الأربعاء , 27 أكتوبر 2021

واقع التهميش والحرمان والظلم الاجتماعي في نماذج من قصص أحمد بنميمون (حكايات ريف الأندلس ـ شهود الساحة) 2/2

وقد تناولت القصة القصيرة المغربية في الستينيات من القرن الماضي واقع التهميش والحرمان والظلم الاجتماعي الذي تعيشه الفئات الفقيرة من المجتمع ، ويبدو أن واقع الحال الذي ترصده قصص المجموعة التي كتبت حديثاً ، لا يختلف عما كان سائداً في الماضي ، إن لم يكن أكثر حدة وفظاعة. يقول الناقد نجيب العوفي ” ما أشبه الليل بالبارحة. لقد جرت بلا شك مياه كثيرة تحت الجسر. لكن مواكب العاطلين والمعطلين والهامشيين، فيما يبدو في توالد مستمر وثبات مستمر، تراوح في المكان والزمان ، والقصة القصيرة المغربية شاهدة على ذلك ” ( الشخصية الهامشية ، وفضاء الهامش في قصص محمد بيدي ، مجلة لآفاق ـ 81 ـ 82 ، عدد فبراير 2012 ، ص : 57 ) ، وسنتوقف عند نموذج من قصص المجموعة التي تعالج الموضوعة المنوه إليها أعلاه ، هي قصة ” الإثنين يبدأ الأحد “. تتناول هذه القصة قضية حساسة ، هي حياة البغايا في المواخير التي أقامها الاستعمار الإسباني في بعض المدن المغربية بالشمال المغربي ، ومعاناة الفتيات اللواتي أرغمتهن ظروفهن الاجتماعية إلى ممارسة هذه المهنة. وتشير القصة إلى ظاهرة غريبة تمثل مدى قسوة المجتمع وتزمته ومحافظته المبالغ فيها ، وهي معاقبة البنت من لدن عائلتها بسببٍ قد يكون مجرد علاقة بريئة بالجنس الآخر ، بزجها في ماخور بعيداً عن أهلها ومدينتها ، وهذا ما حصل لأهم شخصيات القصة ” طنبوقة ” الفتاة الجميلة القادمة من تطوان التي نبذها أهلها ورموا بها في ماخور بمدينة أخرى للتخلص من العار الموهوم. يقول السارد : ” إيه يا أحلى عاهرات هذه الزنقة. لقد كنتِ ابنة بيت كبير ، وقضت إرادة خبثاء أن يسقط بك وعد قطعته على نفسك مع حبيب ، أن تصلي إلى الحضيض ”

ثمة هموم كثيرة تشغل الذات الكاتبة ، وتقض مضجعها ، وتملأها بكثير من المرارة والألم وعدم الارتياح ، منها ما يتعلق بقضايا وجودية مؤرقة ، ومنها ما يتصل بقضايا اجتماعية عويصة ، ومنها ما يرتبط بقضايا قومية شائكة ، ومنها قضايا إنسانية عامة تمس مصير الإنسان في عالم يحكمه قانون القوة الغابوي ، وتنتفي فيه قيم الخير والحق والخير والمحبة والسلام.

إن هذه المجموعة القصصية شديدة الارتباط بواقع الإنسان بهمومه وانشغالاته المختلفة ، وواقع الحياة بمشاكله وقضاياه الكبرى. ويرى الأستاذ أحمد اليبوري أن القصة هي ” أدب الحياة ، يعكس ذبذباتها في دقة ووضوح وصدق ” ، وقد بقيت محتفظة منذ نشأتها وإلى الآن بهذه الخاصية. ( تطور القصة في المغرب / مرحلة التأسيس ، ط . 1 ، 2005 ، ص : 165 )

 

مكونات الخطاب القصصي في المجموعة :

 

1ـ طرائق السرد :

من طرائق السرد التي تلفت نظر القارئ في بعض قصص المجموعة ، أن السارد ـ  الشاهد ، يسرد الأحداث إلى أحد أصدقائه ذاكراً اسمه أو مغفِلاً ذكره ، داعياً إياه إلى متابعة ما يحكيه ، ونمثل لذلك بالنماذج التالية : ” الإثنين يبدأ الأحد ” و ” أوركسترا وسط الطريق ” و” غربة المطرود ” ؛ ففي الأولى يحكي السارد لصديقه عبدالبديع  وقائع غريبة ، ويدعوه إلى مشاركته ما يعاينه من أحداث مهولة . فيخاطبه : ياعبدالبديع يابن السكاكيني ـ ياصديقي عبدالبديع ـ ياصاحبي . ” وبغيتك ياعبدالبديع إن كنت تريد الوقوف على وجه المأساة العاري … والألم الفظيع .. فإنك واجدهما على ألسنة العاهرات ، بل إنه يحاول أن يستدرجه إلى حكي ما قد يعرفه هو من حكايات ووقائع ومشاهد تتعلق بحياة البغايا في الماخور الذي أقامه الاستعمار في حي من أحياء مدينتهما الصغيرة المحافظة ، أو تتصل ببعض شباب المدينة الذين كانوا يهجرون زوجاتهم ويسعون إلى الماخور للارتماء في أحضان أبشع البغايا. إن السارد الشاهد لا يخاطب المسرود له خارج القصة مباشرة ، وإنما يخاطب ” المسرود له داخل القصة الذي هو في نهاية المطاف شخصية كالشخصيات الأخرى ” ( جيرار جنيت ، عودة إلى خطاب الحكاية ، ترجمة محمد معتصم ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، 2000 ، ص : 173 ) ، سارداً له أحداثاً عجيبة , ووقائع غريبة ، فكأنه شهرزاد ، محمل بالحكايات المتشعبة المتنوعة ، لم يكف عن حكايتها إلا بعد أن أدركهما الصباح. ” ماذا ؟ يبدو أن قصتي طالت فنمتَ ، فلنكف الآن فقد أدركنا الصباح ”

أما في القصة الثانية ، فيلتمس القائم بالسرد من صديقه البشير أن ينظر إلى ذلك الشاب الغريب الأطوار الذي كان يقف وسط مدار الطرقات في إحدى المدن المغربية ، ينظم سير السيارات بإشارات من يده التي تحمل قلماً ، كأنه قائد أوركسترا ، ” أنظر ياسي البشير .. “،  فكان هذا الطلب هو المحفز الأساس  لسرد القصة المؤثرة التي تصور برقة وشاعرية نماذج من الناس نعرفها في العديد من مدننا بسلوكات غريبة تجعل الناس يصفونهم بالجنون ، ولكن عمى المجتمع وضعف بصيرته، يحولان دون رؤية روح البراءة والطهارة والنزعة الخيرة في أمثال هؤلاء الناس البسطاء الهامشيين. ” لقد قلت لصديقي البشير فيما بعد : فما شهد أحد عليه أنه أقلق عابراً يمر أمامه ، أو هب في وجه طفل ، أو تحرش بامرأة أو فتاة ”

وفي قصة ” غربة المطرود ” ، نتلقى أحداث القصة عن طريق حوار يدور بين السارد جار الشخصية المتحدث عنها : الطفل البدين الفقير الجائع المنقطع عن الدراسة ، ابن حفار القبور ، وبين صديقه الذي لا يعير اهتماماً إلى ما يحكيه له السارد الشاهد من أحداث تتعلق بمعاناة الطفل البائس. والملاحظ أن الضمير المهيمن على السرد هو ضمير المخاطب سواء في الحوار بين السارد وصديقه ، أو في الحوار الداخلي الذي يدور في خلد الطفل البدين عن وضعه المأساوي ومصيره المجهول.

تتنوع طرائق السرد في هذه المجموعة القصصية ، كما تم التنويه إلى ذلك أعلاه وتختلف الضمائر المستخدمة من لدن سارديها ، من المخاطب المفرد مذكراً ومؤنثاً ، إلى المخاطبين بصيغة الجمع ، إلى ضمير الغائب وضمير المتكلم مفرداً وجمعاً. ومن شأن ذلك أن يتيح تنوعاً في أسلوب الخطاب ، وتكسيراً لرتابة السرد.

2 ـ الحوار :

لا تكاد يخلو المتن القصصي المدروس من الحوار،  ويمكن أن نقسمه إلى قسمين :

أ ـ الحوار باللغة الفصيحة ، وهو المهيمن على المتن القصصي.

ب ـ الحوار باللغة العامية المتطابقة مع طبيعة الشخوص القصصية كما هوالحال في قصة ” الإثنين يبدأ الأحد ” حيث بلغ الحوار بين الشخصيتين ( العاهرتين ) درجة كبيرة من الواقعية والتطابق مع طبيعتهما ووضعيتهما الاجتماعية.

3 ـ اللغة المستعملة في النصوص : لغة قصص المجموعة لغة سلسة منسابة متدفقة ، تتميز  بجمل طويلة و استعمال أدوات الربط ، والابتعاد عن اللغة البرقية الخالية من الروابط  المستعملة في بعض النماذج القصصية التيعرف بها بعض كتاب هذا الفن عربياً وعالمياً. وقد حالف التوفيق القاص باعتماده الجمل ذات النفس الطويل ، لأنها كانت الوسيلة الأنسب لاستيعاب ما تنوء به ذاته من هموم ثقيلة مؤرقة ، وما يمتلئ به واقع الإنسان من مآسي ، تحتاج إلى حيز لغوي أرحب للتعبير عنها. ولعل ما يلاحظ من طول نفس قصص هذه المجموعة أن يرجح ما ذهبنا إليه ، عدا قصة ” زيارة غامضة “.

ومما تجدر ملاحظته هنا ، أن الشاعر أحمد بنميمون خلع جبة الشاعر في هذه القصص ، إيمانا منه بضرورة مناسبة المضمون للشكل ، وتجنباً من تقديم المأساة في طبق من ذهب حسب تعبير الأستاذ أحمد اليبوري. ولكننا مع ذلك ، نصادف في بعض القصص مقاطع وصفية تتسربل بلغة شعرية باذخة ، خاصة حين يتعلق الأمر بوصف مظاهر طبيعية في مدينة أثيرة لدى الكاتب. ( قصة ” في مديح عراء ومبكى ظل ” )

ومن الوسائل الفنية الأخرى الموظفة في بعض قصص المجموعة :

ـ استغلال الأحلام والكوابيس والرموز  ـ التقاط مواقف إنسانية شديدة الرهافة والشاعرية ( قصة أجنحة وجدران )

بقي أن نقول في الختام : إن قصص الشاعر القاص أحمد بنميمون إضافة جديدة متمزية إلى فن القصة القصيرة المغربية بنائياً ودلالياً ، صاغها ” بيدين متقدتين ووجدان باهر ” حسب تعبير إدوار الخراط في حديثه عن التجربة القصصية ليحيى الطاهر عبدالله.

 

د. عبد الجبار العلمي

عن Romaisae

شاهد أيضاً

من جمال التصوير إلى قوة التصديق: قراءة في ديوان كنز الحكيم1 للشاعر محمد البقالي

  من الشعراء من يأسرك حديثهم، وتصطحبك مروياتهم الشعرية فتشعرك بأنك مقبل على تتبع حكاية …

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “عبد الواحد القلالوسي.. سيرة ومسارات”

شكلت الهوية الجماعية لمدينة تطوان علامة مخصوصة داخل مكونات ذاكرة منطقة الشمال. وظل عطاء نخب …

كتاب “ذاكرة مستعادة عبر أصوات ومنظورات” لأحمد اليبوري سيرة ذاتية بضمائر وأصوات متعددة

لم أحظ بقراءة كتاب ” ذاكرة مستعادة عبر أصوات ومنظورات “ للأستاذ الفاضل أحمد اليبوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: