الوجه الآخر للشاعر حسن المفتي.. تأملات في التجربة القصصية

الوجه الآخر للشاعر حَسن المُفتي.. تأملات في التجربة القصصية
جريدة الشمال – حسن المفتي ( الشاعر )
الجمعة 05 فبراير 2016 – 17:21:56

ارتبطت شهرة الأستاذ حسن المفتي ، في الأوساط الثقافية والفنية داخل المغرب وخارجه، بالكتابة الزجلية والإخراج التلفزيوني والسينمائي؛ غير أن لهذا المبدع والفنان التطواني الكبير إسهامات أخرى في فن القصة القصيرة ظلت بعيدة عن اهتمام النقاد والدارسين والمتتبعين الذين تناولوا الإنتاج الفني الخاص لهذا الفنان المبدع وأعماله الأدبية.

كتب المفتي – رحمه الله- نماذج مبكرة في القصة القصيرة تدل على تمكن الرجل وتمرسه بالقواعد الفنية والجمالية لهذا الفن السهل الممتنع، ناهيك عن تشبثه الراسخ والمستمر بالدلالات الموضوعية والمضامين الفكرية التي تناولها في باقي الإنتاج الآخر الذي قدمه للساحة الثقافية بالمغرب.

والحق أني لم أكن على اطلاع سابق بهذا “الوجه الآخر” إلا بعد أن وقفتُ، قبل حوالي خمس سنوات، على الجزء الثالث والأخير من الأعمال الكاملة للمبدع الكبير الراحل حسن المفتي ضمن منشورات وزارة الثقافة، والذي سهر على جمع مواده وترتيب أبوابه نجله الكريم الدكتور سعد المفتي، حفظه الله.

يتضمن البابُ الأولُ من هذا الجزء (صص 07- 40) ستة (6) نصوصا قصصية للفقيد يعود تاريخ نشرها إلى مطلع الستينيات، وتحديدا إلى سنتي 60-61؛ وهي النصوص التالية: ثم رآها تطفو، وليلة أخرى، وعودة إلى نقطة الصفر، وصاحب الصندوق الأسود، وأصبح رجلا، وعندما ترقص الأرض .

وبناء عليه، نبع لديّ التفكير في الانكباب على تأمل النصوص القصصية الستة وتحرير هاته السطور عنها، متوخيا قدر الإمكان والجهد أن ألقي حولها إضاءات تكشف تفرد الرجل وتمكنه من الآليات الفنية والجمالية التي يتطلبها الدخول في غمار هذا الفن السهل والممتنع في الآن ذاته.

2- أريد، هنا في هذه المناسبة، أن أقف عند حدود التأثر بالفن السينمائي في الكتابة القصصية لدى المفتي؛ وذلك من خلال القبض على حضور بعض تجليات الفن السابع ومظاهره في فن القصة القصيرة.

لا شك في أن التكوين الفني والأكاديمي الذي اكتسبه المبدع القاص حسن المفتي انعكس على إنتاجه الأدبي والقصصي بجلاء، إذ إن المتأمل لهذا الإنتاج بعين فاحصة يدرك أن المفتي يستثمر في قصصه جملة من الآليات والتقنيات الموظفة في الإبداع السينمائي، من قبيل: التصوير؛ والحوار، بنوعيه: الخارجي (الديالوغ) والداخلي (المونولوغ)؛ والاسترجاع (فلاش الباك)…

أ. التصوير القصصي:
إن من تجليات حضور الفن السابع في فن القصة القصيرة لدى حسن المفتي الاتكاء الشديد على آلية التصوير، إذ يسجل القارئ لهاته القصص أنها كتبت بوعي بصري دقيق يحرص من خلال القاص على التقاط التفاصيل وتدوينها، حتى ليخيل للقارئ أن الكاتب يحمل آلة تصوير عالية الجودة؛ وهو ما يجعل القارئ يقف أمام صور ناطقة من الحياة اليومية.

ومن الأمثلة الدالة على هذا المنحى، ورد في قصة “ثم رآها تطفو”، يقول السارد:”… وفي المؤخرة، تجلس الغادة الجديدة “ارحيمو”… كانت قد أزاحت القب عن رأسها، وبدا شعرها الكستنائي لامعا من تأثير عطر رخيص، وجهها المتناسق التقاطيع ميال للصفرة؛ أبرز ما فيه عينان كبيرتان تتمنى أن تبتلعانك، يشوبهما مزيج من البراءة والخوف والغموض، أنفها ينزل في استقامة بديعة، شفتاها مكتنزتان مع استرخاء في الشفة السفلى… قوامها متماسك في نحول”. (ص 9).

وفي قصة “ليلة أخرى”، يقول السارد: “عمي العياشي قصير القامة، عريض ككيس دقيق، مستدير الوجه مع سمرة قمحية” (ص 13).
وفي القصة ذاتها، أورد السارد متحدثا عن ابن العياشي: “… أحمد ابنه الأكبر المتوسط الطول، النحيف في إفراط، الأصفر البشرة، الكثير السعال….” (ص 13).

وفي مثال آخر، يقول السارد: “… ذابت الشمس كعادتها وراء تل بعينه، وامتطى عمي العياشي الدابة التي يفضلها، وهمزها حتى تسير بأقصى سرعة، أسنانه تصطك، حرارة تسري في معظم جسمه ورأسه…” (ص 14).
وفي موضع آخر، يقول السارد: “انتصبت قامة الليل وبدأت تطول. وحول القنديل وده منكمش وشعر أبيض ساطع، وملامح تنبئ عن جمال قديم تكسوه ظلال همّ طارئ…” (ص 14).

وفي قصة “صاحب الصندوق الأسود”، يقول السارد:”…. وحينما غادرني متجها إلى دكان بيع الدخان كنت أراه كاملا، بكل تفاصيله التي لا أراها بوضوح.. كان نحيلا ميالا إلى الطول، يمشي بخطوات متعبة، يلبس قميصا ممزقا، وبنطلونا أمريكيا أزرق اللون”. (ص 27).
وفي قصة “عندما ترقص الأرض”، يقول السارد: “رمى بعقب السيجارة من يده، ومدها في جيبه، فأخرج المفتاح. أداره في القفل مرتين، فانفتح الباب، انفتح عن منزل صغير جدا يتكون من غرفة نوم وبهو ضيق. تناثر في جنباته أثاث يدل على بساطة ورقة حال. وفي وسطه تربض منفضة مربعة الشكل تعلوها أباجورة وكومة من الكراريس وأقلام بعضها مبري وبعضها مقصوف، ومنفضة ملأى ببقايا السجائر وكوب ماء به وردة حمراء” (ص 37).

إن القارئ لهذه الأمثلة المثبتة أعلاه وغيرها يسجل أن الصورة القصصية تخدم البنية العامة للنص القصصي، وأنها تسير في تناسق واتحاد تامين مع الحدث الرئيس في النص ما دام أن القاص يمتلك تكوينا أكاديميا سينمائيا؛ وهو ما يوهله / أهله إلى أن ينقل القارئ إلى الأجواء العامة للحدث القصصي.

كما أن التصوير القصصي عند حسن المفتي، الذي يتسم بدرجة عالية من الدقة والعمق والثراء والواقعية، لا يقتصر على مكون واحد ووحيد من مكونات تلك القصص، بل إن سمة التصوير تكاد تهيمن على كثير من المكونات في قصص المفتي: الشخصيات، الأمكنة، الزمن… فضلا عن أن توظيف التصوير في قصص المفتي في ما يرتبط بمكون الشخصيات لا ينحصر في الجانب الخارجي للشخصيات؛ بل يتعدى الوصف ذلك المستوى ويمتد إلى طبائع الشخصيات وخصالها الإنسانية والنفسية؛ وهو ما يمنح لهذه التقنية (تقنية التصوير / الوصف) الكثير من التشويق والإثارة.

وبعد أن وقفنا على تجليات التصوير وحدوده في قصص المفتي، فإن السؤال الذي يلح على بال القارئ المتمعن / المتأمل هو: ما الغايات والوظائف التي يتوخاها القارئ من وراء الاتكال على هذه السمة الفنية؟ وإن الجواب عن السؤال أعلاه هو أن الوعي الفني للكاتب والتكوين الأكاديمي الذي تلقاه في دراسته العليا بمصر فرض عليه استغلاله في قصصه أحسن استغلال، لا سيما أن المفتي تعاطى أيضا كتابة السيناريو والإخراج معا.

ب- الحوار القصصي:
إن المتأمل في قصص حسن المفتي يجد أن الكاتب زواج فيها بين الحوار بنوعيه (الداخلي والخارجي) مثلما زواج في تلك القصص بين السرد والوصف؛ وهو ما مكن القاص من جلب اهتمام القارئ وخلق نوعا من الارتياح وطرد عنه الملل وكسر الرتابة، من أجل الانخراط بكل شغف في القراءة والمتابعة إلى آخر كل نص من النصوص الستة لهاته الأضمومة.

ويحضر الحوار في هذه النصوص حضورا لافتا؛ فباستثناء القصة الأخيرة الموسومة بـ”عندما ترقص الأرض”، فإن باقي القصص الأخرى تتضمن حوارات بين شخصياتها، وحتى القصة المشار إليها جاء فيها المونولوغ التالي: “وقال في دخيلته: ربما انتهى هذا الحب نهاية سعيدة” (ص 38).

وفي قصة “ثم رآها تطفو”، ورد: “قالت له في تعلثم ملحوظ: يظهر أنهما شمايت…
– ربما
– ولكن لماذا لا تشرب كثيرا؟؟
– تعودت هذا…
– اسمع.. أريد أن أرقص..
قال في استغرب: لك ذلك” (ص 11).
وفي قصة “ليلة أخرى”، وردت مناجاة داخلية في نفس عمي العياشي، الشخصية الرئيسية للقصة، جاء فيها: “إن موسم المطر يقترب، وعليّ أن أنتهي من الفدّانين الباقيين ومن صراخ الشريك الذي يقف عند رأسي وكأنه عزرائيل” (ص 13).
وفي مثال آخر من القصة ذاتها: “… وجاء الرد على لسان إحدى الجارات: – أولاد الحرام بزاف” (ص 15).
وفي قصة “عودة إلى نقطة الصفر”، ورد: “… رمى الغطاء وفرك عينيه في عصبية وغمغم:- كالعادة، لم يتغير شيء.. ملعقة الذهب الملعونة لا تعرف طريقا لفمي” (ص 19).

وتلافيا للتطويل، فقد رأيت أن أتفادى هنا نقل أمثلة أخرى للحوار؛ غير أني أؤكد أنها حوارات صيغت جميعها بكثير من الحذق والمهارة، لأنها تخدم البنية العامة للنص القصصي.

كما يسجل القارئ المتمعن أن القاص حسن المفتي استطاع أن يصيغ الحوارات الواردة في هذه النصوص بقدر عال من التوافق بين مضامينها وبين المستوى الثقافي والاجتماعي للشخصيات التي جرت على ألسنتها؛ وهو ما يعطي للحوار، باعتباره مكونا فنيا في القصة، الكثير من الصدق والتوهج.

ج- “الفلاش باك” أو الاسترجاع:
لا يقتصر الحضور السينمائي في قصص المفتي على الصورة أو الحوار فقط؛ بل إن القارئ لهاته القصص يقف في بعضها على تقنية “الفلاش باك” أو الاسترجاع والحلم (التخيل) التي تكاد تتفرد بها السينما عن غيرها من الفنون وتجعل منها العمدة والأساس. ففي قصة “أصبح رجلا”، ينخرط الابن في حلم طويل يستغرق حوالي صفحتين، بعد أن نهره الوالد وامتنع عن أداء واجبات التسجيل المدرسي (صص 34 و35 و36).

وفي قصة “عودة إلى الصفر”، ورد: “… وتلفت وراءه كأنه يريد أن يسترجع الماضي. وتذكر كيف قطع هذه المسافة لأول مرة… كان ذلك منذ خمس سنوات… لقد أحس، يومها، بالزهو؛ لأنه أصبح مدرسا. كان يمشي بخطوات الطاووس المنفوش، ويعتقد أن الناس – كل الناس- تنظر له وكأنه بطل من أسطورة يونانية…..” (ص 22).

وعلى صلة بتقنية الاسترجاع، فقد وظف القاص حسن المفتي تقنية الحلم في بعض القصص (على سبيل المثال ص 33 وص 35 وص 38).

3- وإجمالا، يمكن القول إن هذه القصص، التي بين أيدينا والتي كتبت منذ أزيد من نصف قرن، ما زالت تحتفظ براهنيتها وجاذبيتها وقوتها، سواء على مستوى الرؤية الفكرية والدلالة والموضوعية أم على مستوى البناء الفني والجمالي؛ فالقارئ من الجيل الجديد للقصص الست المضمنة في المجموعة يلمس أن المفتي حرص، منذ مرحلة مبكرة من تجربته ومن عمر القصة المغربية أيضا، على توظيف جملة من الأساليب الجمالية والفنية المتطورة بالقدر الذي حرص على الانخراط في القضايا التي كان يعيشها مجتمع تلك المرحلة من تاريخ المغرب. .

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الشاعر والناقد عبدالجواد الخنيفي

اللّغة الشعريّة تنطوي على تشعّب المواقف والعواطف .. اللّغة الشعريّة لها القدرة على النّفاذ إلى …

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

%d مدونون معجبون بهذه: