حقيقة الشعر.. وزيف الشعراء

لماذا نكتب الشعر أو نتوهم أننا نكتبه؟

هل كل ما يكتب من شعر، حتى ولو توفرت فيه الشروط الفنية، جدير بأن ينسب إلى الفن الشعري؟ ثم من هو الشاعر الحقيقي؟

إذا استطعنا أن نجيب عن هذه الأسئلة، فسنحل إشكالات كثيرة ما فتئت الساحة الأدبية تَضجُّ بها، ومن بين هذه الإشكالات الأكثر خطورة، هي استسهال كتابة الشعر في العصر الراهن.. ذلك أن انتشار التعليم وتعدد قنوات انتشاره، جعل الثقافة أمرا ميسرا، ومن ثم أطمع كل متعلم في إمكان أن يكتب أدبا، ولن يكون هذا الأدب سوى الشعر المجنيّ عليه.. خصوصا وأنه لم يعد ذلك الشكل العصي الأبي الذي كان محروسا بدقة الوزن ومسيجا بالجزالة ومحكوما بالبلاغة، بل أصبح تعبيرا مفتوحا ولغة ممكنة منذ انتهت الحداثة إلى هشاشة النظام اللغوي وإمكانية بناء أنظمة لانهائية مواكبة للانهائية الشعر…

فرق واضح بين شاعر يكتب القصيدة فتشم فيها روائح دمه المحروق تتصاعد من ثناياها، وشاعر يترك للصدفة أن تجمع الكلمات، وبالصدفة أيضا ينجح في لملمة نص يخدع القراء والنقاد على السواء، بل قد يكون غنيا بالصور، والانزياحات، والعوالم الغرائبية، ويتفوق على النص الأول بمظاهره الخادعة.

إن الإمعان في تخيل العوالم الغرائبية ليس طريقا وحيدا دائما لكتابة النص الشعري، بالرغم من حاجة النص الشعري الحقيقي دائمة إلى هذه الغرائبية.

ثمة إشكال آخر يزيد من تعقيد المسألة هو هذه الغزارة في الإنتاج، حتى لتجد من الشعراء من يستطيع نشر قصيدة كل أسبوعين، وديوان كل سنة! شيء عجيب أن يقوى هذا النوع من الشعراء على أن يُسهلوا بهذه الغزارة، دون أن يصابوا بعطب جسدي أو روحي.. والسبب واضح: لأنهم يكتبون في حياد تام عن أبعاد ما يكتبون، ويضعون مسافة بين راحتهم وبين شراسة الصور التي يتعمَّدون..

إن تكسير الوزن وقلب معايير البلاغة بالشكل الذي بشر به الحداثيون، لم يكن موجها لعموم المواطنين المتعلمين والمثقفين لتيسير كتابة الشعر عليهم، بل كان موجها للشعراء الحقيقيين، الذين يؤمنون بأن الشعر جوهر قبل أن يكون لغة، وبأن ما يقوى الشاعر الحقيقي على كتابته إن هو إلا توثيق فاشل لما يعبر روحه وجسده من عوالم رهيبة ومضيئة بالدلالات الكونية.. فلو استطاع الشعراء أن يخرجوا ما يعبرهم من رؤى شعرية بشكل دقيق لصعق القارئ ولأصابته لوثة.. ذلك أن الشاعر فُرْنُ مَعانٍ، لكن اللغة تميل إلى الرأفة بالقارئ، فتعمل على تبريد كثير من عوالم النص شديدة الحرارة.

الشاعر الحقيقي يتميز بخصائص أساسية، منها:

  • صدق التجربة الفنية، أي أنه يشعرك بحرارة المعيش وغير المعيش مما يكتب، بمعنى آخر أنه يستطيع أن يقنعك – بحرارة تعبيره – بأنه يعيش ما يتخيل، وبالمقابل يتمكن هذا الشاعر من أن يحول معيشه الواقعي إلى متخيل ممتد في اللانهائي.
  • حسن تدبير المرجعيات الثقافية داخل النص الشعري، فلا استعراض للمعرفة ولا ادعاء، وإنما هي مرجعية تتخلق داخل النص وتنصهر فيه، لتكسب من ذلك وجودا آخر وامتدادا في المطلق؛ ولن يتأتى ذلك إلا باندماج هذين الشيئين الأساسي (صدق التجربة وحسن تدبر المرجعيات).
  • أن يكون النص الشعري في توجهه الفني والدلالي امتدادا للمشروع الجمالي والثقافي العام الذي يتبناه الشاعر، فلا مجانية ولا اعتباطية في التسويد والنشر.
  • تحقق الحد الأدنى من المشترك الجمالي والتشفيري، أملا في ضمان متعة التلقي.. فلا خير في نص واضح كله، ولا خير في آخر غامض كله. ثم إن الوضوح والغموض أمران نسبيان في النص الشعري، لكن النص الحقيقي يوصف عادة أو يوجد في الغالب على هذه الصفة من العطاء والتمنع.
  • الإيمان العميق بجدوى الشعر في تبرير الوجود وتغييره أيضا، والتغيير هنا ينبغي أن ينظر إليه بمنظورين: يتمثل الأول في تغيير ذاتي يعتمل داخل روح الشاعر وجسده اعتمالا إيجابيا، فيخلق منه رائيا لكل الأزمنة ومنصتا لكل الأصوات القديمة والآتية.. ويتمثل الثاني في تغيير خارجي متحقق من استجابة المتلقي التلقائية لدواعي الجمال الذي يغمر النص ويفيض عنه حتى يتصل بالعالم.

ليست هذه النقاط الخمس بنودا لقصيدة معاصرة، وإنما هي انطباعات قارئ يحب الشعر، تكونت لديه من خلال تفحصه لقصائد شعرائنا الكبار في العصر القديم والعصر الحديث.. وهي انطباعات لا تدعي توصيف البنية الفنية التي ينبغي أن يكون عليها النص الشعري، لأن هذا الشأن متروك لقدرة القصيدة على التحول المطلق وفق الإيقاع الحضاري والأنطولوجي الذي يحيط بها وبصاحبها؛ ولأن الشاعر الحقيقي لا يحتاج إلى وصفة جاهزة لبدء تنفيذ مشروعه في الكتابة الشعرية..

 

عبدالسلام المساوي

عن Romaisae

شاهد أيضاً

الدكتور المختار الشاوي في إصداره الروائي الجديد “هذا ليس مرآة”

Tout d’abord, je voudrai dire que Ceci n’est pas un miroir est un roman qui …

عشق زمن الرصاص

الباحث الناقد أحمد امغارة يقرأ العمل السردي للدكتور عبد الواحد الطريس El amor posee sus …

تباين في حصيلة “السارس-كوف-2”

– بعد عام و نيّف ، ما الذي نعرفه حتى الآن عن “كوفيذ-19” ، و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: