“نساء طنجة الرائدات” للدكتورة “زبيدة الورياغلي”

تقديم العالم الجليل الدكتور عبد الله المرابط الترغي رحمه الله

جريدة الشمال – عزيز كنوني
الجمعة 06 ينايـر 2017 – 11:56:09

في هذه الأزمنة الرديئة،  التي تصارع فيها المرأة  المغربية  طغيان الذكورية المتجبرة، المتنكرة لأفضال الأنثى  على المغرب وعلى العالم،  وتواجه بحزم وإصرار “خرافية” ثقافات  “أسطورية”  فيما يخص المرأة ، وأنها ذلك “الضلع الأعوج” في هيكل الرجل الأول، “السوي، بطبيعة الحال،  وأن الطبيعة  هيأت لها دورا محددا في دنيا الأحياء، واختزلت ذلك الدور في الأمومة و “خدمة الرجل” و “طاعته” وتحقيق كل “رغباته” و”شهواته “، وأنها  “ناقصة عقل ودين”، وأن شهادتها نصف شهادة الرجل، وحقها في الميراث نصف سهم الرجل  الذي فضل عليها ب “إحدى عشرة منزلة “، وأن له عليها  فرض “القوامة”  والولاية العامة والنيابة المطلقة،  وهو سيدها ومولاها والقيم عليها  ورئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت”…..(كلام فقهاء موقع “الإسلام سؤال وجواب”)…… ادعاءات  أثبتت المرأة أنها من زمن “الخيل والبيداء والسيف والرمح  والتيماء التيهاء  الدكداك” …..!!! 

في هذه الأزمنة  التي تصارع المرأة  فيها جهالة بعض العصبيات   وغوايتها فقط لتحقق إنسيتها في بلد يضمن المساواة  المطلقة بين الرجل والمرأة ، بلد خال من كل أشكال التمييز المبني على النوع ، طلعت علينا الدكتورة  الأديبة  الأستاذة النبيهة والعالمة الجليلة والنابغة المتميزة، الدكتورة زبيدة بن علي الورياغلي، الطنجاوية الأصيلة، بكتاب قيم فائق الأهمية، يبرز دور المرأة الطنجاوية في الحياة  العامة، الثقافية  والعلمية  والأدبية والفكرية  والسياسية والاجتماعية ، إلى جانب الرجل، “لا وراءه” كما يحلو للبعض أن يردد، وفي ندية تامة معه، لم تترك مجالا  من مجالات  الإبداع إلا ولجته ولا ميدانا من ميادين الخلق والإنشاء إلا اقتحمته  بقوة العزيمة والإرادة  ، والإيمان بمواهبها،  والمكتسبة  بالعلم والمعرفة وبما تحلت به من نجابة وعصامية  وشهامة في وقت كانت خلاله “ممنوعة”  من ولوج مدارك العلم ومراتبه، بحكم التقاليد  والعادات والأعراف المتوارثة نقلا للخلف عن السلف، والتي أثبت العلم المشاع اليوم أنها إنما كانت ضربا من ضروب “التخريف” والتدجيل  الاجتماعي  الذي ينكره العقل  ويرفضه المنطق السليم.

 “نساء طنجة الرائدات”، في جزئه الأول،  الإصدار الجديد للدكتورة زبيدة بن علي الورياغلي،  يبدد كل تلك “المعتقدات” الخرافية ويعرض نماذج رائعة لسيدات فضليات من أهالينا في طنجة، أثبتن أنهن كن المثل والقدوة، وتخطين، بشجاعة نادرة، كل الصعوبات والحواجز، ووصلن إلى مراتب عليا في العلم والمعرفة  والعمل، وكن “رائدات” خالدات في ذاكرة المجتمع الطنجي بما أسدين من خدمات جليلة لمجتمعهن ولوطنهن  في شتى مجالات الحياة، خاصة في تربية النشء الذي “وهبنه الحياة” وفتحن أمامه عوالم العلم والمعرفة والإدراك، من أجل أن يفجر ذلك “التغيير” الذي تنشده الأجيال المتلاحقة، فالحياة تغير مستمر وهي رحلة ممتعة ولكنها ليست ساكنة…. تراجم السيدات الفضليات اللائي رصعت بها عالمتنا الجليلة الدكتورة زبيدة الورياغلي كتابها القيم، “نساء طنجة الرائدات”، تبهر حقيقة القارئ والمتلقي بما اجتمع لهن وفيهن من مزايا أخلاقية عالية وقدرات علمية خارقة، وإ رادة قوية لتخطي الحواجز والعراقيل والعوائق وفرض وجودهن القوي  في الساحة الوطنية بمبادراتهن القيمة وإسهاماتهن الرائعة في مختلف ميادين العلم والفكر والأدب والصحافة والتعليم والتربية والتكوين والفنون المختلفة، ولا غرو فجلهن ينتسبن إلى بيوت شرف وعلم وصلاح وريادة،   مبادرات تجلت أيضا في مجالات التنمية الاجتماعية عبر تأسيس الجمعيات الأهلية بهدف نشر الوعي داخل المجتمع والتحريض على اقتحام الفتيات ميادين العلم والعمل، فالمرأة كل المجتمع لا نصفه، من نورها يستمد الكون ضياءه وسناه،  والبشرية استمرارها وصمودها وتطورها وخلودها إلى ما شاء الله.

” نساء طنجة الرائدات”  كتاب يجب أن يقرأ وأن لا تخو منه مكتبة أو خزانة شخصية أو عمومية، كتاب يشكل دخيرة أدبية زاخرة بصور الإبداع والنبوغ   التي طبعت نضال المرأة الطنجاوية، في ميادين كان الوصول إليها، محفوفا بالمخاطر والمكاره والمهالك.

هنيئا للعالمة المقتدرة الدكتورة زبيدة بن علي الورياغلي على هذا العمل الرائع الرائد الذي أغنى ذاكرة طنجة والطنجاويين وسجل ، للتاريخ، سير وتراجم  كوكبة من نساء طنجة العالمات العاملات، ممن كان لهن الحضور القوي في الساحة العلمية  والثقافية والأدبية والفنية  بهذه المدينة خلال فترة الإدارة الدولية وبعيد الاستقلال.

                       تقديم العالم الجليل الدكتور عبد الله المرابط الترغي رحمه الله
في إطار الصحوة التي عرفتها منطقة شمال المغرب بإحياء ذكرى رجالها ممن اختصوا بالفضل والعمل في العلم والسلوك، كان لابد أن يتم التنبيه إلى ما اختصت به المرأة في هذه المنطقة أيضا والالتفات إلى ما كان منهن في ذلك بإحيائهن بالذكر والتعريف بهن وتمثل تجربتهن  في خدمة الثقافة والمجتمع، فكان لذلك اتساع هذه الصورة لتشمل التعريف بالرجال والنساء على حد سواء. ومعلوم أن للمرأة حضورها في أي بيئة من البيئات وفي أي واجهة من  الواجهات، لاسيما إذا كانت متطلبات هذه البيئة أو كانت هذه الواجهة مما يمثل خدمة الثقافة وخدمة الأعمال الاجتماعية. فالمرأة رفيقة الرجل في كل شيء، وهي نصف مجتمعه، وتشكل شطر الأسرة معه. فهي أم وزوجة وبنت وجدة وعمة وخالة.

لذلك كان هذا العمل الذي نقدمه الآن هو مجموعة تراجم لنساء فاضلات، لهن أثر ما في بيئتهن، ولهن حضور في واجهات مجتمعاتهن،  يجمع بينهن انتماؤهن إلى منطقة طنجة وخدمة مجتمعها في مرحلة  العصر الحديث. وكثير منهن ينتمين إلى أسر اشتهر رجالها بالعلم والفضل ليكون حظ النساء فيها من هذا العلم والفضل كثيرا. ويعرف التراث العربي، وضمنه التراث المغربي، أعمال تأليفية اختصت ابتراجم النساء، يساهم في تأليفها الرجال والنساء على السواء. وأقدم ما يعرف في ذلك، كتاب بلاغات النساء لأبي الفضل ابن  طيفور البغدادي، وهو من مؤلفي النصف الأول من القرن الرابع للهجرة. هذا مع ما يعرف من أعمال أخرى شبيهة به مثل: – كتاب «الإماء الشواعر» لأبي الفرج الأصبهاني – كتاب «أشعار النساء» للمرزباني – كتاب «أشعار الجواري» للمفجع البصري – كتاب «ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات» لأبي عبد الله السلمي. وفي العصور الحديثة يشتهر:
 – كتاب «الروضة الفيحاء في تواريخ النساء»، لياسين بن خير الله العمري ت 1232 هـ. وقد طبع الكتاب عدة مرات. – كتاب «أعلام النساء»، لعمر رضا كحالة في ستة مجلدات. وقد تم طبعه وتداوله. وأهم ما أنجز في تراجم النساء، هو ما كتبه النساء أنفسهن حين جمعن معاجم وطبقات خصصت تراجمها للنساء فقط مثل ما صنعت: – قدرية حسن في كتاب «شهيرات النساء في العالم الإسلامي»/ تعريب عبد العزيز الخانجي. ط. مصر، 1354 هـ. – وزينب فواز العاملي ت 1332 هـ في كتابها الشهير: «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور»؛ وهو معجم أعلام النساء، وهو مطبوع ومتداول.

 – والدكتورة عائشة بنت الشاطئ في عملها الكبير: تراجم سيدات بيت النبوة. ولم يخل المغرب من أعمال في هذا السياق كما هو الأمر في: – كتاب «شهيرات المغرب» لمحمد الكانوني العبدي؛
– وكتاب «معجم شهيرات المغرب» للأستاذة زهراء ناجية الزهراوي، عضو المجلس العلمي بمراكش، وقد نشر الكتاب بإشراف المجلس  العلمي بمراكش.
وقد أتت المؤلفة على ترجمة شهيرات النساء في  المغرب قديما وحديثا، فيهن العالمات والمتصوفات والسياسيات وغيرهن، فعرفت بما يقارب 370 ترجمة لمرأة لها حضور وتأثير في بيئة امن بيئات المغرب العلمية والسياسية والروحية.

وتتجه الدكتورة زبيدة الورياغلي، في هذا العمل، حينما خصصت تراجمها لمجموعة من نساء طنجة ممن اشتهرن بالعلم والفضل والحضور في الأعمال الجمعوية وخدمة الإنسان في طنجة والمغرب. والدكتورة زبيدة الورياغلي عالمة وباحثة ممتازة صرفت حياتها كلها في التعليم وفي كل مراحله من الابتدائي إلى الجامعي، وقد حصلت على أعلى الشواهد الجامعية من دبلوم الدراسات العليا والدكتوراة، وبموازاة  ذلك عملت في أكثر من جمعية نسائية.

فهي صاحبة تجربة ثقافية  ناضجة ذات عطاء في كل مستويات هذه الثقافة، في الكتابة والتأليف،  وفي المشاركة في الندوات والتجمعات العلمية، وفي كتابة الأعمال الصحفية، وفي ممارسة الأعمال الجمعوية. وكان من أعمالها التي عرفت النشر في الصحف أعمال هذه التراجم النسائية التي تشكل منها هذا الكتاب الذي نقدم له اليوم. يتكون كتاب «تراجم نساء طنجة الرائدات» للدكتورة زبيدة الورياغلي من 24 فقرة، منها خمس فقرات اختصت بذكر أعمال النساء الرائدات  الطنجيات في إطار الحديث على بعض الجمعيات النشطات التي كان للنساء حضور بارز فيها، مثل موضوع:
– جمعية المحسنات لإيواء الفتيات اليتيمات؛ – جمعية قطرة الحليب المغربية لرعاية الطفولة؛ وفي إطار الحديث عن عمل المرأة في المسرح، مثل موضوع:
– المرأة والنهضة المسرحية بطنجة؛ – نساء رائدات في المسرح. وفي إطار عمل المرأة الطنجية في مجال الطرب والغناء، مثل موضوع «رائدات الفن الغنائي». أما بقية المواد، فهي تراجم صريحة لنسوة طنجة الرائدات اللائي أنجزن أعمال في مجتمع طنجة استحقن معه أن يكن من الرائدات في المجتمع الطنجي مبتدئة بذكر الأميرة العزيزية فاطمة الزهراء بنت السلطان عبد العزيز. وضمنها نجد:
– ترجمة المربية الإذاعية السيدة خديجة حلحول، – والسيدة الإعلامية غيثة بنت مولاي علي السملالي، – والأستاذة الإذاعية خديجة العشيري، – والفقيهات المدرسات المربيات السيدة خدوج الزجلي، – والفقيهة عائشة بنت الفقيه عبد الصمد كنون أخت سيدي عبد الله كنون، – والسيدة الأستاذة المربية ارحيمو المدني، – والفقيهة السيدة فضيلة الزجلي، – والفقيهة السيدة الزهرة بنت العلامة عبد الرحمن المودن الجزائري، – والأستاذة السيدة شمس الضحى بنت العلامة سيدي الأمين بوزيد، – والسيدة الفقيهة رقية بنت العلامة سيدي عبد الله السنوسي، – والسيدة الفقيهة حبيبة بنت العلامة أحمد بن عبد السلام السميحي، – والناقدة النشطة الأستاذة زبيدة بنت العلامة المؤرخ محمد بن العياشي سكيرج. وضمنهن عدد من النسوة ممن نشأن في بيئة لها امتياز وحضور خاص في طنجة والمغرب، مثل :

– الأميرة عائشة بنت السلطان محمد الخامس، – والسيدة خناثة بنت القائد ادريس أمقشد، – والسيدة نفيسة المهدي الزيدي، وأخيرا مجموعة من النساء اشتهرن بالمقاومة، مثل فاطمة المرابط، أو بممارسة فن من الفنون وبخاصة التشكيلية منها، والمسرح. وقد اعتمدت المؤلفة ضمنيا مجموعة من الشروط لاحتضان هذه الترجمات، فهي تترجم لنسوة ينتسبن إلى طنجة أصلا من بناتها، أو من الوافدات عليها والإقامة بها ولو لفترة محدودة. وهي تترجم لجيل من النسوة ممن أدركتهن المؤلفة بعمرها، فهم  جميعا أكثر منها سنا، من جيل قبل جيلها وتتنزل أستاذات لها، وأكثرهن انتقلن إلى رحمة الله.

والمؤلفة لا تضيق على نفسها في اشتراط العلم والفضل في ذكر نسائها، فيكفي أن يكون لهذه النسوة حضور وتأثير في مجال من  المجالات: في العلم، أو التعليم، أو الفن، أو العمل الجمعوي، أو على الأقل في احتلال موقع معين رفيع في المجتمع الطنجي خاصة والمجتمع المغربي عامة، لتجد موقعها في الذكر بين تراجم الكتاب. ولذلك فترجمات نسائها لت تسير في بنائها وفق نظام مطرد ووفق ثوابث محددة كما هو الأمر في نظام التراجم التي تعودناها في كتب الطبقات والمعاجم، وإنما تتحول هذه الثوابت مع كل ترجمة حسب  ما تتميز به هذه المرأة أو تلك، وحسب نموذج تربيتها ونشأتها ونوعية  تكوينها ونموذج ما اختصت به من عمل أو أثر في بيئتها صحفيا أو تعليميا أو فنيا أو غير ذلك.

غير أن ما يميز أعمال هذه الترجمات النسائية، أنها نصوص تكتب  فيها المرأة عن المرأة، وهي خصوصية ينفرد بها هذا النوع من الكتابة.  فالمرأة أعرَف بالمرأة وأعرَف بأسرارها، فهي تتحاشى ذكر ما يمكن  أن يثير حساسية المرأة المترجم بها، مع مراعاة أن أنشطة المرأة في  الغالب تتميز عن أنشطة الرجل كمّا وكيفا، وجهدا وتطبيقا. ولذلك، هي خصوصية أيضا يجب أخذها بعين الاعتبار. وتحاول الدكتورة زبيدة الورياغلي، وهي تبني تراجمها، أن تعمل على  استيفاء ما يمكن أن يعرف بهذه المرأة أو تلك من أعمال وأحوال  وأخبار، معتمدة في أغلب الأحيان على المشاهدة والمعايشة وما حصلته من تجربة المخالطة والمعرفة الشخصية الخاصة.

وفي كثير من الأحيان تعتمد على ما تمدها به السيدة المترجم بها من ذكر أخبار وأحوال لها، إما عن طريق الرواية الشفوية أو بواسطة الوثيقة المكتوبة. وترجع في القليل جدا إلى مادة مصدرية مكتوبة في كتاب أو صحيفة، أو فيما نقلته عن صديقات المترجم بها أو عائلتها. وتبقى أعمال كتاب تراجم نساء طنجة الرائدات التي أنجزتها الدكتورة  زبيدة الورياغلي عملا جيدا يغطي ما أهملته أقلام الرجال من أنشطة المرأة في العمل الثقافي والجمعوي بطنجة والمغرب. لذلك كان هذا العمل المتمثل في تراجم نساء رائدات من طنجة عملا مهما جدا، له موقعه في التأريخ لطنجة وفي الكتابة عنها وفي التعريف بأنشطة الساحة الثقافية والفنية والفكرية والجمعوية بها.

فبارك الله في الأستاذة الدكتورة زبيدة الورياغلي، وفتح عليها ورزقها موفور الصحة والعافية، لتكمل هذا العمل بتراجم لاحقة تتناول التعريف ببقية نساء طنجة من نفس جيلها ومعاصراتها ممن كان لهن الحضور الكبير في العلم والثقافة والصحافة والجامعة والجمعيات والحزب والسياسة… وذلك بفضل الله الذي يوتيه من يشاء من عباده، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين. حرر بطنجة في 20 ذي الحجة 1435 هـ موافق 15 أكتوبر 2014 .

عن admin

شاهد أيضاً

“عبد الخالق الطريس: النائب البرلماني”

صدر كتاب “عبد الخالق الطريس: النائب البرلماني” لمؤلفه  لحسن بنساسي سنة 2003، في ما مجموعه …

الموسيقى الأندلسية امتداد للحضارة الأندلسية بالمغرب – 3 –

النوبات الأندلسية بالمغرب: ترى الباحثة (سمحة الخولي) أن «النوبة الأندلسية ويناظرها في الشرق (الوصلة) تمثل …

كتابات نسائية

تفتح الشمال هذا الحيز للكتابة النسائية، إسهاما في التعريف بالحضور الفكري والأدبي والاجتماعي والبحثي لنخب …

%d مدونون معجبون بهذه: