“تزممارت”، اسم لا يحتاج إلى تعريف. فهو معروف لدى الخاص والعام، والصغير والكبير، والمثقف والموظف، والباحث والحارث .. بخلاف «دار بريشة» و «مركز الساتيام» !. اللذين يجهلهما كثير من المتتبعين والمهتمين بأدب السجون. فدار بريشة تُعتبر أول معتقل سياسي في المغرب بعد الاستقلال؛ وتقع فوق ربوة مطلة على وادي ” المحنش” بمدينة تطوان. وهي بناية ذات شكل هندسي قديم، تتكون من قبو ودور أرضي، بالإضافة إلى طابقين اثنين. وبخصوص مركز الساتيام، فهو أيضا معتقل سياسي رهيب، ونموذج ثان لمعسكرات التنكيل الحزبي الجهنمي. يقع في منطقة أخرى، وبالضبط في وسط مدينة الدار البيضاء.
تحولت «دار بريشة» إلى معتقل لم يشهد المظلومون مثله حتى في عصور الوحشية الأولى زمان “نيرون” وأضرابه من الهستيريين.
عرف المغرب أحداثا أليمة غداة الاستقلال، تُمثل هذه الأحداث صفحات خطيرة من تاريخنا المعاصر. فما كاد المغرب يحصل على الاستقلال سنة 1955، حتى أخذت أطماع «الحزب العتيد» تتجلى بقوة في الهيمنة على السلطة في البلاد، والانفراد بالعمل في الميدان السياسي. وقام الحزبيون المتعصبون باستغلال السلطة التي كانت بأيديهم أبشع استغلال، وأصبح المغرب يتحول إلى معتقل كبير للتعذيب. ولم يعد وطن الجميع، إنما وطن الحزب كما يقولون. وطن الذعر والخوف والفوضى، لمن لا يبارك أعمال الحزب ويمجدها. حيث عرّضوا البلاد لكثير من المآسي والمحن، وأزهقوا أرواحا بريئة في سبيل تمهيد الطريق إلى الزعامة، والارتقاء على جماجم الضحايا البشرية إلى قمة الأطماع الشخصية.
بعد تأسيس الحكومة الائتلافية الأولى سنة 1955م برئاسة المرحوم “امبارك البكاي” – حيث كان لحزب الاستقلال نصيب الأسد بهذه الحكومة – دُبّرت مؤامرة لتنحية وزير الداخلية “الحسن اليوسي” بافتعال حوادث جامع الفنا بمراكش.
انعقد اجتماع لحزب الاستقلال، وتقرَّر جمع السلاح بأي وسيلة كانت، وتسليمه لسلطات الأمن التابعة للحزب. كما تقرر إثر هذا الاجتماع، جعل «مركز الساتيام» بالدار البيضاء، معتقلا خاصا لخصوم “الحزب العتيد”، ووكرا من أوكار التعذيب وإزهاق الأرواح، ويبيح لكل من ينتسب إلى هذا المركز أن يفعل ما يشاء دون حساب أو استفسار.
بدأت المناوشات والتراشق في البداية بالكلام بين أنصار الديمقراطية «حزب الشورى والاستقلال»، وبين دعاة الحزب الوحيد «حزب الاستقلال» من خلال الجرائد، فتطور الأمر إلى الاختطافات والاعتقالات، ثم الاغتيالات في صفوف الشوريين والهلاليين.
شَهَر «الحزب العتيد» ورقة الخيانة في وجه كل حرّ يخالف رأيه، وكل توجّه غير توجهه مهما كان له من مكانة، سواء على صعيد المقاومة أو في ميدان الوطنية!.
وقد خلّفت تلك الحقبة الرهيبة، المئات من الشهداء؛ فيهم من سقط برصاص الغدر والخيانة، ومنهم من استشهد تحت التعذيب والتنكيل من طرف أجهزة الأمن الحزبية، التي عبثت بأرواح الشوريين والهلاليين بصفة خاصة، وبأمن المواطنين بصفة عامة. وحوّلت نصاعة بياض الأيام الأولى من الاستقلال إلى أيام حالكة الظلام !.
فمنذ نوفمبر 1956م، استولى حزب الاستقلال بالقوة على جميع أجهزة الدولة تقريبا، ونصّب نفسه وصيّاً على الشعب المغربي. وكل من خالف تعاليمه وسياسته، فمصيره الاغتيال والاختطاف. ولعل تلك الأيام السوداء، فاقت كل ما ورد في كتب التاريخ عن النازية والفاشستية وعن محاكم التفتيش الإسبانية !.
هذا ملخص ما جاء في كتاب: «دار بريشة، أو قصة مختطَف» للأستاذ المهدي المومني التجكاني، وكتاب: «من مظاهر التعذيب الحزبي، أو دار بريشة الثانية» للأستاذ عبد الله الرداد. والكتابين من تحقيق وتقديم، شيخ الوطنيين والمقاومين: الأستاذ الحاج أحمد معنينو رحم الله الجميع.
أحمد عطوف









































































PDF 2025

