لأمريكا شهية مفتوحة… لكنها شهية محرومة.
قوة بلا ذاكرة استعمارية كلاسيكية، وإمبراطورية وُلدت متأخرة، فوجدت العالم محجوزًا، والخرائط مختومة، والنهب الكبير قد تمّ على يد آخرين.
بريطانيا، فرنسا، إسبانيا، البرتغال، إيطاليا… أسماء ليست دولًا فقط، بل فصول دم مكتوبة في تاريخ البشرية. احتلوا شعوبًا، سرقوا ذهبها، طحنوا ثقافاتها، وخرجوا بعد قرون وهم يملكون “سجلًا إمبراطوريًا” يمنحهم — paradoxically — شرعية تاريخية في الوعي الغربي: نعم، كنا مجرمين، لكننا فعلناها في الزمن المسموح.
أما أمريكا… فقد وصلت متأخرة إلى المأدبة. خرجت من رحم القارة الجديدة قوية، ثرية، متقدمة، لكن العالم كان قد تغيّر. قوانين دولية، أمم متحدة، إعلام عابر للحدود، وشعوب لم تعد تقبل أن تُحتل تحت لافتة “الحضارة”.
لم يُسمح لها أن تفعل ما فعله أسلافها الأوروبيون علنًا. وهنا بدأت العقدة. أمريكا تملك القوة… ولا تملك حق استخدامها بالطريقة القديمة.
تملك الأساطيل… ولا تستطيع إنزالها كما كان يفعل الأسطول البريطاني. تملك الدولار… لكنه لا يعوّض غياب التجربة الاستعمارية الكلاسيكية التي تُشبع غرور الإمبراطوريات.
ومن هنا، تحوّلت الشهية إلى شراهة ملتوية. إذا لم يكن الاحتلال المباشر ممكنًا، فليكن الانقلاب.
إذا لم يكن النهب بالسيف، فليكن بالعقوبات. إذا لم يكن الاستعمار باسم التاج، فليكن باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
فنزويلا ليست استثناءً، بل عرضًا مرضيًا. دولة تجرأت أن تقول “نفطنا لنا”، فكان لا بد أن تُخنق اقتصاديًا، وتُشيطن سياسيًا، ويُصنع لها معارضون في غرف مغلقة.
كوبا سبقتها… وما زالت تدفع ثمن عنادها منذ ستة عقود، لأنها رفضت أن تكون مزرعة أمريكية في الكاريبي.
حتى جرينلاند، الجزيرة المتجمدة، لم تسلم من شهية لم تعد تعرف الحدود: شراء أرض، لا احتلالها. صفقة، لا غزو. الإمبراطورية الجديدة تحاول أن تُعيد إنتاج الاستعمار لكن بفاتورة، لا بمدفع. سرّ شهية أمريكا ليس حب السيطرة فقط، بل الحسد التاريخي.
حسد من عاشوا تجربة الإمبراطورية كاملة، ثم خرجوا منها وهم يملكون سردية، بينما بقيت هي عالقة بين القوة والمنع، بين الرغبة والقانون.
ولهذا، فإن أخطر ما في أمريكا ليس ترسانتها، بل شعورها الدائم بأنها لم تُشبع بعد. وأن العالم — مهما تغيّر — ما زال في نظرها “فرصة ضائعة” يجب تعويضها… بأي طريقة.
تلك هي شهية أمريكا. شهية إمبراطورية وُلدت في الزمن الخطأ، وتحاول أن تعيد الزمن إلى الوراء، لا لتعلّم العالم، بل لتأكله.
حجيبة ماء العينين









































































PDF 2025

