على سبيل الاستهلال:
إن الاحتفاء بأعلام الفكر والمشيخة العلمية وتكريمهم في حياتهم وإبراز مناقبهم وتعريف الجيل الجديد بآثارهم وجليل أعمالهم خلق رفيع وعرف أصيل دأبت عليه الهيئات وذوو الفضل والاعتراف. والشكر والامتنان موصولان للأستاذ الدكتور بدر العمراني رئيس مركز عقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعين بطنجة على هذه الالتفاتة الكريمة. وهذا بحمد الله تعالى رابع تكريم أحضره لأستاذنا، الأول كان بكلية الآداب بتطوان سنة 2007 بعيد مغادرته للكلية، والثاني نظمه المجلس العلمي بطنجة سنة 2017؛ والثالث نظمته الجمعية المغربية لخدمة اللغة العربية سنة 2018.
رجالات البحث التراثي:
شـكل الاعتناء بأدب الكتابة التراثية وتحقيق متنها وسـردياتها رافدا مهما من روافد التنمية الثقافية والبناء الحضاري في التراث العربي الإسلامي، وشكل أدب الغرب الإسلامي لبنة مهمة في بنية هذا الصرح التراثي في مختلف فنون الكتابة شـعرا وأدبا وفقها وتأريخا وترجمة ورحلة وتفسيرا وتصـوفا الخ . ومن حسـن حظنا أن نجت من التلف والضياع مدونات وآثار عديدة ومتنوعة تحفظ الحياة العلمية والأدبية لحقب خلت بهذا الثغر من بلاد الإسلام.
لهذا انبرت ثلة من العلماء والأساتذة الباحثين بهذا الثغر من شمال المغرب إلى خدمة المخطوط وإخراج المتون الغميسة في الحلة التي تليق بموضوعها ومؤلفها . وفي المنطقة الشمالية الغربية من المغرب الأقصى ظهرت في بداية القرن الماضي زمرة من العلماء المتمرسين الأكفاء الذين امتلكوا كفايات البحث العلمي وترسخوا في المعرفة التراثية التي أهلتهم لسبر أغوار المتون وأصعب المخطوطات قراءة لأسطرها وفكاً لمغالقها وترميما لفراغاتها وتصويبا لتصحيفاتها، فأنجزوا بحوثا ودراسات وحققوا نصوصا لم تكن متيسرة إلى عهد قريب. ذلك أنه ليس من اليسير أن ينبري أي واحد لهذا المسلك الصعب من البحث والتحقيق والتدقيق؛ فهو يحتاج لآليات وأدوات المعرفة التراثية الدقيقة والتجربة والمراس إلى جانب قدر كبير من الصبر والاستغراق في استيفاء النظر والتأمل في اضطرابات النصوص أو تناقضها أحيانا، والإخلاص في العمل وخلق فرص نجاحه.
وكان من بين هذه الثلة التي برزت في الكتابة التاريخية والدراسات المغربية الأندلسية : أحمد الرهوني التطواني(ت 1953م) ومحمد داود التطواني(ت 1984م)، وعبد الله كنون (ت 1989م) ومحمد ابن تاويت التطواني(ت 1993م)، وسعيد أعراب(ت 2003م)، وعبد الصمد العشاب (ت 2012م) ومحمد بن عزوز حكيم (ت2014م) وعبد الله المرابط الترغي(ت2015م)، وميلودة الشرويطي الحسناوي رحمها الله، وحسن الوراكلي(ت2018م)، ومحمد مفتاح الشفشاوني (ت 2019م)، وسعيد الأحرش(ت3مارس 2021) وجعفر بن الحاج السلمي وأحمد الطريبق اليدري وعبد اللطيف شهبون وعبد السلام شقور، وغيرهم كثر من أقرانهم وتلامذتهم، رحم الله من توفي منهم وبارك في عمر الباقي .
الشيخ/ خلاصة حياة حافلة :
أستاذنا المحتفى به سيدي عبد السلام شقور ينتمي لهذا الجيل ولهذه المدرسة التي أسسوا لبناتها الأولى وبنوا مجدها الذي تجني ثماره الآن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان خدمة للمكتبة المغربية والأندلسية والثقافة الإسلامية عموما؛ ولد أستاذنا عبد السلام شقور حفظه الله سنة 1943 بقرية بني يدر (ناحية تطوان). وبعد حفظ القرآن الكريم وبعض المتون على جري عادة المغاربة في البادية، والمراوحة بين التعليم الأصيل والنظامي بالجامعة سييمم شطر الأدب المعاصر حيث تسجل بالرباط في شهادة استكمال الدروس العليا في الأدب الحديث والمعاصر ونقدهما سنة 1975؛ إلا أنه في هذه المحطة سيغير اتجاه الرحلة العلمية ليعود في (الماجستير ودكتوراه الدولة) إلى ما يسكنه من حنين إلى معين التراث والفكر الأصيل وإحياء الذاكرة المنسية بفعل عوامل التغريب والقطيعة.
وخلفت مسيرة البحث والتأليف والدرس الجامعي جملة من الآثار والأعمال المطبوعة والمنشورة كتبا ومقالات ومشاركات، والتي تبرز لكل قارئ متخصص قدرته وبراعته في المادة التي يحشدها لبناء موضوع كتاب أو ترجمة علم أو إحياء منقبة أو أثر مندرس؛ ولكم ردد على مسامعي الأثر المعروف «من ورخ مؤمنا فكأنما أحياه».
وكتبه المنشورة هي :
1) دراسات حديثة في آداب الباكالوريا المغربية(1982)، أعيد طبعه عدة مرات.
2) القاضي عياض الأديب: الأدب المغربي في ظل المرابطين/طنجة/ دار الفكر المغربي/ 1983. وهو في الأصل رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، أعدها تحت إشراف محمد ابن تاويت ونوقشت بكلية الآداب بالرباط سنة 1982
3) الإحاطة في أخبار غرناطة: نصوص لم يسبق نشرها/ لسان الدين بن الخطيب/ 1988
4) الشعر المغربي في عصر بني مرين: قضاياه وظواهره(1993)
5) ديوان الشريف الحسيب العبد المنيب: أبي الحسن علي شقور(1999)
6) الشعراء المغاربة في عصر بني مرين منشورات كلية آداب تطوان سنة (2003)
7) في الثقافة المغربية (لم يطبع بعد).
ويعتبر الأستاذ الدكتور عبد السلام شقور واحدا ممن اعتنوا، ضمن جملة اهتماماته العلمية، بالتأريخ لجهة الشمال الغربي للمملكة و ترجمة بعض رجالاتها وبيوتاتها العلمية وبعض المآثر والمعالم .
المريد/ تداخل الذات بالموضوع:
سنة 1990 – 1991 سيفتتح أول فوج لسلك شهادة استكمال الدروس بكلية آداب مارتيل، وكان أستاذنا بارك الله في عمره إلى جانب حسن الوراكلي وميلودة الشرويطي وعبد الله الترغي وسعيد الأحرش رحمهم الله أعمدة هذا السلك في الدراسات الأندلسية والأدب المغربي. نجح طالبان في هذا الفوج الأول هما الدكتور يوسف الفهري المدرس الآن بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان وعبد ربه.
بعد حصولي على شهادة استكمال الدروس سنة 1991م، كان علي كطالب باحث مبتدئ أن أختار في إطار النظام القديم أستاذا ليشرف على رسالتي ل( د د ع )، يممت شطر بيت المرحوم عبد الله الترغي الذي كما يعلم الجميع لم يكن بيته يخلو من صديق أو زائر أو طالب أو مستفسر؛ فأخبرته أني أريده أن يكون مشرفا على رسالتي ، وبلطفه وأدبه العالي اعتذر، لأنه لم يكن آنئذ(1991م) قد ناقش أطروحته لنيل دكتوراه الدولة1 التي كان أشرف عليها المرحوم عبد السلام الهراس. ونظرا لمعرفته بحاجة الطالب للمساعدة وقلة التجربة في هذا الميدان، أحالني على أستاذنا الدكتورعبد السلام شقور الذي كان قد ناقش أطروحته وأصبحت وضعيته الإدارية تسمح له بالإشراف وتأطير ( د دع ) والدكتوراه. وأشهد أنني منذ زيارتي الأولى لبيته رحب وهنأ بالنجاح وقبل بالموضوع الذي حملته معي كمقترح للبحث. وهنا أتذكر ـ في مقام الاعتراف والامتنان ـ أخي وجاري ورفيق الدراسة الجامعية الباحث الأصيل عبد اللطيف السملالي حفظه الله الذي كان له الفضل في اختيار شخصية أبي زيد المكودي ومقصورته النبوية وشروحاتها.
ومنذ التسجيل الرسمي لرسالة الماجستير إلى أطروحة الدكتوراه التي نوقشت سنة 2000م، أي قرابة العقد من الزمن، وأنا أتردد على بيت أستاذنا، فلم يحصل قط أن أطرني أو ناقشني فيما كنت أحضره من مبيضات مخطوطة متعبة ـ لم يكن الحاسوب قد انتشر بعد ـ بالمقهى أبدا، اللهم ما كان من جلسات عابرة مع بعض الأخيار من خلص جلسائه. وقد كنت في هذه السنة التكوينية الجامعية (1990 – 1991) ثاني طالب يشرف عليه أستاذنا بعد الطالب الباحث وقتئذ الأستاذ الدكتور عبد العزيز العيادي بارك الله في عمره، ولكم أن تتصوروا يا ما أصعب أن يجد طالب مبتدئ نفسه أمام تأطير أستاذ من طينة الأستاذ عبد السلام شقور، لا أخفي هنا أن التجربة في بداياتها كانت صعبة، فالأستاذ ينتمي إلى مدرسة الصنعة التراثية والإحاطة الدقيقة بالحياة الأدبية بالغرب الإسلامي وبالمغرب الأقصى خصوصا، أعلاماً وفهارس وتآليف غمسية مخطوطة ومرقونة ومطبوعة. فكم له من فضل علي في التوجيه إلى النوادر من مصادر الفكر والأدب المغربيين وخاصة العصر المريني الذي عرف حركية فكرية وثقافية؛ وهو العصر الذي ينتمي إليه أبو زيد عبد الرحمن المكودي (ت807هـ)محور رسالتي، وبواسطته تعرفت ـ مباشرة أو بواسطة ـ على متخصصين في الميدان كصديقه المرحوم علال الغازي(ت2006م) والأستاذ العياشي السنوسي ومحمد الدناي وعلي لغزيوي من كلية فاس وثريا لهي من كلية الرباط وعبد الحميد الهرامة الليبي وغيرهم، الذين كان لهم أثر وبصمة على جودة البحث الذي كان أستاذنا حريصا عليه، فهو لا يقبل اجترار المنقولات دون تنخيلها والاستفادة من إشاراتها. وأذكر فيما أذكر أنه أحالني ذات مرة على متن مريني قد تُصادف فيه ذكرا أو إشارة إلى المكودي، وبعد طول وقت في القراءة لم أعثر له على ذكر، ففاجأني بقوله: سجل هذه الملاحظة واستثمرها في بحثك. وكان هذا دأبه ومنهجه في بحوثه ومشاركاته العلمية، فمثلا نذكر له في هذا المعنى ـ وهو يتتبع حياة ابن بطوطة في منحاها الصوفي ـ الطريقة المتعبة التي يقرأ بها النص وهو يبحث عن غرض معين، يقول: «وقد تتبعت أسانيد أبي سالم العياشي فيها جميعا، فلم أجد فيها ـ أي رحلة العياشي ماء الموائد ـ ذكرأ لابن بطوطة، وهذا يؤكد ما سبق قوله من إهمال المغاربة لرحلة ابن بطوطة ولصاحبها»2
إنه في تأطيره لطلبته ـ وكان يحرص على التقليل من عددهم وانتقائهم – كنت تحس أنه لا يسايرك ويسير بك نحو التتويج بنيل الشهادة بل كان يصنع منك باحثا، فكم سمعت منه قوله: كم من أستاذ ناقش أطروحته تمنى لو دفنت تحت الأرض حتى لا يطلع عليها أحد. إنه يعلمك كيف تسبر الأغوار وتنقح الأقوال وترمم الثغرات وتجمع المتفرقات وتفسر وتؤول وتستنتج. وأذكر ذات مرة أنه حفظه الله فاجأ المرحوم عبد الهادي التازي(ت2015م) المعتني بتحقيق تحفة النظار في مجلدات ضخام بأن لابن بطوطة تأليف في الحديث، مما جعل المرحوم عبد الهادي التازي يتساءل في استغراب أين وقفت عليه؟!!! ليجيبه أن ذلك صريح في جملة غميسة في ثنايا رحلته لم يلتفت إليها أحد.
وإذا كان كتاب الشفا للقاضي عياض قد طبقت شهرته الآفاق، فإنني كم كنت أسعد وأنا أتجول بين رفوف المكتبات والخزانات الأوربية زمن البحث والتنقيب ـ لم يكن وقتئذ في التسعينيات قد ظهرت الشبكة الرقميةـ أن أقف على كتاب شيخنا «القاضي عياض الأديب/ الأدب المغربي في ظل المرابطين» الذي يقول في مقدمته: «نستنتج من كل ما سبق، أن أدب عياض، بالرغم من أهميته، لم يتصد أحد قبل يومنا هذا لدراسته دراسة مفصلة تجمع شتاته وتغوص وراء دقائقه»3. لقد كان يعلم طلبته أن شخصية البحث التي يشتغل عليها الطالب الباحث في الدراسات التراثية يجب ألا تفلت منه شذرة قد تُخل بالإحاطة المطلوبة والبناء المحكم؛ لأن صنعة الترجمة عنده فن غاية في الحبك والتركيب والبناء، ليست مجرد سرديات منقولة غير منخولة وغير مستثمرة على مستوى استخراج المعلومة أو استنتاج فائدة جديدة أو دحد شبهة قائمة أو إزالة لبس أو ترميم ثغرة ناقصة.
وإذا ما انتقلنا من طريقته في منهج البحث وفضله علينا في اكتمال بحوثنا وسهره على تيسير الإجراءات الإدارية داخل الجامعة، إلى القيم الأخلاقية والنزاهة العلمية التي قبسناها من فيض ظلال شخصيته؛ فإنه يكفي القول إن قيم التشجيع والمدح وتثبيت الطالب على الصبر والاحتمال ودفعه للمشاركة في المنتديات العلمية من الأمور التي ألفناها في أستاذنا، فكم كان يسعد وهو يرى لك مقالا نشر هنا أوهناك، ولما تلتقي به يبادر بإشعارك أنه اطلع عليه وينوه بالمسار ومواصلة الدرب. كما قدم نموذجا فريدا في العفاف والنخوة عكس ما يلاحظ الآن عند بعض المشرفين على الرسائل الجامعية مع الأسف الشديد، ولما بدأ يضعف عنده النظر كنا نشعر بأخلاقه العالية وهو يتردد أن يطلب منك قراءة صفحة أو جزء عليه حتى يبقي على شموخه وطبعه المعتاد.
—
1 – ناقش أطروحته رحمه الله بكلية آداب تطوان سنة 1992، وأذكر أن المدرج كان مكتظا عن آخره.
2 – كتاب ندوة ابن بطوطة بطنجة سنة 1993 : 335. مطبعة ألطوبريس / 1996.
3 – القاضي عياض الأديب : 8/ مطبعة دار أمل / طنجة /ط1 / 1983.
د.محمد سعيد صمدي









































































PDF 2025


