الإعاقة في كتابات الجاحظ ..

الإعاقة في كتابات الجاحظ ..
جريدة الشمال – عبد اللطيف شهبون ( كتابات الجاحظ )
الخميس 25 فبراير 2016 – 12:00:36

في إطار فعاليات الدورة الثانية والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب ( فبراير بالدار البيضاء) حدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان – لتنشيط رواقه بالمعرض- برنامجا خاصا للتحسيس بالإعاقة في علاقتها بحقوق المواطنة.. وقد استدعى لها فاعلين حقوقيين وجامعيين ومختصين وممثلين عن جمعيات عاملة في مجال الإعاقة بتنسيق مع لجانه الجهوية في ثلاث عشرة جهة..

والبرنامج المذكور توزعته عروض وتقديم كتب وعرض أفلام، وتكريم شخصيات.
شاركت في البرنامج المذكور بقراءة مركزة حول أدبيات الإعاقة في التراث العربي الإسلامي بصحبة الصديق العزيز الدكتور محمد الحافظ الروسي.

إنَّ النـاظرَ في كتاب الله تعالى وفي سُنة نبيه الكريم، يتبَيّن كيفَ فَتحَ الإسلام باب التيسير والمرونة في التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة «ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج..»كما يتبين كيف نص الإسلام على مبدأ إشراك وإدماج الأشخاص ذوي الإعاقات في المجالات الحياتية على قدر وسعهم وطاقتهم.. ومن يطالع كتب الفقه الإسلامي يجد تفصيلا في هذا يعز نظيره؛ من ذلك التمييز بين الإعاقات على أساس الأهلية ودرجات استحقاقها أوفقدانها وغير ذلك..

لكنَّ الأهم في كل هذا هو إعلاء الإسلام لقيم التــآزُر والعَدل والتكريم في التعامل مع هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون إسوة مع إخوانهم في دار التواء لا دار استواء؛ أو دار بلوى في انتظار دار العقبى..
يغيب على كثير من الحقوقيين أهمية وضرورة الرجوع إلى التراث العربي الإسلامي من أجل تأصيل النظر في موضوع الإعاقة أو في غيرها من المواضيع الحقوقية، معتقدين عن خطأ أو جهل أن المنظومة الحقوقية الغربية لم تترك لنا مجالا للتفكير فيما نروم الوصول إليه.

و مادُمنـــا نتحدّث عن موضـــوع الإعـاقــة، فـلابُد من استحضار كتاب الجاحظ «البرصان والعرجان والعميان والحولان..» وهذا الكتاب الذي ألفه الجاحظ وقعت إشارات علمية كثيرة إليه، لكنها لم تستثمر. وهو كتاب جرى تأليفه على غير المعتاد، حيث إن الجاحظ ألف جل كتبه بحافز الإهداء أو التوجيه إلى كتاب أو وزراء أو قضاة..

أما كتابه المذكور، فهو رد علمي وأخلاقي على كتاب سابق للهيثم بن عدي الذي لم يرض الجاحظ مذهبه، ولم يكن مقصد وغاية الجاحظ ذكر العيوب والعاهات نعيا على أصحابها، بل إجلاء وجه مشرق لذوي الإعاقات الذين لم تكن إعاقتهم لتمنعهم من الارتقاء في سلالم المجد العلمي على الخصوص.
وفي الكتاب إشارة ذكية إلى ذوي الإعاقات الذين لهم ذمة وميثاق مع الأطباء الذين يطلعون على إعاقتهم سواء كانت ظاهرة أو باطنة ، وكذلك الأمر بالنسبة لمغسلي الموتى:«وأول الشروط التي وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطلعون عليه.. وكذلك حكم من غسل الموتى».

كتب الجاحظ هذا منذ ما يزيد عن اثني عشر قرنا..
واللافت للنظر أن الكتاب بناه الجاحظ على أساس منهجي تحكمه مزايا التفصيل والتقسيم والتبويب واستقصاء العاهات. عرض ذلك كله بالمنحى الموسوعي والنظر العقلي والنفس الحجاجي، دون إغفال بيان مختلف أسباب الإعاقات ودون إغفال الابتهال والدعاء، فإن ذلك عظة لمن وعاه وصلاح لمن استعمله..

لقد زاوج الجاحظ بين النظر الأخلاقي الكريم، وبين العزاء لمن تلقى هذا الحظ في دنياه، وبين المعالجة العلمية والمنحى الإنساني في بعده الحقوقي خاصة الكرامة، كرامة الحي وكرامة الميت..

وأعتقد أن الجاحظ توفق في كل هذا أيضا لكونه كان واقعا تحت موضوع الإعاقة، وهو المصاب بداء الفالج (نوع من الشلل النصفي الطولي)، والجاحظ الذي عرف بموسوعيته يقف على رأس ما كتب في هذا الموضوع في تراث الإنسانية، وبالتالي فسمة كتابه سمة كونية..
فــافهم.. .

عن admin

شاهد أيضاً

نهرٌ شخصي..تقديم الشاعر زهير أبو شايب لديوان” فكرة النهر”.

النهر ليس مجرد علامة مكانية. إنه استعارة زمانية ملبدة بالميثولوجيا ووثيقة الصلة بالمقدّس، فالأنهار كلّها …

حسن نجمي صانع الصورة البصرية

حسن نجمي شاعر مغربي صاحب تجربة شعرية لها حضور خاص في الحياة الثقافية العربية خلال …

“فرجات الشارع والأمكنة الأخرى” محور نقاش الندوة الدولية “طنجة للفنون المشهدية” في دورتها 16.

يُنهي المركز الدولي لدراسات الفرجة، أن فعاليات الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون …

%d مدونون معجبون بهذه: