السلوك الشخصي و البناء الحضاري

السلوك الشخصي و البناء الحضاري

جريدة الشمال – الزهرة حمودان (شروط النهضة للمفكر الإسلامي مالك بن نبي)
الجمعة 22 ابريل 2016 – 12:40:57

يدعو المفكّـر الإسلامي، مالك بن نبي، في كتابهِ “شُروط النهضة”، إلى ما يسمّيه هو بـ” التصفية” يقول بهذا الخصوص:” و إنه ليجب بادئ الأمر، تصفية عاداتنا و تقاليدنا، و إطارنا الخلقي و الاجتماعي، مما فيه من عوامل قتالة، و رمم لا فائدة منها حتى يصفو الجو للعوامل الحية و الداعية إلى الحياة”….ثم يفصل كيف أن الثقافة هي الحاملة للفكر المنتج لكل سلبيات و إيجابيات الحضارة. ثم يضرب مثلا بالغرب عندما بدا دعاة النهضة ابتداء من توماس الإكويني، لما بدأ ينقي الثقافة الغربية ـ ولو عن غير قصد يقول مالك بن نبي ـ من أفكار ابن رشد، و القديس اوغسطين ،حتى يستطيع تصفية ثقافته ـمن الفكر الإسلامي و الميراث الميتافيزيقي للكنيسة البيزنطية.و بعده جاء هيغل ، لكن هذه المرة بمنهج تجريبي،رسم الخطوط العريضة للمدنية الغربية الحديثة. كما عرف التاريخ الإسلامي، مرحلة التصفية هذه، التي انطلقت من القرآن، من أجل تنقية الثقافة الإسلامية الحديثة آنذاك، من أفكار الجاهلية، و خلق ثقافة إسلامية صافية، من اجل بناء حضارة إسلامية.     يشرح مؤلف كتاب شروط النهضة، ركائز مشروعه النهضوي، ويشير إلى اختلافه عن المنهج الغربي، و ذلك لكون هذا الأخير يعرف الثقافة، إما أنها “فلسفة الإنسان”، انطلاقا من تراث المعارف الإغريقية اللاتينية. أو هي “فلسفة المجتمع”، كما عرفتها البلاد التي تعتنق المذهب الاشتراكي.لأن هذين التعريفين، ينطلقان من فكرة عامة عن الثقافة، و لم يأخذا في اعتبارهما، سلوك الفرد و أسلوب الحياة في المجتمع.ثم يقول : ” و هذا ما نريد أن نحاوله هنا، حين نربط ربطا وثيقا بين الثقلفة و الحضارة. و في ضوء هذ الربط، تصبح الثقافة نظرية في السلوك، أكثر من أن تكون نظرية المعرفة…”

 رجعت لآراء مالك بن نبي، كمفكر إسلامي نهضوي مجدد، في تعريف الثقافة و الحضارة و علاقتهما بالسلوكي لأسباب ذاتية و موضوعية. الذاتية تتعلق بحلمي العنيد، بعصر نهضة عربي/إسلامي، متصالح مع ذاته، متكافئ ثقافيا و حضاريا، مع باقي تلوينات الإنسان الكوني، الذي نقتسم معه كل أسباب الحياة فوق كوكب الارض. والسبب الموضوعي، أثارته ثلاثة تجارب عايشتها مباشرة، و عبر الإعلام، في هذه الأيام الأخيرة، و كلها تتعلق بسلوك فئة من الناس، المفروض أنها تمثل النخبة من الشعب : شاعر و عالم و فنانة.    ذات زمن، و أنا أتلقى أبجديتي التربوية، من البيت و المجتمع، ثم من بعض المقروءات في القصص الديني، أو قصص الأطفال العالمية المترجمة، أو التي هي عربية التأليف في الأصل. كنت و الأطفال من جيلي، مستأنسين دائما بالقدوة. في بيوتنا، يدور كلام، يشيد بسلوك فلان، إنه ابن عائلة، فنفهم أنه إنسان محترم. أو متعلم و قارئ، فنفهم أيضا أنه ينتمي إلى فئة المحترمين. و إذا كان دكتورا في تخصص ما، أو نجما سينمائيا أو تلفزيونيا، فأولئك كانوا هم الصفوة. أما أبطال قصصنا فتلك قصة أخرى.

في زمننا هذا، سوف لن أتكلم عن العموميات و مشاهداتنا اليومية، عن ما نشاهده من سلوكات، تفسر مدى الحضيض و التفسخ في السلوك، الذي يسد كل باب للنهضة، يمكن أن تفتحه الثقافة. سأحكي لكم بالملموس عن شاعر، استدعي ليساهم بقراءة نماذج من قصائده، في إحدى اللقاءات الثقافية، داخل الحرم الجامعي، الذي احتضن الحدث…    لسبب من الأسباب، كان شاعرنا هو آخر قارئ ـ أنا شخصيا حمدت الله و شكرته ـ على هذا الترتيب، و إلا كنا فقدنا متعة الاستماع إلى باقي الشعراء.احتج الشاعر عند صعوده بالمرموز، فجاء وقعه مقبولا بعض الشيء. و الحضور ما زال منشغلا بكيفية التخلص من ذلك ” البعض الشيئ”، فإذا بصوت الشاعر يعلو صاخبا، مصاحبا بخبطة من يده فوق منصة القراءة ، ارتعب الحضور…انتشر منطوق الشاعر،المحسوب على الشعر، سهاما من ” الأنا” الفاحشة، يؤلم بها سمعنا و مشاعرنا، لأن مخاطبيه في شعره لا وجود لهم بين الحضور. قيل إنه شاعر هذا هو أسلوبه. صفقت له القاعة رغم أنفها. و انفض الجمع و قد غادرته أصداء مدارج الإشراق، التي أتت بها القصائد الذي سبقته..و قال الجميع عوضنا على الله.  

المناسبة الثانية، كانت ندوة فكرية، تجمع بين الإشراق الروحي، و الإبداع الأدبي، غلب على مداخلات الحضور جمالية الجوهر في القيم الروحية، فخاضوا في التعاريف و التجليات و المدارك و المنزلقات…كل المتدخلون كانوا من أعلى المراتب العلمية. وكذلك الدكتور المسير للجلسة.انسجمت أراؤهم، و كادت أن تتوحد رؤاهم، لولا أن أحدهم ، وهو يغلب عليه طابع الأدب، لأنه روائي، كان أسلوب كلامه مطعم بمفردات عن الحداثة و الحرية، و ربما شطح قليلا عن سرب المنصة، مما فجر زوبعة ” الأنا” ، مرة أخرى بأسلوب فج، لا يليق بقيمة صاحبه، و أدائه الثقافي و الفكري أثناء مداخلته.صدمة سلوكية أخرى أقلقتني…كيف ينقلب سلوك المفكر العالم و المبدع و الشاعر، مائة و ثمانين درجة في رمشة عين..أبهذا السلوك نكرس ثقافة من المفروض أن تبني نهضة حضارية؟ أليست هذه خسارة كبيرة للفرد المعني، و للمجتمع الذي يبحث عن قادة يقتدي بهم.

malek.bennabi.jpg
كان هذان المثالان، على مستوى النخبة المثقفة. لنمر إلى عموم الناس ، و ما فعل بهم الإعلام، و نجومه، حين انصدم جمهور نجمة في الفن الدرامي و الاشهار، بسلوكها العدواني اتجاه أبناء شعبها، ففجرت عدوانية مضادة،انحاز إلى جانبها جل المغاربة، حتى لا نقول الكل.   لماذا تستبد هذه “الأنا” المتغولة، بمفكرينا، و مبدعينا..و فنانينا…؟   ما الذي يجعل سياسيا يعتلي هرم المسؤولية ببلادنا، يقحم “أناه” بقسم ، يرفضه الله من فوق سبع سموات، لأنها تمس كرامة فئة من عباده    ؟   أهؤلاء هم نموذج الإنسان الذي خلقه الله، ليقود الوجود فوق الأرض؟   ألا يذكرنا هذا بقوله تعالى :”..أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا” { سورة الفرقان}..؟   أين لنا بتناسق الفكر مع السلوك. ذلك التناسق الذي يستطيع أن يبلور ثقافة، تخلق نهضة .

 إن النقاء و التصفية التي ينشدها مالك بن نبي، لبناء نهضة ، تقتضي تخلص رموز الفكر و الإبداع، و المسؤولين في كافة مواقعهم. بما فيهم الآباء، و أطر التربية و التعليم، من الانفعالات الشخصية، و الأهواء النفسية و الشهوية، و كظم الغيظ.. فــالسّلوك الحضاري ـ كما يعبّر عنه الدارسون ـ هو سلوك يتعارض مع السّلوك الطبيعي اللاّواعي. و أن السلوك الحضاري هو سلوك ذو أبعاد إنسانية، يصدر عن وعي ذاتي، يجعل صاحبه يقتنع بضرورة السلوك الحضاري.   و بصفة عامة ـ و حتى لا تدخلني إشارتي لآفة اجتماعية، تبعدنا عن كل أمل في التطور الإنساني، في مغبة الوعظ و الارشاد ـ  فإن السلوك الحضاري ـ في أبسط وجوهه ـ  أن لا نتوقف عن تربية أنفسنا.

                                                    جريدة الشمال

عن admin

شاهد أيضاً

“مذكرات حياة وجهاد: 2ـ حرب الريف”

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “مذكرات حياة وجهاد: 2ـ حرب الريف”   يعتبر كتاب “مذكرات …

وداعا عبد العظيم الشناوي

عبد العظيم الشناوي ( – 10 يوليو 2020) ممثل ومؤلف ومخرج وإعلامي مغربي، من مواليد …

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “الطريس.. صور من حياته”

استرعت سيرة زعيم الحركة الوطنية بشمال المغرب الأستاذ عبد الخالق الطريس، اهتمام كل المشتغلين بالبحث …

%d مدونون معجبون بهذه: