” حجر النحل في معلمة المغرب “

كتابات في تاريخ منطقة الشمال : ” حجر النحل في معلمة المغرب “.

جريدة الشمال – أسامة الزكاري
الجمعة 27  ماي 2016 – 15:21:45   

لا يكاد الباحث يعرف أي شيء عن تفاصيل ماضي منطقة حجر النحل الواقعة بين مدينتي طنجة وأصيلا، ولا عن خصوصيات تطورها المجالي والجغرافي الراهن. ورغم أن هذا المركز كان دائما موجودا في عمق استراتيجي بمنطقة جبالة، أساسه استيطان بشري عريق تعود جذوره إلى قرون طويلة سابقة عن الفتح الإسلامي لبلاد الغرب الإسلامي، فإن ذكر منطقة حجر النحل يكاد يكون منعدما من بين صفحات المصنفات التدوينية وكتابات الحوليات التاريخية التي اهتمت بعموم منطقة شمال المغرب. وحتى بالنسبة للكتابات الكولونيالية التي سعت إلى التوثيق لماضي المغرب من منطلقاتها الوظيفية المعروفة، فقد حافظت على نفس الميزة المذكورة. لذلك، كانت النتيجة أن أصبحت المنطقة مجهولة ليس – فقط – بالنسبة لعموم المهتمين، ولكن – كذلك – بالنسبة للباحثين المتخصصين. وكثيرا ما اصطدمنا بحقيقة مستفزة، عندما كنا نسأل بعض ممن انشغل بالبحث في ماضي منطقة الشمال عن حجر النحل، ليكون جوابه معبرا عن هذا الجهل الفظيع في معارفنا عن حجر النحل، وخاصة عندما نسمع كلاما من قبيل أن الأمر لا يتعلق إلا بقرية منسية ارتبط اسمها بمحطة ثانوية للخط السككي الرابط بين مدينتي أصيلا وطنجة.

وفي أحسن الأحوال، يضيف البعض، أن حجر النحل اشتهرت كمحطة عبورية جمركية خلال مرحلة خضوع المغرب للاستعمار، باعتبارها نقطة جغرافية فاصلة بين منطقة طنجة الخاضعة للإدارة الاستعمارية الدولية، والمنطقة الخليفية الخاضعة للإدارة الاستعمارية الإسبانية. وفي جميع الحالات، يظل شتات هذه المعطيات الشحيحة بعيدا عن  إشباع نهم الباحثين في إعادة رسم أجزاء الصورة التاريخية للمنطقة. فلا يمكن لمنطقة ساحلية على المحيط الأطلنتي، تنتمي لمجال جغرافي غني بمراكزه الحضرية العريقة خلال العهود السحيقة للتاريخ، مثل مراكز تنجي، زليل، الأقواس، ليكسوس،… أن لا يتأثر بالحيوية التاريخية المرتبطة بالإسهامات العريقة لمثل المراكز القديمة المذكورة خلال مرحلة الامتداد الفنيقي ثم الروماني الواسع. ولا يمكن لمنطقة كان لها دور مركزي في توجيه وقائع الفتح الإسلامي لبلاد الغرب الإسلامي باعتبارها جسر عبور نحو بلاد الأندلس، أن تظل بعيدة عن تيارات التغيير التي عرفتها تحولات منطقة الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط عقب دخولها في حضن الدولة الإسلامية الفتية.

وعندما ضرب الغزو الإيبيري بلادنا منذ مطلع القرن 15 م باحتلال مدينة سبتة سنة 1415م ، وما تلاها من سقوط سلسلة من الثغور المغربية في يد الاحتلال الإسباني أو البرتغالي، مثلما وقع مع مدن القصر الصغير، أصيلا، طنجة، مليلية، … لاحظنا كيف تجندت ساكنة شمال المغرب، وعموم أجزاء البلاد، لإيقاف الخطر الداهم، فكانت مساهمة المراكز القروية حاسمة في تشديد الخناق على المراكز المحتلة، بعد انفجار مقاومة جهادية رائدة لم تتوقف إلا بعد تحرير جل الثغور المحتلة. وعندما وقعت معركة وادي المخازن الشهيرة سنة 1578 م، تجندت جميع مراكز المغرب وقراه لحصر الطموح الجامح لدولة البرتغال في الغزو والاحتلال، فلا يمكن تصور عزوف ساكنة منطقة حجر النحل عن المساهمة، إلى جانب ساكنة الشمال، في تعزيز الانتماء الوطني وفي صيانة وحدة البلاد واستقلالها. وهي نفس المساهمة التي لا بد وأن تكون قد ارتبطت بجهود سكان القرى والبوادي المغربية خلال النصف الثاني من القرن 19 م والعقود الأولى للقرن 20، من أجل مقاومة تغلغل فيالق الغزو الإسباني بشمال المغرب في الظروف التاريخية المعروفة.  

وفي كل هذه المحطات والوقائع، ظل اسم منطقة حجر النحل متواريا، إلا في نطاق ضيق جدا. أما مادة حجر النحل الواردة في الجزء العاشر من ” معلمة المغرب ” الصادر سنة 1998، بالصفحة رقم 3329 بتوقيع الباحث أحمد بنجلون، فلم تحتو إلا على معطيات جغرافية قليلة جدا لا تساهم – إطلاقا – في التعريف بالقيمة الحضارية والمجالية للمركز المذكور. تقول هذه المادة ما يلي : ” حجر النحل، بلدة في شمال أصيلا، على ساحل المحيط، تطل على واد الشرف وتشرف عليها سلسلة من الجبال الصغيرة، تحيط بها غابة من الفلين الأخضر. اشتهرت قديما بكثرة النحل الذي ينتج عسلا مرا تتغذى به الماعز بالخصوص، ولم يبق اليوم أثر للنحل في هذه المنطقة التي قلت مياه مجاريها رغم وفرة الأمطار التي تتساقط فيها خلال الشتاء، وأهم نهر بهذه الجهة هو واد الهرهار، والموقع معدود من منطقة جبالة “.

هكذا يتضح أن مجال الدراسة لا يزال بكرا، ينتظر جهود الباحثين لتركيز التنقيبات المجهرية الكفيلة، أولا بتوفير المواد الضرورية للدراسة على مستوى تجميع الرصيد الوثائقي والبيبليوعرافي للمنطقة، وتنظيم – ثانيا – جهود الدراسة الأركيولوجية المتخصصة، وترتيب – ثالثا – مضامين الروايات الشفوية التي لازالت متداولة بين سكان المنطقة، ثم – رابعا – استغلال نتائج كل هذا الرصيد في أعمال قطاعية أو مونوغرافية متخصصة يمكن أن تعيد تركيب الوقائع وتقييم مساراتها التاريخية المميزة. ولا شك أن مؤشرات وجود مادة مصدرية موزعة هنا وهناك، داخل المغرب وخارجه، تظل خير ما يمكن أن يحفز الباحثين على الانكباب لسبر أغوار ماضي منطقة حجر النحل، كجزء من مسار تطوري عام لا شك وأنه أفرز تداعيات مختلفة على التطورات العامة التي ميزت الأبعاد الجهوية لعموم منطقة الشمال، في امتداداتها الإقليمية والوطنية الواسعة. وفي انتظار ذلك، لا يمكن مقاومة جهلنا بتفاصيل مركز حجر النحل إلا بالاستمرار في تجميع ما يمكن تجميعه لتبديد طبقات الضباب الكثيف التي تجثم على مجموع معارفنا بهذا الخصوص.

عن admin

شاهد أيضاً

يَحْيا النْسا !يَحْيا النْسا ! (إضاءة لكتاب “التبراع. نساء على أجنحة الشعر” للباحثة العالية ماء العينين)

اعتبر الشاعر الفرنسي لوي أراغون أن “المرأة هي مستقبل الرجل”، في حين اشتهر أحد الوجهاء …

من أعلام طنجة : الأستاذة الدكتورة هدى المجاطي

ولدت الأستاذة هدى المجاطي بمدينة طنجة يوم فاتح يوليوز 1976م، ونشأت وترعرعت في مدينة شفشاون …

عبد الكبير الخطيبي .. ذاك الذي يأتي من المستقبل

مازالت الكتب الفردية والجماعية تصدر عن المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي، رغم مغادرته هذه الحياة …

%d مدونون معجبون بهذه: