كتابات في تاريخ منطقة الشمال : “البعيدون”
جريدة الشمال – أسامة الزكاري ( البعيدون )
الجمعة 17 نوفمبر 2017 – 18:30:09
ونظرا لهذا التداخل الوثيق بين عطاء النصوص الإبداعية والروائية من جهة، وبين أفق اشتغال الكتابة التاريخية العلمية من جهة ثانية، فقد بدأ الكثير من المؤرخين المغاربة ينحون نحو استثمار عطاء الكتابات الروائية لاستلهام الرؤى المؤطرة للبحث التاريخي المتخصص في قضايا الراهن. في هذا الإطار، نجد هذه العودة –على سبيل المثال لا الحصر- نحو نصوص ماكسيم غوركي لتفسير بعض منطلقات تاريخ روسيا، ونصوص تشارل ديكنز بالنسبة لتاريخ إنجلترا، ونصوص إميل زولا بالنسبة لتاريخ فرنسا، ونصوص نجيب محفوظ بالنسبة لتحولات تاريخ مصر الراهن، ونصوص الطيب صالح بالنسبة للسودان، ونصوص عبد الرحمن منيف بالنسبة لتاريخ منطقة الخليج العربي، ونصوص إميل حبيبي بالنسبة لميكانزمات تحول القضية الفلسطينية،… بل وتجاوز بعض المؤرخين المغاربة هذا الأفق، وانتقلوا إلى الانخراط –فعليا- داخل دوائر متعة كتابة الرواية والتنظير لها، مثلما هو الحال مع المرحوم محمد زنيبر، والمؤرخ عبد الله العروي، والأستاذ أحمد التوفيق.
لقد اقتنع المؤرخ بأهمية العودة للإنصات لنبض التحول داخل المجتمع، من خلال تجميع جزئيات التراث الرمزي غير المدون. واتضح أن هذا الأمر يتحقق -في جوانبه الكبرى- من خلال عطاء النصوص السردية الروائية القادرة على التوثيق لما لا يمكن التوثيق له داخل دهاليز تخصص صنعة كتابة التاريخ، وأخص بالذكر في هذا المقام، قضايا تاريخ الذهنيات وأنساق التفكير الجماعية، ومكونات التراث الشفاهي، والمعتقدات وطقوس التعبير الجماعية في المناسبات الاجتماعية مثل الأفراح والمآتم، ونزوعات التعبير الغيبي المرتبط بالعوالم المجردة، مثل الأحلام والسحر والجنس وأشكال التعبد وتداخل المقدس بالمدنس والموسيقى الشعبية والبغاء والأشكال الفرجوية،… ولعل في ما تقدمه نصوص رائدة لكتاب رواد من أمثال محمد عزالدين التازي ومحمد برادة وأحمد عبد السلام البقالي ومحمد إبراهيم بوعلو وعبد الكريم غلاب، خير دليل على قيمة المضامين الملهمة لملكة التخييل في اشتغالها على خصوبة عطاء الذاكرة الجماعية، الواحدة والمتعددة، الفريدة والمتنوعة، الصاخبة والحميمية. لذلك، أصبح المؤرخون يجدون ملاذهم في كتابة الرواية لتمرير المواقف التي لا يستطيعون الدفاع عنها داخل أعمالهم الأكاديمية التاريخية، ولعل فيما نجده في نص “الغربة” لعبد الله العروي، أو في نص “الموريسكي” لحسن أوريد، أو في نص “جارات أبي موسى” لأحمد التوفيق، خير ما يمكن أن يبرر هذا المنحى الثقافي الرفيع.
وتعتبر قضايا صدمة “الأنا” في احتكاكها “بالآخر” الأوربي، من أبرز القضايا التي وجدت تعبيرات شتى عنها داخل حصيلة الرواية العربية المعاصرة. فلقد كانت ارتدادات هذه الصدمة عنيفة، هزت الكثير من يقينيات “الأنا” المطمئنة لمسلماتها والمستكينة لموروثاتها التقليدانية. وكان لابد أن يتعرض العقل العربي لنوع من التشظي في سعيه لفهم هذه العلاقة القائمة والملتبسة تجاه أوربا الحضارة، أوربا العلم، أوربا الفن والجمال، أوربا الإنسان أولا وأخيرا. وقد برزت الكثير من الأعمال الخالدة التي اهتمت بالموضوع من منطلقاتها الفكرية والثقافية الخاصة، وأضفت عليه بعدا إنسانيا عميقا، جعلها تتحول إلى مراجع أساسية لفهم الذهنيات المتحكمة في تعاطي العقل العربي مع الموضوع، وفي تفكيك طلاسمه وارتدادات صدمة اللقاء مع “الآخر”، على حقيقة “الأنا” ودورها المفترض في هذا الوجود. ويمكن الاستدلال -في هذا الباب- برواية “الحي اللاتيني” لسهيل إدريس أو بنص “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح. هي كتابة تروم التمرد على يقينيات الذات، وتستشرف قدرة هذه الذات على امتصاص ارتدادات اللقاء “بالآخر” قبل استيعابه والقبول به ثم التعايش معه. هي معركة فكرية، سلاحها القدرة على تجاوز حقل الطابوهات، وتفكيك دوائر الانغلاق والتخلف، وأفقه يتوخى الانخراط في العصر والفعل فيه والتأثير في مساراته.
في إطار هذه الرؤى الفكرية المركبة، يندرج صدور رواية “البعيدون” للمبدع المغربي بهاء الدين الطود قبل حوالي عقدين من الزمن. ويمكن القول إن هذا النص يشكل حالة فريدة داخل حصيلة تراكم الكتابة الروائية المغربية المعاصرة، ليس –فقط- على مستوى آليات الكتابة وصنعتها المخصوصة، ولكن – أساسا- على مستوى جرأتها في اختراق طابوهات المرحلة المستفزة لثوابت الذات الجماعية في تعاطيها مع تحولات صدمة أوربا، حسب ما حددنا معالمه أعلاه. لقد ارتكز بهاء الدين الطود إلى منطلقات تأصيلية في استنفار ذاكرته الفردية وفي استنطاق حميمياته الصغيرة والدفينة، وفي التمرد على ممنوعات ذاكرته الخاصة، وفي الاستنجاد بغنى الذاكرة الجماعية والمشتركة، من أجل تقديم عمل إبداعي راق لا شك وأنه يحمل قيمة مضافة متعددة الجوانب في مقاربة معيقات صدفة لقاء الذات بالآخر، وانعكاسات ذلك على نمط التفكير ونظيمة السلوك للفرد وللجماعة داخل مغرب ساكن ومسكون بثوابت التقليد والانغلاق.
وإذا كنا –في هذا المقام- لا نركز على الأبعاد الفنية والتقنية الخاصة بنسق الكتابة الإبداعية لدى بهاء الدين الطود، مما لا يدخل في مجال اهتمامنا، فإن السعي لتحويل مضامين النص إلى مادة للاشتغال بالنسبة لمجال التاريخ الثقافي وتاريخ الذهنيات، يشكل مجالا رحبا لتشريح عتبات النص ومقاربة حصيلة التمثلات الفردية والجماعية التي ظل يفرزها المجتمع تجاه أوربا الغازية أولا، ثم تجاه أروبا الحضارة والفن والتقدم ثانيا. إنها أوربا التي شغلت جيل النهضة العربية الحديثة، فألهمت روادها أعمالا خالدة سعت لردم الهوة ولفهم أسباب التوزع الحضاري الذي أبعد هذا الشرق العميق عن هذا الغرب الناهض.
ولقد عبر بهاء الدين الطود عن حالة الانكسار الحادة المترتبة عن هذا الوضع، بشكل مسترسل جعله يتحول إلى محور للكتابة داخل النص كله ونقطة ارتكازية في مقاربة إشكالات اكتشاف الذات لمجاهل أوربا، ودفاعا مستديما لإثبات وجود الذات المتميزة في مقابل الآلة الأوربية الجارفة. في هذا الإطار، يقول السارد على لسان البطل إدريس: “فما أريده هو المضمون، إبراز وعي سابق للوعي الأوربي، إثبات أن الوعي الأوربي ليس عالميا، بل هو جزء من الكل، بل أقيم على مصادر حضارات غيره، جعل منها مواد أولية نهبها روحا ومادة” (البعيدون، ط. 3، ص. 146). وفي نفس السياق، كان رد فعل السارد عنيفا وهو يرفع صوته في وجه جبروت الغرب: “لا، لست جبانا، أنا الذي لم تخترق مسامي أكاذيب الغرب بأكمله أخشى من بضعة كتب صنعها خصمي زورا وبهتانا، لا أبدا لن أقع في الفخ، سأقرأها بروية، من حقي أن أعرف سلاح خصمي، لأقارعه بفضح نواياه” (ص. 164).
هكذا يحضر الغرب كخصم يهدد ثوابت الهوية ومنغلقاتها، مما كان يدفع بالسارد إلى الاستنجاد بدرس التاريخ لعله يجد فيه ما يعزز به موقفه تجاه قوة الحجة لدى أوربا. وتجاوز الأمر ذلك، إلى تغليف العلاقات العاطفية بمنزع يجد مبرراته في التاريخ العربي “المجيد”. ففي كل منعرجات السرد، يحضر هذا التاريخ بتعبيراته المختلفة. فحتى عندما كان البطل بين أحضان عشيقته، ظل يستحضر هذا البعد، قائلا: “انتصبت أمامها آمرها بالرقص معي، ابتسمت ولبت أمري، وحين طوقتها بذراعي، أحسست أنني أحتضن الأندلس كله، ولفحتني رائحة غرناطة بأزهارها ومسكها وياسمينها، دبت في أوصالي شهوة من تلك التي لم أذق طعمها بعد، ذاك كان يقيني، وبذلت جهدا لأجعل الكلمات تنزلق من فمي:
ـ ها قد مر قرن آخر، بعد خمسة قرون من البحث عنك.
رفعت رأسها، أنفها القصير كاد يلامس ذقني، ابتسمت، ابتسامة العشق التي لا تخطئها العين وهمست:
ـ وها أنا قد جئتك بنفسي لأكفيك مشقة البحث عني.
ضحكت وأضافت:
ـ إنما قل لي، من أجل ماذا تبحث عني؟
ـ لتنفيذ وصية جدي الهارب من غرناطة يوم احتلالها، ولعلك قد قرأت تاريخ خروج العرب من غرناطة…” (ص ص. 82-83).
وعلى الرغم من أن البطل قد سعى إلى الانخراط في الأجواء الجديدة سواء بمدينة مدريد أم بمدينة لندن، فإن الإحساس بالحنين إلى الأصل ظل يؤثر فيه ويخلق داخله حالة من الانفصام المزمن الذي هيمن على متن الرواية. يقول السارد مستحضرا نصا شعريا قديما كان يتغنى به الجنود الإسبان: “لا تظني يا حبيبتي أن غنائي يعكس فرح قلبي. فأنا كالطائر السجين، إذا توقف عن الغناء مات غما. لا تحسبي يا أماه أن نشيدي مصدر سعادتي فأنا من سأم هذا المعسكر أنظم مواويل مأساتي” (ص. 102). ويضيف السارد معبرا عن فيض حنينه إلى موطنه الأصلي، قائلا على لسان البطل: “ما أشد اشتياقي إلى دار مغربية، رائحة الحصير في صحنها، دالية خضراء يخترقها شعاع شمس بلادي، زقزقة طائرين يزيح أحدهما الأخر ليستأثر بحبة عنب قبل نضجه، وتكون الغلبة للأقوى، كما هو شأن عشر سنوات وصدى تهليلات المؤذن في تلك الصومعة اللصيقة بطفولتي يكبر في أذني وقلبي، يحاصرني حنين لحقول ضفتي الوادي الجديد، نسوة يغسلن الصوف هناك في الضفة الأخرى، يافعا كنت أصيد البليق والعصفور والبرطال، وأستحم مع رفاقي في المحراب قبيل غروب الشمس، ثم أعود إلى المدينة عبر عرصات وممرات تكسو جنباتها ألوان خضراء، وروائح عذراء ظلت حبيسة ذلك الزمن الأسطوري الغابر” (ص ص. 140-141).
وجدير بالذكر، وفي سياق هذا الاسترجاع السردي، ظل المؤلف حريصا على الاحتفاء بمعالم فضاءات مدينته القصر الكبير، سواء من خلال الشواهد المادية أن من خلال وجوه أناسها البسطاء. كان الأمر يحمل بعدا مزدوجا، جمع بين التوظيف النوسطالجي للمضامين من جهة، وبين إجراء المقارنات والتقابلات التي يفرضها السياق بين الوضع “هنا” والوضع “هناك” من جهة ثانية. هي تقابلات ظلت تحمل تعابير الانكسار والأسى بعد أن فشلت الذات في إثبات نجاعتها وقدرتها على الانخراط في العصر. ولعل في المصير المأساوي للبطل إدريس خير تعبير عن هذا المآل، حيث جعله السارد يعود إلى مدينته الأصلية القصر الكبير بعد أن طرد من “جنة” أوربا وأصابته لوثة الجنون، ليفارق الحياة داخل إحدى المستشفيات البئيسة للمدينة، متشردا ومنكسرا من كل شيء.
ويبدو أن مصير إدريس يختزل مآل ولادة قيصرية لعلاقة افتراضية بين نزوات الرجل الشرقي وطموح المدنية الغربية. يتعلق الأمر يشهوانيات محرمة مزقت شخصية البطل وحكمت عليه بنوع من الفصام المزمن، بل وتجاوزت ذلك إلى خلق حالة من التنافر بين رؤية السارد من جهة ورؤية البطل من جهة ثانية، وفق ما تعبر عنه الفقرة التالية: “فحين يجتمع اثنان يحدث أن يتحدث أحدهما بصيغة الجمع. إذن علي أن أتقبل العلاقة في إطارها الحقيقي العادي، علاقة رجل بامرأة بدون أي اعتبار للعنصر العرقي أو الديني أو الإيديولوجي، ثم كيف أعيب على الآٍخر هذه المواقف وأتشبث أنا بها؟ قادني تحليلي إلى قناعة، حاولت أن أسكت به الشخص الآخر بداخلي” (ص. 168).
هل استطاعت الأنثى أن تسقط القناع عن أسرار الرجل الشرقي؟ وهل نجحت في الكشف عن عوراته وعن سقوطه الحضاري المدوي؟ لا شك أن نص “البعيدون” يعيد مقاربة الموضوع من منطلقات تجديدية، نجحت في خلق عوالم للتأثير في شخصية البطل إدريس، عوالم السهر والحب والجنس الممنوع، عوالم تلونت بتلون أسماء مغريات شخصياتها الأنثوية، من إيستير إلى كريستيان أيسن، ومرورا ببيلار ثم إيلين. وداخل دروب “الحريم” تنتصب فحولة الرجل الشرقي لتثبت وجودها الفعلي في مواجهة هذا الغرب الجارف الملتهم لكل ما سواه.
وفي كل هذه المستويات المتداخلة، نجح بهاء الدين الطود في تقديم رؤية فنية مستلهمة من تجربة شخصية ثرية، لا شك وأنها تقدم مفاتيح أساسية لفهم منغلقات التصادم الحضاري لجيل مغاربة الاستعمار، في أفق تفكيك هذه المنغلقات وفهم ميكانزماتها الناظمة للسلوك وللموقف الفردي والجماعي الذي ظل يتحكم في تعاطينا مع قضايا هذا الغرب المهيمن، بالأمس واليوم…









































































PDF 2025

