الأنيس ..

الأنيس

عبد المجيد الإدريسي : …أمَدَّتني ، مشكــورة الـدكتــورة، نوف بندر البنيان ، ببحثها الأكاديمي الذي تَنـاوَلَــت فيه بــالدرس و التنقيب رحلة العلم من الشرق إلى الغرب . غاصتْ في سبعة أبحر ، من بحر العرب (عند بلاد الرافدين )، فبحر الصين (بلاد الصين ) ، إلى الخليج ( بلاد الفرس ) ، ثم التقاء المحيط بالبحر الأبيض المتوسط ( البلاد الهيلينية و بلاد الروم ) ، و بحر اليابان (بلاد اليابان ) .

أبحرْتُ في حرِّ الصيف بين أمواج المتوسط بحثا عن صدفات العلم و المعرفة ، بين دفتيْ كتاب من القطع الكبير ، من مائتيْ صفحة ذي إخراج جغرافي و جودة عالية . يحمل عنوان : رحلة العلم من الشرق إلى الغرب . يشتمل المؤلَّف على بابين . للباب الأوّل فصلين . فللفصل الأول أربعة مباحث و للثاني خمسة مباحث . و على نفس منوال الباب الأول ، يأتي الثاني بفصلين و أربعة مباحث لكلٍّ منهما . للمبحث الأخير في هذا الفصل استعارتْ الباحثة عنوان كتاب لشكيب أرسلان : لماذا تأخر العرب و تقدم غيرهم ؟
يضمُّ البحث نصوصا من القرآن الكريم و أحاديث من صحيح البخاري ، و مقدمة بن خلدون و البرهان لابن رشد . الأدوات و المراجع التي أثرتْ البحث تصل إلى 36 مرجع باللغة العربية ، و ستة مراجع مترجمة . و هي تشقُّ البحار في بحثها و تجذف من مصادر و فضاءات ثقافية متعدِّدة المختبرات و الأبحاث العلمية .

بادئ ذي بدء ، صنفتْ المرحلة الحجرية الأولى و العصر الحجري و البرونزي ، ثم جاء عصر الحديد ، مستدلة بسورة الحديد في القرآن الكريم . و الإعجاز العلمي عند الدكتور زغلول النجار . لولا الحديد لما كانت الحياة على الأرض ، إذ يشكلُ الحديد جزءا من ” الهيموكلوبين ” في دم الإنسان ، و في دماء العديد من الحيوانات . الذي عمل فيه الإنسان على تطوير ذاته ، لتقدُم الفكر من أجل البقاء .

قسمتْ المؤلفة العصور إلى الكلاسيكية للإنسان و خروجه من دائرة الصيد و الزراعة إلى عصر الميكانيك ، لوجود معدن الحديد ” و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد و منافع للناس ” صدق الله العظيم( الآية 25 ) .

أنشأت الحضارة السومارية الحرف في الكتابة إلى أنْ ظهرتْ العلوم بتفاعلات الطبيعة مع مجتمعاتها المتعاقبة ، من البدائي إلى العلم البسيط إلى الوعي ، فكانت الذاكرة البشرية خزانا متوازنا على مدى الأزمنة (المؤلفة ) . بحثُ الإنسان عن سبل معيشته هي الدوافع للعلم و المعرفة ، كما يقال : الحاجة أمُّ المعرفة أو أمُّ الاختراع . يتميز الإنسان عن جميع المخلوقات بالفكر و العلوم ، يهتدي بهما لتحصيل معاشه . للصناعة أيضا علاقة تلازمية مع العلم . و عن الفكر نشأتْ العلوم . في البداية خضع العلم لأساطير الإغريق و الهند ، إلى أنْ استقرَّ بعد قرون عديدة ، و كوَّنَ لهويته كيانا مستقلا .

تمَّ اكتشاف الدرجة 360(الدائرة) على غرار أيام السنة الشمسية و القمرية ، وقد تعلق الإنسان فيما بين النهرين بهذين التقويمين . أصبحت بعد قرون أرقاما عربية و بابلية و فارسية و هندية . احتضنتْ المعابد الدينية التنجيم و علم الفلك . توالتْ العلوم عند الطبّ البدائي كمنتوج للحضارات اليونانية و الرومانية و الهندية و الفارسية ثمَّ ترجمتْ إلى اللغة العربية . و لإضافة معرفية في الترجمة كتاب ليحيى لطفي عبد الوهاب بعنوان : اليونان ، مقدمة في التاريخ و الحضارة . و من المراجع أيضا : قصة الفلسفة اليونانية ( أمين ، أحمد و محمود ، زكي نجيب ) . أحد عظماء الفلاسفة الإغريق ، أفلاطون ، و قد أدرك عن التأمل العقلي و العالم المثالي ، لمطلق اليقين ، تأسيس ” الجمهورية الفاضلة ” . اعتمدتْ على منطق الكشف العلمي و قصة الفلسفة ، ل”كارل بوبر” . و من بين التراجمة العرب للفلسفة اليونانية : محمد عبد الرحمن في كتابه : من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية .

من أبرز فلاسفة العرب ، الكندي ” الفلسفة الكندية ” . كان الكندي أعلم رجل في وقته ( ابن النديم )، وقد أخذ عن بطليموس للنظام الشمسي ، و عن أرسطو ، وهو الذي طوَّر المرصد الفلكي ببغداد . يقول عنه الفيلسوف الفرنسي رجاء الجارودي : إنَّ الفلسفة الإسلامية تخلصتْ من قوقعة الفلسفة الإغريقية . إذ جمعتْ بين قطبيْ المعرفة و العلم . هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي ، من كندة بحضر- موت بعُمان ، قحطاني الأصل وهو أول فيلسوف في الإسلام . أطرواحاته عن الأخلاق و ما وراء الطبيعة ( الميتافيزيقا ) و الرياضيات و الصيدلة . عينه المأمون على بيت الحكمة وهو الخطاط الفيلسوف . حوكم بعد ذلك و صودرتْ مؤلفاته أيام المتوكل ، ثمَّ تراجع هذا الأخير عن ذلك لاحقاً .

و قد أحاط بالفكر الفلسفي عند الفرس و الهنود حتى اجتهد في التوفيق بين الفلسفة و الفكر الإسلامي ، رافضا أنْ يتنافى مع العقيدة الإسلامية . فكان موسوعة علمية . بتأسيس العرب لبيت الحكمة حازوا على تفوُّق مطلق في شتى العلوم . لعباس محمود العقاد كتاب بهذا المعنى” التفكير فريضة إسلامية”. و لمحمود عبد الحليم كتاب بعنوان ” التفكير الفلسفي في الإسلام ” . حمل العرب لواء الحضارة زهاء ثمانية قرون في جميع مناحي الحياة . فكانت الريادة للخوارزمي في الرياضيات . فالعلم مدين له باختراع الصفر و مدين له كذلك بمحاولة تنظيم منهجي باللغة العربية لكل المعارف العلمية . أخذتْ مادة ” اللوغاريتم ” اشتقاقا من اسمه وهو صاحبها . وقد يُعزى للعرب اكتشاف الجبر والهندسة و حساب المثلثات . جاء القرآن الكريم بتقسيم الميراث بأحكام رياضية معقدة ، و روعة في الدِقة . أخد الخوارزمي عن حساب الميراث ، و له نفائس في الجبر و الهندسة و الفلك و الجغرافية . وهو الذي اكتشف حلولا من الدرجة الثانية في الجبر، ( المعادلة من الدرجة الثانية ) ، في كتابه . أوجد رموزًا للجذر التربيعي و المكعب و المجهول . ترجمتْ بعد ذلك كتبه إلى اللآتينية في القرن الثاني عشر للميلاد .

أشهر أطباء العرب و المسلمين ، ابن سينا . أخذ عن رسول لله –صلعم- في طبّ الأسنان موضوع السواك الذي جاء به الحديث الصحيح ” لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك قبل كل صلاة ” . فمنذ خمس مائة عام لم يكن هناك ما سميَ بفرشاة الأسنان . و منذئذ عُرفَ عن أطباء العرب طريقة حشو السن . حتى إنَّ أبا القاسم الزهراوي الأندلسي أكد أنَّ السِنَّ عضوٌ نبيلٌ و جوهر شريف . أشهر مؤلفاته كتاب ” القانون في الطبّ ” . و للإضافات النوعية ،من بين المصادر التي اعتمدتها الباحثة: المطالب العالية و مفاتيح الغيب ، للرازي ، وهو أول من اكتشف مرض الجذري و الحصبة ، و جاذبية الأرض ( قبل نيوتن ) .

وقد حصل في مختبره على الكحول الصافي . هم العلماء العرب الذين أخذوا عن علماء الإغريق و الروم و الهند و الفرس فحصلوا على براءات الاختراعات ثمَّ أخذ عنهم علماء الغرب و الشرق ، فالعلم وراثة بين الأمم و ليس حكراً لأحد . اجتهدتْ و أجهدتْ الباحثة قلمها و فكرها بالتنقيب في أمهات الكتب العجمية و العربية ، من تكوين العقل العربي ” محمد عابر الجابري إلى ” الفكر الغربي ” عبد الكريم غلاب ” . كذا ، مذاهب فكرية معاصرة ” محمد قطب ” . و عدَّة نفائس لابن منظور و البيروني و الجاحظ و الفرابي و الجرجاني و الزركلي ، و غيرهم كثر ، فما لبثتْ أنْ جاءت ببحث علمي أكاديمي يستجيب و ضالة الدارسين و الباحثين عن العلم و المعرفة . ما أجمل أنْ يكون القارئ غطاسا و باحثا عن كوامن الدُرِّ و اللؤلؤ في بحار العلم ….

عن admin

شاهد أيضاً

نهرٌ شخصي..تقديم الشاعر زهير أبو شايب لديوان” فكرة النهر”.

النهر ليس مجرد علامة مكانية. إنه استعارة زمانية ملبدة بالميثولوجيا ووثيقة الصلة بالمقدّس، فالأنهار كلّها …

حسن نجمي صانع الصورة البصرية

حسن نجمي شاعر مغربي صاحب تجربة شعرية لها حضور خاص في الحياة الثقافية العربية خلال …

“فرجات الشارع والأمكنة الأخرى” محور نقاش الندوة الدولية “طنجة للفنون المشهدية” في دورتها 16.

يُنهي المركز الدولي لدراسات الفرجة، أن فعاليات الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون …

%d مدونون معجبون بهذه: