الشّغَـب الرّياضي : و سُؤال القـِيَم .. حين يَنقلبُ السّحرُ على السّاحر

الشّغَـب الرّياضي و سُؤال القِـيَم حين يَنقلبُ السّحرُ على السّاحر

جريدة الشمال – عزيـز كنوني
الخميس 31 مارس 2016 – 13:25:53
ُُ
مؤلم أن تتحول مبارياتنا الرياضية إلى مواجهات ومعارك دامية،  تحصد أرواحا بريئة، وملاعبنا إلى ساحات حرب حقيقية ، حامية الوطيس، بسبب أمور تافهة، لا تستحمل كل هذا الصخب وهذه الجلبة. مشكلتنا في المغرب أننا لا نواجه القضايا المثيرة، المهددة،  وهي بعد في المهد، بل ننتظر حتى تكبر وتعظم، لنستنفر “الوسائل الكبرى”  التي غالبا ما يؤدي استعمالها إلى إثارة العديد من خصومنا ضدنا، تارة بحكم “ممارسة العنف” وتارة أخرى، برفع  ورقة “حقوق الإنسان” في وجهنا !…..

                                            شغب الملاعب : السبت الأسود
بعد الأحد الأسود  سنة 2015 والخميس الأسود سنة 2013، هاهو السبت يدخل خانة الأيام الرياضية “السود”، بالمغرب،  بعد لمواجهات التي شهدها مركب محمد الخامس إثر مقابلة الرجاء البيضاوي  والريف الحسيمي،  بين  فصيلين مشجعين لنفس الفريق، “الغرين بويز”  و’إلترا إيغال”، وبينهما سوابق دموية معروفة، الأمر الذي أثار حنق واستهجان الجميع.

 المفاجأة  السيئة، أنه بعد مباراة الرجاء البيضاوي وشباب الريف الحسيمي بمركب محمد الخامس، عمد لاعبو الرجاء إلى الاحتفال بذكرى تأسيس فريقهم مع فريق “إلترا غرين بويز” الأمر الذي اعتبره الفريق المنافس “إلترا لإيغال”  “تهميشا” له وتحقيرا،  لتنطلق الشرارة مباشرة  بعد ذلك  وتبدأ المواجهات بالتراشق  بالشهب الصناعية بين الفصيلين الغريمين ثم بالتراشق بالحجارة لينخرط الجميع في شجار عنيف  ترتب عنه قتيلان وعدد من الجرحى ومعتقلون… ثم لتنتقل المعارك إلى خارج الملعب، وبين الشوارع والدروب،  بما يحدث ذلك من خوف ورعب شديدين  بين السكان. ورغم أن شغب الملاعب صار “ظاهرة” تتسع برسم تصاعدي، بالمغرب، إلا أنها تظل حالة اجنبية عن ثقافتنا وأخلاقنا وقيمنا المجتمعية.

إنّها من “الممارسات” الهجينة المستوردة  بسيئاتها وسلبياتها والأضرار العميقة التي تتسبب فيها داخل المجتمع المغربي الذي يبدو وكأنه فقد “الحصانة ” الأخلاقية  التي كان يتمتع بها، وكأن “الهمجية” الأولى عادت لتزحف على المجتمع المغربي، فلا تبقي ولا تذر!..

والحال أن عنف الملاعب يطبع المباريات الرياضية، خاصة كرة القدم الأكثر شعبية،  بسبب ظاهرة “الإلترات” الدخيلة، التي تعصف بحياة  العديد من المشجعين  وتتسبب في تخريب  آليات وتجهيزات الملاعب التي هي ملك للشعب ومولت من أموال الشعب، لأسباب تافهة، منها ما يحدث من مناوشات بين منشجعي الفريقين المتباريين، ومنها أيضا ما يتصل باحتجاجات المشجعين على ما يعتبرونه أخطاء  من طرف الحكام، ومنها عدم رضا الجمهور على أداء فريق من الفريقين المتباريين أو هما معا.

 والغريب أن ظاهرة الشغب والعنف ترافق المباريات الرياضية سواء في حالة الفوز أو الخسارة حيث إن أكثر من ملعب عبر التراب الوطني، شهد حالات عنف بلغت بعضها حد الخطورة القصوي بعد أن أدت إلى إصابات في الأرواح والممتلكات العامة وخلقت حالات من الرعب بين المواطنين الأمر الذي أفقد ويفقد  جاذبية الملاعب وجمال ومتعة الفرجة في المباريات الكروية.

                                      ثقافة الإلترات شغب كلها الحياة
 يعرف المشهد الكروي بالمغرب وجود العديد من ‘الإلترات”  من مشجعي كبريات الفرق الكروية، على سبيل المثال:  “الوينزر” للوداد، و “الكرين بويز” و “إلترا إيغال” للرجاء،  و”الإلترا عسكري” للجيش، و لإلترا تيكرز” للمغرب الفاسي، و’إلترا سيمبري بالوما” و”لوس ماطادوريس”  للمغرب التطواني، و “إلترا هيركوليس” لاتحاد طنجة،  و”إلترا حله بويز” للنادي القنيطري،  و”إلترا ريف بويز” لشباب الريف الحسيمي…وغيرها.

تنشط عادة هذه الفصائل على مدرجات الملاعب، عبر تنظيم “تيفوات” ورفع اللافتات وترديد شعارات وأغان تشجيعية ، ولكل منها أهازيجها ورموزها، المفروض فيها خلق الفرجة والمتعة. فهل وقع اختراق هذه الفصائل، ومن طرف من، لتتحول إلى  آلية شغب وفوضى ومواجهات دموية ؟ بيد أن المفروض فيها أن تكون جماعات مشجعين  تتابع الفرق التي  تتعاطف معها وتساندها خلال كل المقابلات التي تجريها  في ملعبها أو خارج ملعبها، بطريقة متحضرة وبروح رياضية !!!…وهو ما لا يحصل، مع الأسف الشديد، حيث إن “الإلترات” غالبا ما تستعمل العنف اللفظي لاستفزاز الخصم وجره إلى العنف. ولنا في لافتة “إلترا بالوما” لفريق تطوان خير مثال على ذلك، حيث إن هذا الفيصل المشجع للمغرب التطواني رفع لافتة عملاقة كتب عليها “طنجة العاهرة” وطنجة أخت توأم لتطوان وبها يعيش العديد من أهل تطوان من مثقفقين وأطباء وعلماء وأساتدة، وبين أهل تطوان وطنجة وشائج قربى عائلية  عميقة وقديمة….ومع ذلك.. إلا أننا نفهم أن أبناء تطوان الأصليين، المتحضرين، المثقفين، أصحاب التربية والأخلاق العالية لا صلة لهم بأمثال هؤلاء الغزاة النازحين  إلى مدينة لن ينجحوا في التأقلم معها  لوجود بون شاسع بين أخلاقهم  وأخلاق أبنائها  وأهاليها !….

  ظاهرة “الإلترات’ أثبتت، بالممارسة، أنها غريبة عنا وعن ثقافتنا  لأنها جعلت من العنف والشغب سلوكا  جماعيا  منظما  ترعاه وتحرص عليه من أجل إثباث الذات وإبراز مظاهر التفوق وقدرة “الفتوة” على الفتك والبطش (!)…..

 ومما يفسر ظاهرة العنف في “عقلية وسلوك” ”الإلترات” أن هذه الفصائل تعمل بدون قيادة  قادرة على ضبط تحركاتها وردود الفعل لدي أعضائها ما يجعل سلوكها خارج كل توقع،  وبالتالي  خارج التحكم  القبلي والبعدي، وهي الفوضى بذاتها التي  يصعب تفاديها  أو تفادي الإنزلاقات التي تؤدي حتما إليها.

 وبالتالي فإن أصابع الاتهام توجه، عند كل مرة يحصل فيها عنف في الملاعب إلى “الإلترات” التي جعلت من تلك الفضاءات الرياضية العموية، ميدانا لمبارزاتها على حساب راحة وأمن المتفرجين الذين إنما يحجون للملاعب بحثا عن المتعة والفرجة، كما كان الشأن بالنسبة لرواد  كرة القدم وممارسيها وعشاقها  ومشجعيها، منذ أن دخلت “الجلدة” إلى المغرب وعشقها المغاربة وتميزوا في ممارستها، في أجواء من الاحتفالية الممتعة.

فلماذا تسيل دماء زكية  لأولاد المغاربة اليوم  على درج الملاعب، وتصبح مباريات كرة القدم، نوع من النزال والقتل والبطش؟  ماذا تغير؟….. تغير الشيء الكثير… بسبب اندثار التربية والأخلاق  وانهيار القيم،  وفشل منظومة التعليم والتربية، وتفشي مظاهر الظلم والفقر والحكرة، والمحسوبية، وتنامي الشعور بالأفق المسدود لدى الناس…

                                                رد فعل الإلترات
 وممّا يُثير العجب، أن جهة سمت نفسها “عصبة الإلترات المغربية”، طلعت ببيان في مواجهة للحملة الاعلامية التي تواجهها باعتبارها المحرك الأساس للعنف في الملاعب، وكاننا بحاجة إلى دليل  مادي جديد على ذلك.

 عذه العصبة قالت إت أسباب الشغب متعددة تعدد المتدخلين في الشأن الكروي، وانصرفت لتعطي دروسا للساهرين على الكرة المغربية، متهمة إياهم  بعدم اهتمامها بمعالجة مشاكل الجماهير وتحسين ظروف دخولها للملاعب، ومتهمة الجمعيات الكروية بتكديس الأموال  والظهور على وسائل الإعلام. الطريف أن العصبة تتهم الأمن لضعفه في تنظيم المباريات  كما تتهم الجماعات الحضرية بعدم توفير النقلوعدم توفير ظروف الراحة داخل الملاعب، باعتبارها مرفقا عموميا… ولم ينج الإعلام من  سهام “عصبة الإلترات” التي اعتبرته “متحيزا” و “لا يصغي للرأي العام” والرأي الآخر كما لم “تفلت” الجامعة من انتقاداتها إذ اعتبرت أن لجان البرمجة  والتأذيب  “لا تزال تسبح في مستنقع الهواية”.

 وحتى إذا سلمنا، جدلا،  بوجود كل هذه الاختلالات على مستوى الأجهزة الرسمية  والجامعة والإعلام “الفاسد”، فهل يشفع ذلك  للإلترات أن يمارسوا عقابا جماعيا ضد الشعب المغربي قاطبة وضد عشاق كرة القدم وضد المغرب. وطنهم الذي يضربون سمعته في الصميم.

 ثمّ من أنابهم عن الشعب حتى “يأخدوا” له بحق الثأر ؟
 ألم يكن من واجبهم أن يمارسوا حق النقد، حتى من داخل هذا الإعلام الفاسد، والحال أن مواقع التواصل الاجتماعي وفيرة وهي خارج “التغطية” الرسمية، ويمكنهم منها  شن حملات إصلاحية، تعيد الأمور إلى نصابها،  عوض شن حروب داخل الملاعب وخارجها يموت فيها أبرياء ويصاب فيها أبرياء ويعتقل بسببها بعض الأبرياء كذلك….وتدمر منشآت عمومية دفع الشعب ثمنها من عرق جبينه؟ والسؤال الذي يطرح نفسه، ما دخل هذه “الحيثيات” التي جاء بها بيان “العصبة” في ما شهده مركب محمد الخامس يوم “السبت الأسود”” هل رفعت العصبة شعار الإصلاح؟ أم إن الأمر لم يخرج عن نطاق المشاحنات “الإجرامية” المعتادة  بين فصيلين يساندان ، ياللغباء،… نفس الفريق ، الرجاء البيضاوي لأن لاعبي الفريق فضلو الاحتفال بذكرى التأسيس مع عصبة ‘إلترا’ دون عصبة ‘إلترا’ آخر، اعتبر أنه “همش” و “أهين” ؟ !

 على أي، “الإلترات” أثبتت أنها “عصب” الأحداث الدامية التي تشهدها الملاعب والتي غالبا ما يسبقها وعد ووعيد على مواقع التواصل الاجتماعي . وبالتالي ، فلا التربية صارت بعد اليوم ذات فائدة، ولا التحسيس والتوعية يمكن أن يؤديا إلى فائدة.

 كما أن الدعوة إلى التسامح والتآخي بين ‘الإلترات” كما ورد في بيان “ما سمي بالعصبة”، فات وقتها بعد أن خلفت ضحايا من أطفال الشعب الذين فقدوا حياتهم غدرا، بسبب الشغب.

 المطلوب الصرامة، الصرامة، الصرامة في التعامل مع هذه الظاهرة التي، إن انفلتت، جرت على البلاد الويلات والشرور….. مسؤولية الدولة كاملة في حفظ الكليات الخمس: الدين،  والنفس،  والعقل،  والنسب،  والمال،  وفي استتباب الأمن  الذي هو أساس الملك واستمراره. 

                                                 جريدة الشمال
 

عن admin

شاهد أيضاً

حوار السبت: عبد الواحد بولعيش

إتحاد طنجة لكرة السلة يلتزم بقرارات الحجز الصحي … قصف عبد الواحد بولعيش، رئيس اتحاد …

توقيع اتفاقية شراكة بين اتحاد طنجة ونادي ليغانيس الا سباني

مباراة ودية بين الفريقين يوم 27يوليوز على ملعب ابن بطوطة. وقع اتحاد طنجة مساء الاربعاء …

بيت الصحافة يكرم الا علامي المتميز عبد السلام الشعباوي.

بحضور شخصيات وازنة منها عامل عمالة الفحص انجرة والكاتب العام لوزارة الثقافة وال اتصال ورئيس …

%d مدونون معجبون بهذه: