على حد سواء، لم يتحريا مصدر ومضمون أخبارها التي فندتها عائلة الفقيد جملة وتفصيلا، بحيث لا نستوعب غرضها المسطر للنشر والإخبار، إلا لإثارة النعرات والعداوة والصراعات سواء بين الأفراد أو البلدين المغرب وإسبانيا، والتحريض على الكراهية والتمييز الذي يعاقب عليه القانون نفسه في مادتيه 71و 72[3]، كما يحظره الدستور المغربي في فصله[4] 23، فضلا عن أننا لا نستسيغ سبب كتابة عنوان المقال المذكور بصيغته المثيرة بالصفحة الأولى لجريدة الصباح كالتالي : “وثائق سرية أشعلت حربا استخباراتية مع إسبانيا تعود ملكيتها للمؤرخ ابن عزوز وتضمنت أسماء شخصيات تعاملت مع الاستعمار وتفاصيل حرب الريف”، إلا لاستمالة فضول القارئين لشراء هذه الصحيفة قصد كسب مردوديتها المادية التي تعرف تراجعا ملحوظا في مداخيلها، وكذا نشر الإشاعات التي يكون من ورائها اختبار الرأي العام والخاص في الموضوع المتناول، ومعرفة الموالين والمناوئين على حد سواء، ونسبة النجاح والفشل أو القبول والرفض للأمر المرسوم لغاية في نفس يعقوب، أو التخطيط لإفشال أو إنجاح قضية ما عن طريق ممارسة شتى الأساليب القائمة على الإثارة والإهانة والابتزاز والترهيب والاستفزاز والتفرقة والمقايضة والاستقطاب، خاصة في ظل ما تعرفه بعض الأوضاع والأحداث من قبيل ما يجري بالريف من حراك شعبي داخل نطاقه أو خارجه [5].

غير أن نتيجة نشر هذا المقال كانت خاوية الوفاض، بل إن صاحبه لم يوفق حتى في إضفاء طابع التلاؤم فيما ينقله من زيف وبهتان الأخبار بما تحمله من تناقض وتهافت وافتراء سافر، وتغريض وتعريض جائر، وسذاجة في التعبير، وسخافة في الاستنتاج، و خساسة في التفكير، مثل الاعتقاد بأن الكشف في الوقت الراهن عن “معطيات سرية حول حرب الريف” و”أسماء شخصيات مغربية كانت تتعامل سرا مع الاحتلال الإسباني، … من شأنهِ أن يحدث زلــزالاً سيـاسيـًا في المغرب وإسبانيا” !!!،

وكذا الزعم بأن اعتراف المؤرخ الراحل محمد بن عزوز حكيم آخر أيامه بتوفره على وثائق ثمينة كان وراء تأجيج التنافس بين الاستخبارات المغربية والإسبانية، وكأن مؤرخنا كان يخاف الاعتراف بهذا الأمر فيما سبق!!!، علما أن المرحوم صرح مرارا وتكرارا بتوفره على وثائق نفيسة في العديد من المناسبات، ولا أدل على ذلك كتاباته الغزيرة الفريدة وتناوله موضوعات هامة طريفة، هذا فضلا عن ادعاء المصدر الكاذب أن الفقيد ترك كنوزا تاريخية بالمكتبة الوطنية بمدريد، و أن استخبارات البلدين سعت إلى الحصول عليها بمجرد وفاة صاحبها، والإقرار بتمكن الاستخبارات المغربية من الحصول على المستندات التاريخية، ما اعتبره انتصارا استخباراتيا !!.

إذا سلمنا جدلا بصحة هذا الخبر، كيف يمكن أن تروم الاستخبارت الإسبانية السعي إلى الحصول عليها أو التنافس مع نظيرتها المغربية في شأنها، ما دامت هذه الكنوز أو المستندات التاريخية متوفرة ومودعة في مكتبة بلدها الوطنية بمدريد، علما أن الراحل رفض من جامعة غرناطة طلب إقامة مؤسسة تحمل اسمه خاصة بمكتبته في هذه المدينة، بمناسبة تكريمه وتتويجه من طرف رئيس جامعتها يوم 27 أكتوبر 2010، ما يدحض الادعاءات الكاذبة المغرضة السابقة الذكر، ويؤكد روحه الوطنية النضالية العلمية التي لم تخب أنوارها إلى آخر رمق من حياته. ناهيك عن هذا فإن مصدر الخبر وناقله تماديا في التلفيق والقذف والبهتان حينما سلما بوجود “وثائق أودعها الراحل في المكتبة الوطنية بمدريد” و”تمكن أبناؤه القاطنون بتطوان من استعادتها بصعوبة تحت مراقبة الاستخبارات المغربية التي حرصت على الحفاظ عليها بموافقة أفراد الأسرة” حسبما ورد في نص المقال، ونحن نعلم علم اليقين أن راحلنا لم يعرف عنه أن له أبناء.

-ألم يتساءل كل من كاتب المقال ومدير نشره عن خلفيات مصدر الخبر الذي اختار ملابسات الحراك الشعبي في منطقة الريف، للبوح بترهات أخباره؟

-ألم يتساءلا: لماذا وضعت الاستخبارات المغربية حدا لحرب باردة مع نظيرتها الإسبانية، في ظرف هذا الحراك بالذات بعد مرور ثلاث سنوات من المواجهة، انتهت بحصولها على وثائق تاريخية سرية للمؤرخ المرحوم محمد بن عزوز حكيم، حسب ادعاء مصدر المقال؟

-ألم يعلما أن هذا الحراك أثار العديد من الردود والانتقادات من أطراف مختلفة، على رأسها الاستخبارات المغربية[6]، خاصة فيما تعلق بموضوع دعم الحراك المذكور من جهات خارجية مثل إسبانيا وهولاندا؟
-ألم يعلم الطرفان أن تصريحات المصدر المعتمد في المقال تستند على أسلوب الإثارة ومعجم التهويل من قبيل: “حرب باردة”، “حرب استخباراتية”، “معلومات خطيرة”، “معطيات سرية حول حرب الريف”، “زلزال سياسي في المغرب وإسبانيا” !!؟.

-ألم يكن حريا تسمية الأسماء بمسمياتها، عوض إطلاق الكلام على عواهنه كالحرب الباردة والاستخباراتية التي لا نجد لها خيط دخان في واقع الأمر، إلا في خيال وهيام المصدر المذكور!!؟.

إن ما طفح به المصدر المعتمد في المقال المذكور، من تناقض وتلفيق وسخافة وتغريض، كان كافيا لصاحبه خالد العطاوي وناشره عبد المنعم دلمي أن ينحوا منحى الفحص والتحقيق والتحليل لأخباره حتى يتم التبين والتأكد من صحتها قبل نشرها، حسب ما تقتضيه أخلاقية مهنة الصحافة وضوابطها[7] ومرامي النظام الأساسي للصحافيين المهنيين[8]، وقانون الصحافة والنشر[9]، والمجلس الوطني للصحافة[10]، وميثاق الشرف الإعلامي العربي[11]، والمواثيق والمبادئ الإعلامية الدولية والعربية على حد سواء. كما كان عليهما أن يستشيرا في الأمر عائلة الفقيد التي تتوفر على موقع في الفايسبوك[12] يحمل صورة واسم المؤرخ: Mohamed Ibn Azzouz Hakim، للـحسم والفصل فيما يحاك ضد منطق وحقائق الأمور ومجرياتها، بل إن كاتب المقال خالد العطاوي لم يحرك ساكنا أو يقدم تبريرا أو اعتذارا بعدما أحيط علما بتفنيد عائلة المرحوم ابن عزوز حكيم، لما ورد في المقال من أباطيل، مما يعد تواطؤا سافرا وتناورا وتضليلا في حق هذا الهرم الكبير من أهرام الثقافة المغربية والأندلسية التي تدين له بالشيء الكثير.

رغم أن السيدة إحسان المرزوقي ابن عزوز النائبة عن عائلة الفقيد الأستاذ محمد بن عزوز حكيم، أرسلت طلب بيان حقيقة بتاريخ 19 أبريل المنصرم[13]، إلى مدير نشر جريدة الصباح، تستنكر فيه جملة وتفصيلا ما ورد في مقال خالد العطاوي، وتطلبه بتصحيح وتفنيد كل ما ورد فيه عن طريق نشر بيان الحقيقة، قبل أن تتخذ جميع الإجراءات لمتابعة صاحب المقال حسب ما ورد بالطلب المذكور، إلا أن مدير نشر جريدة الصباح عبد المنعم دلمي لم يقم بالاستجابة لما طلب منه، بغية تنوير الرأي العام بالكشف عن المغالطات التي ارتكبها صاحب المقال، إذ اكتفى بنشر خبر موجز في خمسة أسطر قصيرة، يحمل اسم “حكيم” ضمن غيرها من الأخبار التي يشملها العمود الذي يعتبر ثانويا بالنسبة لحيز باقي الأخبار وعناوينها المعروضة بالصفحة الأولى[14]، خاصة بالنسبة لشكل وحيز ومضمون المقال المنقود الذي لم يشر المدير إلى عنوانه واسم كاتبه وتاريخ صدوره بجريدة الصباح، بل أشار إليه على وجه التعتيم دون الإشعار بأي نقد موجه إليه كالتالي: “وأوضح بيان للعائلة بناء على مقال نشرته الصباح في عدد نهاية الأسبوع، أن المرحوم لم يسلم جميع وثائقه للمكتبة الوطنية…”)[15]، بل إن صيغة ما نسبه المدير إلى عائلة المؤرخ ابن عزوز حكيم، على وجه التوضيح، هو تضليل لحقيقة البيان المرسل إليه، لأن القول بأن ” المرحوم لم يسلم جميع وثائقه للمكتبة الوطنية بمدريد”[16]، يحتمل ويتضمن أن المرحوم سلم بعضا من وثائقه إلى المكتبة المذكورة، وهو انزياح خطير لمقصود بيان عائلة ابن عزوز حكيم الذي يفند المعلومات الخاطئة والادعاءات الباطلة لكاتب المقال خالد العطاوي، ناقدا وموضحا كما يلي:

“علما بأن جميع الوثائق والمستندات التي تخص المرحوم توجد في أياد أمينة لدى ورثته ونثير انتباهكم إلى أن وطنية السيد ابن عزوز لا تسمح له باتخاذ هذه الأعمال. ونوجه عنايتكم كي تعملوا على تصحيح كل ما ورد في المقال المذكور حتى لا نضطر إلى اتخاذ جميع الإجراءات القانونية لمتابعة صاحب المقال، وذلك عن طريق نشر بيان يفند كل ما جاء في المقال السابق الذكر”[17].

الهوامش :
[1] نسخة أخرى نشرت بالموقع الإلكتروني لجريدة الصباح، بتاريخ 17/04/2017، في:
[2] الجريدة الرسمية، “ظهير شريف رقم 1.16.122 صادر في 6 ذي القعدة 1437 (10 أغسطس 2016) بتنفيذ القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر”، عدد 6491 (15/08/2016)، صص 5980-5981 و5983 و5895.
[3] المصدر نفسه، صص 5977-5977.5978، وانظر كذلك المادة 37، ص 5973، والمادة 64، ص 5976.
[4] الدستور الجديد للمملكة المغربية، إعداد وتقديم امحمد لفروجي، الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2012، ط 2، (نصوص قانونية محينة، عدد 32)، الفصل 23، ص 29.
[5] حسين مجدوبي، “سخط ورفض وسط نشطاء الريف المغربي بسبب وثيقة استخباراتية تحاول نسب حراكهم إلى أياد أجنبية”، القدس العربي، (17/04/2017)، في:
http://www.alquds.co.uk/?p=705363 ؛ أنوال.نت، “شعو يواصل تسريب وثائق سرية: شكيب الخياري ومنعم شوقي في خدمة المخابرات”، أنوال.نت، في:http://www.anoual.net/?p=10862
[6] انظر على سبيل المثال: حسيمة سيتي، “جريدة الأحداث المغربية ‘آخر أوراق المخابرات لتسفيه الحراك بالريف’ “، hoceimacity (30/03/2017)، في: ؛ رضوان جراف، “خطير… استنفار جهاز المخابرات بعد غزو قمصان تحمل علم جمهورية الريف بالمناطق الريفية”، أندلس بريس، (01/01/2017)، في: ؛ حقائق 24، “جون أفريك: حراك الحسيمة بعيون المخابرات المغربية”، حقائق24 (15/04/2017)، في: ؛ سعيد العمراني، “من يكذب على الآخر “جون أفريك” أم “دي.ايس.تي”، أنوال بريس (16/04/2017)، في: ؛ 60 دقيقة، “تقرير سري للمخابرات المغربية يكشف تفاصيل اختراق منظمات إنفصالية بأوروبا لاحتجاجات الريف والتخطيط لإعلان العصيان المدني”، 60 دقيقة، (14/04/2017)، في: ؛ أريفينو.نت، “خطير: تقرير للمخابرات المغربية يتهم جمعيات ريفية بهولاندا وبلجيكا بتمويل واختراق الحراك الشعبي بالحسيمة”، ariffino.net، (13/04/2017)، في:
[7] النقابة الوطنية للصحافة المغربية، “ميثاق الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير”، انظر بصفة خاصة ديباجة الميثاق وبنوده التالية: 4، 6، 7، 11، 12، 21، 22، في: .
[8] الجريدة الرسمية، “ظهير شريف رقم 1.16.51 صادر في 19 من رجب 1437 (27 أبريل 2016) بتنفيذ القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين”، عدد 6466 (19/05/2016)، صص 3849-3853، انظر بصفة خاصة: المادة 5 و7 و 18 و29.
[9] الجريدة الرسمية، “ظهير شريف رقم 1.16.122 صادر في 6 ذي القعدة 1437 (10 أغسطس 2016) بتنفيذ القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر”، عدد 6491 (15/08/2016)، صص 5966-5987، خاصة المواد التالية: 2، 17، 64-65، 72.
[10] الجريدة الرسمية، “ظهير شريف رقم 1.16.24 صادر في 30 من جمادى الأولى 1437 (10 مارس 2016) بتنفيذ القانون رقم 90.13 القاضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة”، عدد 6454 (07/04/2016)، صص 2961-2969، خاصة المادة: 1 و36 و40.
[11] الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، “ميثاق الشرف الإعلامي العربي”، النص المعدل وفقا لتوصيات فريق العمل لمجلس وزراء الإعلام العرب الذي قام بتحديث هذه الوثيقة وتطويرها، المنعقد في تونس بتاريخ: 2-4 ماي 2013، (2014)، صص 1-6، خاصة المواد التالية: 8 و 9 و10 ص 3، في: ؛ الأمانة العامة للحكومة لجامعة الدول العربية، “عرض المواثيق والمبادئ الإعلامية دوليا وعربيا”، صص 1-30، خاصة صص 9 و12 و23 و29 ، في: .
[12]
[13] إحسان المرزوقي ابن عزوز نيابة عن أسرة الفقيد الأستاذ محمد ابن عزوز حكيم رحمه الله، رسالة في موضوع: “طلب نشر بيان حقيقة”، موجهة إلى مدير نشر جريدة الصباح عبد المنعم دلمي، بتاريخ 19 أبريل 2017، الرباط، توجد نسخة منها في موقع المرحوم محمد ابن عزوز حكيم بالفايسبوك السابق الذكر.
[14] جريدة الصباح، “حكيم”، في عمود: أخبار الصباح، عدد 5287 (20/04/2017)، ص 1.
[15] المرجع نفسه.
[16] المرجع نفسه.
[17] إحسان المرزوقي ابن عزوز، رسالة في موضوع: “طلب نشر بيان حقيقة”، موجهة إلى مدير نشر جريدة الصباح عبد المنعم دلمي، سبق ذكرها.

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الشاعر والناقد عبدالجواد الخنيفي

اللّغة الشعريّة تنطوي على تشعّب المواقف والعواطف .. اللّغة الشعريّة لها القدرة على النّفاذ إلى …

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

%d مدونون معجبون بهذه: