صرح ثقافي جديد بتطوان مكتبة “أغورا”

هاتفني صباح الثلاثاء 2 نونبر 2021 صديق عزيز  يدعوني لحضور افتتاح مكتبة، فاستجبت فورا للدعوة الكريمة بعدما استفسرته عن المكان وموعد الافتتاح، وتحمست أكثر لأن المكان قريب من بيتي والموعد يلائم برنامجي اليومي.

قبيل حلول موعد الافتتاح رتبت أحوالي ثم انطلقت لا ألوي على شيء صوب المكان المعلوم الذي بلغته في عشر دقائق.

دخلت المكان فوجدت الصديق العزيز بين أصدقاء آخرين؛ منهم من ربطتني به رفقة الدراسة في ثانوية القاضي عياض؛

ومنهم من جمعتني به مهمة الإشراف التربوي في الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين.

ألقيت نظرة على رفوف جناحي المكتبة الفسيحة فتبين لي أنهما زاخران بقطوف دانية من الكتب في مختلف التخصصات، وبلغات شتى…

تبادلت أطراف الحديث حول الشأن الثقافي في مدينتنا مع أعزاء  لم ألتق بهم منذ إرخاء وباء كورونا سدوله علينا.

واحتفاء بالمناسبة وتخليدا للحدث الجميل، التقطنا صورا للذكرى.

ولأن افتتاح هذا الصرح الثقافي جاء في زمن إكراهات واحترازات الجائحة يعد حدثا خارقا للمألوف، فقد فسح قيمه المجال للرواد، بحضور منابر إعلامية، للإدلاء بآرائهم والتعبير عن انطباعاتهم وارتساماتهم حول فضاء المكتبة، وما يمثله بالنسبة لكل واحد منهم، فتوالت الكلمات وتعاقب المتدخلون فعبر كل على شاكلته عن انطباعه، وأدلى برأيه، وقدم اقتراحه، وأفصح عن دعمه ومباركته.

طربت للحضور النوعي المحترم نساء ورجالا،  المتشكل من مربين، ومفكرين، وأدباء، وشعراء، ونقاد، وصحافيين، وكتاب، ومسرحيين، وموسيقيين، وتشكيليين، وأكاديميين، وناشطين في جمعيات المجتمع المدني التطواني.

أعجبتني الكلمات التي باركت الحدث واعتبرته خطوة نحو استعادة تطوان ريادتها الثقافية، باعتبارها كانت عاصمة المغرب الثقافية، ازدانت بمكتبات عديدة زخرت بما لذ وطاب من قطوف العلم المتنوعة .

وأثلجت صدري كلمات أصحاب المكتبات التي كشفت عن صفاء سرائرهم، وأبانت عن رحابة صدورهم، ومتانة رابطة التواصل والتعاون القائمة بين فرسان هذا المضمار محليا، وجهويا، ووطنيا.

وأعجبني أكثر تدخل قيم المكتبة الأستاذ عبد العزيز السباعي، الذي وضع الأصبع على مكمن داء تقلص الإقبال على الكتاب، واشتداد العزوف عن القراءة رغم أننا أمة “اقرأ”، داعيا إلى توفير المناخ المشجع على المطالعة بتخصيص حيز مناسب في منازلنا لمكتبة بيتية، تجعل فلذات الأكباد منذ فتاء العمر لصيقين بالكتاب، مترعرعين معه، فتتفتق براعمهم، وتتفتح نفوسهم في أحضانه، فلا نلوم بعدها “الأنترنيت”، ولا ننحو باللائمة على وسائل التواصل الجديدة التي تستأثر باهتمام أبنائنا وتخلب ألبابهم، لأننا تخلينا عن دورنا فتركنا لها المجال فارغا، فتسللت وتمكنت من نفوسهم الغضة؛ بل علينا أن نطوع هذه الوسائل ونتخذها نوافذ مشرعة على جديد عالم الكتاب، ترغب النشء في القراءة المثمرة.

ولأن المناسبة شرط كما يقول أهل البلاغة، فقد تذكرت وأنا أستعرض رفوف المكتبة؛ ثم لما وقفت مستمعا إلى كلمات روادها، مكانة الكتاب في تاريخ ثقافتنا العربية الإسلامية.

تذكرت نصا لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ؛ كنا نحفظه عن ظهر قلب، ونعرضه على أستاذتنا الجليلة السيدة ربيعة الخمليشي حفظها الله.

ومما وقر في قلبي منه قوله رحمه الله:

((…والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك…

والكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتل بنوم، ولا يعتريه كلال السهر…))

وتذكرت بيت أبي الطيب المتنبي:

أعز مكان في الدنى سرج سابح

وخير جليس في الزمان كتاب

وبعد؛

فقد كانت الأمسية جميلة، لأن المناسبة جليلة. وهل هناك ما هو أجمل من افتتاح مكتبة جديدة بمواصفات مكتبة “أغورا”؟!

وهل هناك أجمل من تأسيس مكتبة تسيرها عقلية متفتحة، مؤمنة بدور الحوار في تلاقح الأفكار؛ وواعية بأهمية الثقافة في الارتقاء بمستوى حياتنا، وتحسين أساليب عيشنا ماديا ومعنويا؟

فلتسعد تطوان بمولودها الثقافي مكتبة”أغورا”؛

ولتنعم بقطوفها، منذ الآن، ساكنة تطوان وزائرتها؛

ولتطمئن نفس صاحبها؛

وليثق بغد مشرق، فقد اهتدى إلى افتتاح أعز مكان وأسماه في حياة الإنسان.

وإن كان لي من اقتراح أسند به هذا المشروع الثقافي الزاهر، فهو التفكير في إفراد ركن خاص داخل فضاء المكتبة يستوعب ما صدر وسيصدر عن مدينة تطوان من كتب متنوعة، ورحلات، ودواوين شعرية، ومسرحيات، وقصص، وروايات…

ومسك الختام، دعائي لهذا الصرح الثقافي الشامخ بدوام أنوار مشكاته ساطعة؛

وأضواء سراجه بازغة؛

مستقطبا أفواج القراء من مختلف الأعمار والأمصار؛

ما تعاقب الليل والنهار.

عن Romaisae

شاهد أيضاً

الكلية متعددة التخصصات بوزان: إلى أين ..؟

على إثر تأخر أو بالأحرى تبخر وعود إقامة مشروع كلية متعددة التخصصات بإقليم وزان، وصل …

مغاربة عالقون بالثغرين المحتلين يحتجون

يواصل المواطنون المغاربة العالقون بالثغرين المحتلين سبتة ومليلية، احتجاجاتهم للمطالبة بتسوية وضعيتهم القانونية، وذلك بعد …

الجريمة … قتل مستمرّ

تناسلت في الآونة الأخيرة أخبار ووقائع توثق لجرائم قتل بشعة يروح ضحيتها، العديد من الأشخاص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: