“الوسط الحضري لكل من زليل- زلول- أصيلا”..

كتابات في تاريخ منطقة الشمال:

“الوسط الحضري لكل من زليل- زلول- أصيلا”

  

لعل من عناصر قوة التراكم العلمي الوطني الراهن في مجال الكتابة التاريخية المتخصصة، انفتاح متبادل للمجالات المعرفية والثقافية والإبداعية على بعضها البعض. ولعل من عناصر الثورة المنهجية المرتبطة بهذا التحول، النزوع المتواصل نحو مد الجسور بين حقول الكتابة التاريخية المتخصصة من جهة أولى، وبين مجالات التوظيف الإبداعي بتعبيراته الشعرية والسردية والتشكيلية والتخييلية المختلفة. مناسبة هذا الكلام، صدور دراسة لسناء حساب (باللغة الفرنسية) سنة 2017، ضمن الكتاب الجماعي الذي صدر تحت عنوان “العمران والمجال والإنسان  في تاريخ المغرب”. فعلى الرغم من أن دراسة سناء حساب قد اهتمت برصد التحولات المجالية لموقع زيليس التاريخي على ضوء الاكتشافات الأركيولوجية التي عرفتها عقود القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، فقد أعطت –أي الدراسة- لنفسها هامشا للإشارة للتوظيفات الإبداعية المرتبطة بهذا المجال، عبر الإشارة إلى بعض الأعلام الذين نهلوا من خصوبة العطاء التاريخي لموقع زيليس ووظفوه في أعمالهم الإبداعية، مثلما هو الحال مع الرائدين أخريف والمليحي.

وبخصوص المضامين المركزية في الدراسة، فقد سعت إلى إعادة تركيب حصيلة المنجز العلمي الخاص بالموضوع، سواء بالنسبة للأعمال التي انشغلت بالبحث في النصوص القديمة اللاتينية والإغريقية والمصرية، أم بالنسبة للدراسات الأركيولوجية الحديثة والراهنة، وخاصة منها البعثات الفرنسية والإسبانية التي اشتغلت على موقع زيليس، أم بالنسبة للدراسات التركيبية التي أنجزها رواد البحث المغربي الراهن المتخصصين في التاريخ القديم، مثلما هو الحال مع أعمال أكراز، والعيوض، والخطيب بوجيبار، وكذلك من الأجانب مثل لونوار، وكيرمورفون، وغوزالبيس بوستو،…

وعلى ضوء هذه الغزارة البيبليوغرافية الاستثنائية، والدراسات القطاعية الأركيولوجية الفاحصة، أمكن إعادة قراءة النصوص القديمة اللاتينية والإغريقية والعربية الإسلامية، وتقديم تصور نسقي لمجمل مراحل تطور مركز زيليس على امتداد حقبه الثلاث المسترسلة. يتعلق الأمر بالحقبة الأولى المعروفة بالحقبة المورية الرومانية حيث كانت المدينة تعرف باسم يوليا كوستانسيا زليل (Julia (Constantia Zilil، ثم بالحقبة الثانية المرتبطة بالفترة المتأخرة الممتدة على طول القرنين الخامس والسابع الميلاديين، وأخيرا الحقبة الثالثة المعروفة بالحقبة الإسلامية الممتدة بين القرنين السابع والعاشر الميلاديين، حيث وقع ذكر مركز زلول وكذلك مدينة أصيلا في مجمل المصادر العربية الإسلامية التي تناولت جغرافية شمال المغرب ومراكزه الحضرية الكبرى.

لقد استطاعت دراسة سناء حساب إعادة تتبع جزئيات الامتداد المجالي لمركز زيليس، بالكشف عن مجمل النصوص القديمة وتنقيحها على ضوء نتائج الأبحاث الأركيولوجية الميدانية المنجزة بهذا الخصوص. كما سعت إلى توظيف عين نقدية ثاقبة في قراءة مجمل النتائج، سواء تعلق الأمر بالنصوص الكلاسيكية القديمة أم بالدراسات القطاعية الحديثة، أم بأرصدة البحث الكولونيالي لعقود مطلع القرن 20. وبذلك، أمكن إعادة تركيب مكونات خريطة موقع زيليس، وتتبع مختلف مظاهر تحولاته المجالية، بشكل يتجاوز القراءات المستنسخة التي دأبت الإسطوغرافيات التقليدية على التسليم بمضامينها وعلى تحويلها إلى أصنام وثوابت لا يرقى إليها الشك، مثلما هو الحال مع كتابات سترابون، وابن حوقل، والإدريسي، والمقدسي، والحسن الوزان،…

وبهذه الصفة النقدية الصارمة، استطاعت دراسة سناء حساب استثمار جهد أكاديمي محترم راكمه باحثون متخصصون من داخل المغرب ومن خارجه، من أجل تقديم عمل يحظى بقوته العلمية في مجال دراسات حواضر ماضي شمال المغرب القديم. وبالنسبة لمجال مدينة أصيلا الحالية، فالمؤكد أن قوة العمل موضوع هذا التقديم، ستقدم مفاتيح لاقتحام مجالات ومراكز متعددة تحفل بها أحواز مدينة أصيلا، ممن لازالت تحمل آثارا دالة على بقايا التراث الإنساني القديم، مثلما هو الحال مع مراكز “الأقواس” و”مزورة” و”كهف الحمام”، أضف إلى ذلك، توجيه الاهتمام نحو غنى المنطقة بمواقع إسلامية كثيرة، لا شك وأن البحث في مكنوناتها سيقدم خير زاد لتأطير عمل المتخصصين في ما أصبح يعرف اليوم بالأركيولوجية الإسلامية.

هي ذي مدينة أصيلا، وهي ذي حاضرة زيليس أو زلول أو زليل الواقعة قرب قرية احد الغربية حاليا، مركزا للتأثير الحضاري القديم في المنطقة، ومحور تميزها الاقتصادي المتوارث، وأساس تركيبتها البشرية التي ميزت المنطقة، بعد أن أفرزت تراكما هائلا من القيم الحضارية التي لازالت ترخي بظلالها الوارفة على مجمل الخصوصيات العمرانية والثقافية والرمزية المميزة لهوية مدينة أصيلا ومحيطها الإقليمي الواسع والممتد في عمق الشمال المغربي.

أسامة الزكاري

عن admin

شاهد أيضاً

“شربيل حليمة”.. متعة الافتتان بوجوه جبالة العميقة

     يتابع المبدع المسرحي الدكتور الطيب الوزاني نحت معالم مسار تجربته الثرية مع الكتابة …

العلامة المدرّس، الفقيه الواعظ سيدي محمد (الولي) بن عبد الصمد التجكاني التطواني

اسمه ونسبه وولادته: هو الفقيه العلاّمة، الخطيب الواعظ، المدرّس النّفّاعة، الشريف سيدي محمد بن عبد …

أديب تطوان ومجاور الحرم المكي الدكتور حسن الوراكلي 1941/2018 (مسيرة وعطاء)

كانت فكرة مجاورة الحرم المكي مما استأثر باهتمام الكثيرين من علماء المغرب الأقصى، حيث رأى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: