الثلاثاء , 29 سبتمبر 2020

الوساطة بين شكري وخصومه

الوساطة بين شكري وخصومه
جريدة الشمال (محمد شكري )
الإثنين 09 نوفمبر 2015 – 11:51:19

حَظي الإنتاجُ الإبداعيُّ للأديب المغربي الشهير محمد شكري (1935 – 15 نونبر 2003)، لأسباب عديدة ومعروفة، باهتمام نقدي لافت ومستمر؛ فقد تناول عديد من النقاد والدارسين التجربة السردية لشكري بالتحليل والنقد، وركزوا تركيزا ملحوظا على رواياته وقصصه، حيث نال الجزء الأول من سيرته الذاتية الروائية [الخبز الحافي] النصيب الوفي والأوفر من المتابعة والرصد.

ونتيجة لذلك الاهتمام والتركيز الزائدين، فقد تكوّنت لدى فئة عريضة من القراء والمهتمين نظرة أحادية تجاه الرجل وآثاره الأدبية الأخرى، تنطوي على قدر كبير من الأغلاط والسلبيات؛ بل إن تلك النظرة تكاد تكون قاصرة ومحصورة في جوانب محددة مرتبطة بهذا الإنتاج. ومن ثم، فقد جنى شكري نفسه من وراء تلك النظرة النمطية غبنا وظلما شديدين؛ وهو ما دفعه، مرات عديدة، إلى التبرم من هذا التصور السائد وإعلان السخط على هذا النحس.

وفي ظل هذه الوضعية الناشزة، بقيت صورة محمد شكري وصوته النقديان باهتين وخفيظين؛ وهو ما يدعو النقاد إلى إعادة قراءة أعمال شكري وفق رؤى جديدة تعطي الأولوية والاهتمام إلى جوانب مشرقة من هذا الإنتاج، إذ إن محمدا شكري أسهم بحظ وافر في النقد الأدبي من خلال المقالات المتفرقة في المجلات والصحف من جهة، ومن خلال الأحاديث الإذاعية والتلفزية من جهة ثانية، كما أن الشهادات بدورها لا تخلو من نظرات نقدية فاحصة.

ومن هنا، فقد نشأ لدي وعي متزايد بهذا القصور / التقصير، وقررت أن أخصص ذات مرة أسئلة حواري الذي لم ينجز مع شكري لهذه التجربة النقدية، بغية إثارة قضايا وإشكالات مرتبطة بهذا الجانب الثري والمتفرد في الآن نفسه من حياة الرجل الأدبية.

وفي هذه المقالة، سأقف عند كتابه الممتع “غواية الشحرور الأبيض” (مطبعة ألطوبريس، طنجة، الطبعة الأولى 1998. وللإشارة، فقد حذفت الاستشهادات، في انتظار نشرها في دراسة مواسعة بحول الله)، لاستنطاق مكنوناته ودرره، ومن ثم استخلاص مميزات النقد “الشكري” في هذا الكتاب، آملا أن أخصص في مقبل الأيام لتجربة محمد شكري النقدية دراسة وافية وشاملة للحوارات والأحاديث الإذاعية. ولعل هاته السطور تكون وساطة للمصالحة بين شكري وخصومه الذين طالما لاحقوا الرجل بالنقد، من خلال النظر إلى جزء من الإنتاج دون الرجوع إلى التجربة كلها.

يتضمن كتاب “غواية الشحرور الأبيض” ست مقالات نقدية متفاوتة من حيث الطول والقصر، يظهر أنها كتبت خلال فترات زمنية سابقة ومتباعدة.
وبالرغم من ذلك، فقد احتفظت المقالات بكثير من راهنيتها ومن تناسقها وانسجامها.
وقد جاءت المقالات على الترتيب الآتي: البطل والخلاص [13- 41] / مفهومي للتجربة الأدبية [42- 114] / الرفض وقبح العالم [115- 136] / محاكمة الأدب [137- 143] / الوشم [144- 157] / غواية الشعر وتسامحه [158- 161].

وإن اللافت في مقالات الكتاب – كما يظهر للقارئ- هو أن أغلب المقالات تتسم بطول النفس. ومن ثم، يصعب عليّ – هنا – أن أقدم تلخيصا معينا لمضامين المقالات المذكورة؛ لأن تلك المهمة تبقى عسيرة ومستحيلة، لاسيما أن قراءة هذه المقالات تتسم بقدر غير يسير من العسر والصعوبة، إلى درجة لا يستطيع معها القارئ أن يمسك في القراءة الأولى أو الوحيدة بروح العمل وبمفاصله العميقة.
وإن مرد تلك الصعوبة، في نظري، يعود إلى غنى القضايا وتشابك الأعمال في المقالة الواحدة؛ لأن الكاتب يتعمد إثارة قضايا متفرقة وعديدة في الفقرة الواحدة. وعليه، نكتفي هذه الورقة بالدخول مباشرة في الحديث عن مميزات المقالات وتسطير الانطباعات الأولية حولها.

ومن خلال التأمل وإمعان النظر، يخلص قارئ كتاب (غواية الشحرور الأبيض) إلى استنتاجات عديدة، نورد أهمها في السطور الآتية: تتسم مقالات الكتاب بميزتين أساسيتين؛ أولاهما الكثافة والغنى، وتتجلى في العدد الكبير من القضايا والموضوعات الأدبية والنقدية المطروقة في تلك المقالات، إذ يفوق عددها في أحيان كثيرة عشر قضايا بل تكاد لا تخلو صفحة من صفحات الكتاب من إثارة الحديث والنبش في قضية أدبية أو نقدية. كما أن هذه الميزة المذكورة تتمثل أيضا في عدد الأعمال والمؤلفات المعتمدة كمراجع ومصادر. ومن ثم، يمكن القول إن تلك المقالات تقدم للقارئ صورة واضحة وكاملة عن الأعمال والمؤلفات التي قرأها شكري والكتاب والمبدعين الذين كان رحمه الله يميل إلى أعمالهم وأغرم بقراءتها. وإن المرجعية الفلسفية بمختلف مدارسها الفكرية الإيديولوجية حاضرة بقوة في مقالات الكتاب. ويتجلى ذلك الحضور القوي في الاستشهادات المنقولة عن أعلام تلك المدارس والأحكام المبنية عليها، إذ سار شكري في القراءات الفلسفية شوطا بعيدا، وخاصة الوجودية منها، فضلا عن القراءات الروائية الغربية والعربية، إلى درجة يصح معها الحكم إن ذاكرة شكري ورصيده القرائي يتسم بالغنى والعمق والتنوع، ويتجلى ذلك من خلال عدد الأعمال وأسماء أصحابها ذوي المكانة العالية والمرموقة في حقل الأدب. كما تتجلى أيضا في تنوع الأجناس الحاضرة في مقالات الكتاب (القصة / الرواية / المسرح / الشعر) والفنون (الموسيقى / التشكيل).

وخلال تلك النظرات النقدية حول القضايا والأجناس والفنون، يقدم الكاتب الناقد محمد شكري أخبارا عن حيوات العظماء وسير الكتاب. وإن أهم ما يلفت النظر في تلك العملية هو أن شكري يقدمها بطريقة انسيابية لا تكون مفروضة على سياق النص أو محشوة داخله، بل لا يكاد القارئ يحس بأدنى حشو. ومن ثم، يسعف الكاتب القارئ بمعرفة ثرية بحيوات الكتاب وتجاربهم الإنسانية. كما أن هذه الميزة تؤكد أن قراءة مبدع ما لا ينبغي أن تتم بمعزل عن حياة ذلك المبدع.

أما الميزة الثانية من الميزتين اللافتتين في الكتاب نقف على ميزة العمق، وتظهر هذه الميزة في أن شكري يقدم المقالات نظرات متأنية في قضايا فنية وأدبية دقيقة ومحددة، ويضمن محمد شكري مقالات الكتاب نظرات تأملية فكرية وإبداعية عميقة وغنية.

وإن الوقوف على تلك المقالات والنظر في مضامينها والاطلاع على أساليب الحديث التي سلكها المؤلف عنها كلها تؤكد أن شكري لم مشغولا بشيء آخر غير القراءة، إذ لا شك في أن استحضار تلك الأعمال يتطلب وقتا هاما للقراءة والفحص وإعمال النظر النقدي.

وإن الخلاصة النهائية في هذا المقام التي يخرج بها القارئ المتمعن لهذه المقالات هي أن محمدا شكري لم يتعاط الكتابة من فراغ، وإنما كان يستند في إبداعه وكتابته الأدبية إلى خلفية أو مرجعية صلبة وقوية وينطلق من وعي وإدراك راسخين أو لنقل من معرفة عميقة بتقنيات الصنعة وأسرارها.
يقدم محمد شكري في مقالات الكتاب شواهد وأمثلة على أحكامه النقدية، ويلتزم التزاما شديدا بهذه القاعدة، وهو ما يضفي أولا على نقده وأحكامه نوعا من الصدق، ويعطي لنقده ثانيا وأخيرا طابعا تطبيقيا مرنا يرد به على أصحاب الاتجاه النظري الفج الذي تسقط فيه كثير من أعمال النقد في المغرب والبلاد العربية، فلا يكاد المؤلف يثير الحديث عن قضية / نظرية نقدية أو أدبية إلا يعقبها بأمثلة ونماذج تطبيقية للتدليل على آرائه.

كما أن محمدا شكري يعضد أحكامه وآراءه النقدية بآراء النقاد الآخرين، لا سيما المبدعين أمثال تولتستوي وإدريس الخوري.

ومن ثم، نخلص، هنا، أن شكري استطاع الجمع بين الجمالي والرؤيوي في الإبداع بحس عال ومتميز، وأنه لم يول في هذه المقالات التأملات عنايته للنظرية إلا بقدر ما تتيحه له من إمكانات التقعيد لإشكالات جمالية ومعرفية عارضة، أو بتعبير آخر إن النظري يتعانق بالحس التطبيقي في مقالات الكتاب.

وقبل ننتقل إلى نقطة أخرى أحب أن أشير إلى ملاحظة أساسية، وهي غياب توثيق النصوص المستشهد بها مثل طبعة الكتاب وتاريخها ورقم الصفحة، وهو ما يفقد الكتاب الصرامة والدقة من جهة، ويحرم القارئ من إمكانية العودة والرجوع إلى المصادر إن اقتضى الحال من جهة ثانية.

وما دمنا في سياق نقد النقد، فإني أستغل الفرصة لأؤكد أن شكري يتحاشى أو يتفادى وضع العناوين داخل المقالة أو الدراسة، إذ لا يحرص على التقسيم الدقيق للمقالة في فقرات معنونة أو مرقمة، وهو أمر خلق للقارئ نصبا شديدا وإرهاقا مضاعفا جراء الملاحقة والمتابعة الحثيثتين للكاتب في استطراداته، كما أن الأمر ذاته يعقد عملية التلقي، خاصة أن بعض المقالات كانت طويلة الذيل ومتشعبة الفروع كثيرة التفاصيل. ..

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الشاعر والناقد عبدالجواد الخنيفي

اللّغة الشعريّة تنطوي على تشعّب المواقف والعواطف .. اللّغة الشعريّة لها القدرة على النّفاذ إلى …

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

%d مدونون معجبون بهذه: