الثلاثاء , 20 أكتوبر 2020

تطوان تربح رهانها المسرحي ..

من ذاكرة الشمال المسرحية رضوان احدادو تطوان تربح رهانها المسرحي
جريدة الشمال – رضوان احدادو (ذاكرة الشمال المسرحية )
الإثنين 09 نوفمبر 2015 – 11:05:00

ليس سهلاً.. أبدًا ليس سهلًا، في ظرف زمني قياسي، يتم احتضان تظاهرة مسرحية كبيرة في قيمة وحجم مهرجان وطني للمسرح.

تحدثنا البيانات والوثائق أن المدينة ومحيطها ستستضيف اثني عشر عرضا مسرحيا تأهل إلى المسابقة الرسمية، وثمان عشرة فرقة مسرحية ستقدم عروضها خارج المسابقة، وحوالي 300 وافد من مؤطرين وفنانين، على امتداد أسبوع كامل (من 27 أكتوبر إلى 03 نونبر).

قطعا، كانت مغامرة..
وقطعا، كانت الإرادة، وكان أيضا التحدي..
كانت مغامرة تغيير الوجهة، والإبحار نحو المرافئ المجهولة..
وبالمقابل، كانت الإرادة الصلبة من غير التفات إلى الوراء، والتحدي من أجل كسب الرهان..
وطبيعي أن يختلف الناس أول الأمر، ويتوزعوا بين متشكك ويائس، شامت متربص وكذا متحمس متفائل..
هل المدينة مؤهلة، بنيات وتجهزات؟
هل المدينة قادرة، أدوات وفعاليات؟
ومن هنا يبدأ الرهان وينطلق.. والرهان ليس احتضان مهرجان، إنه شيء آخر، شيء أكبر.. المناخ، وحسن التدبير، كيفية الاحتضان..

وهكذا، كان على المدينة أن تكون في الوعد، أن تثبت جدارتها وهويتها الفنية، وأن تستعيد لحظات التوهج الذي كان..
وما المدينة؟ ليست المدينة أزقة وممرات، وما كانت يوما أبوابا وأقواسا، ولا حنايا وشرفات… ولا هي شيء من ذلك..
المدينة أيضا ليست حجارة، حديدا وخشبا..
المدينة عشق، حضارة، تاريخ وحمولة، فن وذوق.. هي الحياة في حيويتها، هي الإنسان بقيمه ومثله، بإنسانيته، بإنسانيته.

شكرا لـ”الإسماعلية”.. لقد آوت واحتضنت، بدفء دافئ وأريحية كبيرة وحميمية صادقة، كل الدورات الست عشرة لهذا المهرجان الذي ارتبطت به وتعلق بها..
والمسرح، يا سادة، كائن حيّ؛ مثلي ومثله وككل الآخرين، كائن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يحدث الناس ويتحدث للناس وعن الناس، لا يداري أحدا ولا يماري، ضد الزلفى والقرابين، ثابت الخطو، مرفوع الرأس، شام
خ الهامة، تهابه النفوس، تخضع له الرؤوس، يمارس شغبه الجارح البناء من غير مهادنة..
والمهرجان المسرحي، أي مهرجان مسرحي، لا يختزل في العروض واليافطات، في الجوائز والتنويهات… إنما هو اللقاء، هو الحب.. الأجواء التي ينخرط فيها، يعيشها، يتنفسها، الاحتفالية الباذخة التي تواكب أيامه وما بعد أيامه..

حفل واحتفال بكل المقاييس، بكل الأبعاد، ولن يكون يوما مع الرتابة ولا التخندق أو الجمود..
ولذلك كله، من حقه أن يحلّق، أن يتسامق، أن يبحر إلى حيث يطيب له أن يرسو ويكون..
اليوم يعود المسرح إلى تطوان، يدخل بيوتاتها، يرسو على شواطئها: مرتيل، المضيق، الفنيدق.. في دورته السابعة عشرة، وهو هنا طائر حنّ إلى وكره، إلى منبته ومراتع طفولته..

وكم منزل في الأرض يألفه الفتى** وحنينه – أبدا- لأول منزل
إلى المدينة التي عرفت المسرح في زمن مبكر.. الزمن العجب الذي لم يلتفت إليه الدارسون والباحثون! من زمن هجرة الموريسكيين إليها، وزمن احتلالها العسكري الأول (1860) وزمن.. وأزمان…
والمسرح حينما يدق اليوم أبوابها، لا يحل عليها ضيفا ثقيلا، ولا صاحب ملامح غريبة.. إنه استرداد تاريخ، استرداد حق، استرداد عشق وحاجة كانت يوما من حاجات إنسانها..

وفي هذا شيء من الاعتراف ورد الاعتبار لنضالها المسرحي، وتاريخها المهمش، ولرجال منسيين تجاوزت يوما قاماتهم الصوامع، ولمواكب الأجيال المتلاحقة، رواد منسيون أعطوا بكل سخاء لهذا المسرح، وما فكروا أن يعطيهم هذا المسرح… ورجال ونساء عذبوا وعذبن، شردوا وشردن؛ منهم من عرف السجن والجلد والنفي، ومنهم من باع متاعه واسترخص حياته، ومنهم ومنهم….
نعم، مرة أخرى، لم يفكروا في أن يعطيهم المسرح… جيل القضية.. رحلوا وهم راضون برسالتهم، وإن كانت في أنفسهم أشياء من المسرح..
“أكون أو لا أكون”..
هكذا صرخ البطل في إحدى مسرحيات شكسبير..
أكون أو لا أكون..

هكذا قالت المدينة التي كانت على موعد مع الحدث.. المدينة العصية العنيدة تربح رهانها المسرحي، وتعلن عن أحقيتها وجدارتها؛ للنجاح الكبير الذي حققته الدورة..
فتحية إكبار وتقدير إلى الجميع، والعلامة الكبرى للجمهور الرائع..
رجاء، لا تسدلوا الستارة؛ فالمسرح ما زال حاضرا.. حاضرا متواصلا..
المسرح باق.. يرحل الإنسان ويبقى المسرح.. يرحل عنا الإنسان ويبقى فينا وبيننا هذا المسرح أغنية ونشيدا وأملا متدفقا.. متدفقا..
رجاء، لا تنزلوا الستارة….

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الشاعر والناقد عبدالجواد الخنيفي

اللّغة الشعريّة تنطوي على تشعّب المواقف والعواطف .. اللّغة الشعريّة لها القدرة على النّفاذ إلى …

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

%d مدونون معجبون بهذه: