رحلة ابن بطوطة بين الرواية والكاتب

رحلة ابن بطوطة بين الرواية والكاتب

جريدة الشمال – عبد القادر الغزاوي
 الجمعة 13 ينايـر 2017 – 13:47:45

تُعتبر رحلة ابن بطوطة الموسومة ب : ” تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار“، والتي تعرف على الاختصار بإسم ” رحلة ابن بطوطة “، من أشهر الرحلات المغربية والعربية، ويعد صاحبها من أعلامها الكبار. وقد حظيت  هذه الرحلة بذيوع الصيت، ونالت مكانة كبيرة على الصعيد العربي وعند الأمم الأجنبية . حيث ترجمت إلى عدة لغات أجنبية، وكانت موضوع مجموعة من الدراسات والأبحاث والتحقيقات.  وتعتبر هذه الرحلة من أشهر الرحلات وأطولها ، والتي دامت ما يقرب من ثلاثين سنة ، يقول عنها عبد الهادي التازي : ( … ويكفي أن له أربع رحلات إلى مكة ، وسبع حجات ، وانه صام فيها ثلاث رمضانات ، وهذا ما لم يتيسر لغيره ، وهو ما ضرب به ابن بطوطة االرقم القياسي ). (1)      

والرحلة العربية الإسلامية تتنوع وتختلف عبر العصور، من حيث الموضوع والهدف منها ، فدون لنا الرحالة العرب مجموعة من الرحلات ، ويقول محمد الفاسي : ( ويمكننا أن نقسم الكلام على الرحلات بالاستناد إلى اعتبارات مختلفة، كأن نرتبها على العصور التاريخية مسلسلين الحديث عنها من أول رحلة إلى عصرنا هذا، ويمكن أيضا أن نرتبها حسب النواحي التي قصدها الرحالة وكتبوا عنها، كما يمكن أن نقسمها إلى قسمين كبيرين : الرحلات التي سافر أصحابها برا، والرحلات التي سافر أصحابها بحرا، إلى غير ذلك من الاعتبارات، ولكن الطريقة التي اتبعتها في دراسة الرحلات في الأدب العربي عموما، هي التي ينبغي أن تتبع في الكلام على خصوص الرحلات المغربية، وهذه الطريقة ترجع إلى أسباب الرحلة، وذلك أنني قسمت أنواع الرحلات إلى عشرة أقسام، منها عند المغاربة أنواع :
 1) الرحلات الحجازية وهي الكثيرة لأنه يدخل فيها الرحلات الدراسية وبعض رحلات السياحة خارج المغرب ورحلات الزيارات وغير الزيارات وغير ذلك.
 2)  الرحلات السفارية.
 3)  الرحلات الرسمية.
 4)  الرحلات السياحية.
 5)  الرحلات العامة : أي التي تأخذ من كل هذه الأنواع كرحلة ابن بطوطة مثلا ) . (2)  وبالرجوع إلى كتب الرحلات العر بية والإسلامية  نجد من أشهرالرحالة : الشريف الإدريسي    ( ت 560 هــ / 1165 م). وابن حبير ( ت 614 هـ / 1217 م). والعبدري الحاحي ( ت 689 هـ / 1290 م).  وابن رشد ( ت 721 هـ / 1321 م). والمقري صاحب نفح الطيب ( ت 759 هـ / 1358 م). وابن بطوطة (ت 779 هـ / 21377 م). والأميرة خناثة بنت بكار زوجة السلطان العلوي مولاي إسماعيل وأم السلطان مولاي عبد الله ( ت 1155 هـ / 1742 م). وابن خلدون (ت 808 هـ / 1406 م). هؤلاء الذين جمعوا ما سجلوه أثناء رحلاتهم وتركوا لنا نوعا أدبيا راقيا ومفيدا لما يتضمنه من معارف ومعلومات ثقافية عامة .  

وابن بطوطة قد سجل خلال رحلته التي دامت ثلاثين عاما تقريبا ، ما شاهده وعاينه ، وما لاحظه وعاشه ، سواء فيما يتعلق بالتقاليد والعادات ، والبناء والعمران ، أو فيما يتعلق بطريقة العيش وحياة التجمعات البشرية . فقد جاء في كتاب رحلة ابن بطوطة : ( وقد دون رحلته هذه ، وتحدث فيها عن البلدان التي زارها ، والشعوب التي عرفها ، متحدثا عن مواقع البلدان ، والمسافات بينها ، وعن أحداث من تاريخها ، وعن العادات والتقاليد السائدة فيها ،  والعلاقات بينها ، كما وصف مظاهر العمران ، والوان الحضارة ، مما لا نعتبر معه مغالين ،  ولا مبالغين إذا قلنا : إنها تكاد أن تكون دائرة معارف مصغرة لهذا العصر الذي عاش فيه ابن بطوطة ) . (3).   

ورحلة ابن بطوطة لها ثلاثة أشخاص شاركوا في إخراجها، آمر وراوية وكاتب ، وهم السلطان المريني أبو عنان المريني ( 1329 – 1358 م) ، الذي أمر بتدوين الرحلة وكتابتها .  والسارد هو ابن بطوطة ( 1304 – 1377 م ) صاحب الرحلة الذي سرد أحداثها ووقائعها . والكاتب هو ابن جزي الكلبي ( 1321 – 1356 م )  كاتب السلطان الذي كتب الرحلة . فانتقلت الرحلة من الحديث والحكاية إلى التدوين والكتابة.

وقد أعجب السلطان بها وبما تضمنته من سرد جميل ووقائع وحكايات عن سياسة حكام البلدان  التي زارها ابن بطوطة ، وعادات وتقاليد الشعوب التي شاهدها ، فسأل ابن بطوطة  ( أن يدون أخبار رحلته ، فأملاها على كاتب السلطان محمد بن جزي الكلبي ، وإنما أملى تلك الأخبار إملاء ، لأنه فقد مذكراته في المحيط الهندي في أثناء غارة شنها القرصان على المركب الذي كان يقله ، وقد زاد ابن جزي كثيرا من أبيات الشعر في كتاب الرحلة ، كما تناول لغته بشيء من التهذيب…)  (4) .

ويقول في نفس السياق كذلك نيقولا زيادة : ( وفي بلاط السلطان  أبي عنان المريني تحدث ابن بطوطة عن أسفاره ،  قص أخباره علي السلطان نفسه وعلى خواصه وعلى العلماء . فأعجب السلطان بها ، ولذلك صدرت إرادته إلى الرحالة بأن (( يملي ما شاهده في رحلته من الأمصار ، وما علق بحفظه من نوادر الأخبار ، ويذكر من لقيه من ملوك الأقطار وعلمائها الأخيار وأوليائها الأبرار ))، ووضع السلطان كاتبه ابن جزي تحت تصرف الرحالة . فكانت لنا من ذلك هذه المتعة الأدبية التي ننعم بقراءتها ، فنطلع على كنوز من المعرفة ، فنذكر بالخير الرحالة والسلطان وابن جزي ) . (5) .

فالفضل في إحداث وكتابة تلك الرحلة  يرجع إلى أولائك الأشخاص الثلاثة ، إلا أن كاتبها ظل غير معروف لدى كثير من الناس ، الشيء الذي جعل إسمه غائبا عن بعض الكتب والدراسات والتحقيقات التي تناولت الرحلة .  جاء في  كتاب من أعلام الفكر والأدب في العصر المريني :  ( لا يليق بالذين يكتبون عن رحلة ابن بطوطة أن يهملوا الحديث عن كاتبها أبي عبد الله بن جزي الأندلسي ، لأن إهمال الحديث عنه يكون مضيعة لعمل جليل قام به ، ومحوا لتعاون أدبي صادق كان موجودا بين المغرب والأندلس في عهد المرينيين.  فابن جزي هذا هو الذي طبع رحلة ابن بطوطة بطابع الأدب في كثير من فصولها ، وجعلها بعيدة عن الإسفاف في التعبير ، والضعف في التصوير، لأنه كان يمتاز بسعة ثقافته وحسن ترصيفه للمعاني بألفاظ بديعة وجمل رفيعة لا تعقيدة فيها ولا غموض ، وهو الذي بفضله أصبحت هاته الرحلة نموذجا أدبيا خالدا يصور عصرا من عصور الازدهار المغربي في العلم والأدب ، لأنه استغل في تأليفها كل طاقاته الأدبية حتى اكتسبت بفضله الخلود وذلك أمر طبيعي ، فالأدباء هم أقوى على تخليد المرئيات والصور من غيرهم ، وهم أقدر على التعبير عن المعاني بأساليب جذابة تستهوي القارئين وتستميلهم إلى الاستزادة من الاستطلاع .

وحيث أن رحلة ابن بطوطة كانت تسجل مشاهدات مختلفة ، ومرئيات متعددة ، وتتحدث عن آثار ملوك ودول وتصف مسالك وممالك ، وتعبر عن الحياة العامة .  فإنه كان من الضروري أن يستعان في التعبير عن هاته الرحلة بأديب له القدرة على التصوير يجعل من الحوادث صورا ناطقة تشوق القارئ إلى مشاهدة تلك الأماكن نفسها.  وإنما كانت هاته الاستعانة ضرورية ، لأن ابن بطوطة لم يكن أديبا وإنما كان رجلا فقيها ، وهو بنفسه يعترف  بذلك ، فقد خيره يوما ملك الهند بين الوزارة والكتابة والقضاء والمشيخة ، فقال : (( أما الوزارة والكتابة فليست شغلي ، وأما القضاء والمشيخة فشغلي وشغل آبائي )) . وإنما فضل القضاء على الوزارة والكتابة لأنه يعرف مقدرته في الفقه الإسلامي ويعلم أن هاتين الوظيفتين تحتاجان إلى متانة في الأسلوب وعلم الأدب ). (6) .

والسلطان أبو عنان المريني : ( 729 ـ 759 هـ / 1329 ـ 1358م ). هو :  ( فارس بن علي بن عثمان بن يعقوب المريني ، أبو عنا المريني ، المتوكل على الله : من ملوك الدولة المرينية بالمغرب . ولد بفاس الجديدة ( المدينة البيضاء ) ونشا محبوبا في قومه ، لفضله وعلمه ، وولاه أبوه إمارة تلمسان ن ثم ثار على أبيه ، وبويع في حياته (  سنة 749 هـ )، ولما مات أبوه ( سنة 752 هـ ) استتب أمره ، فبدا بإخضاع بني عبد الواد ( وكانوا أمراء زناتة  بتلمسان ) فقاتلوه فظفر بهم ودخل تلمسان . وانتظم له أمر المغرب الأوسط . وعصاه أخ له يدعى أبا الفضل فأرسل إليه من قاتله في جبل السكسيوي وجبال المصامدة من بلاد السوس ، فاعتقل وحمل إليه فسجنه اياما ثم أمر بخنقه في محبسه ( سنة  754 هـ ) وقصد إفريقيا سنة ( 758 هـ ) فانتزع قسطنطينة وتونس من أيدي الحفصيين . وبدت له ريبة في إخلاص بعض قواده ، فعاد إلى فاس وقتلهم . ومرض أياما فدخل عليه وزيره الحسن بن عمر الفردودي فقتله خنقا ، لسبب يطول شرحه . وقد ذكره السلاوي في الاستقصا ، وقال فيه كان جهوري الصوت ، في كلامه عجلة ، عظيم اللحية ، تملأ صدره ، فارسا شجاعا يقوم في الحرب مقام جنده ، فقيها يناظر العلماء ، كاتبا بليغا شاعرا ، له آثار من مدارس وزوايا .) (7) .

أما عن شخص ابن بطوطة فقد ولد في طنجة  17 رجب سنة 703 هـ / 24 يبراير 1304   ومات سنة 779 هـ / 1377م .  كان قاضيا وكاتبا ورحالة ، كثير الأسفار والتنقل ، وقد دامت رحلته ثلاثون سنة تقريبا ، تخللتها أربع حجات ، وسبعة عمرات لأداء فريضة الحج حتى انقضى أجله بمدينة طنجة ودفن بها ، وضريحه مشهور .

وابن جزي الكلبي  كاتب الرحلة أديب وشاعر ويمتهن كتابة الدواوين السلطانية النصرية بغرناطة ، والمرينية بالمغرب ، وهو كاتب السلطان أبي عنان المريني من أصل أندلسي ، حيث ولد بغرناطة ، وهاجر إلى المغرب وتوفي بفاس … وجاء في كتاب الأعلام  :  ( ابن جزي الكلبي ( 721 – 757 هـ / 1321 – 1356 م) محمد بن محمد بن أحمد، ابن جزي الكلبي أبو عبد الله ، شاعر من كتاب الدواوين السلطانية أندلسي ، من أهل غرناطة ، ولد فيها ، وفاق بشعره ونثره على حداثة سنه . واستكتبه أمير المسلمين أبو الحجاج يوسف بن الأحمر النصري ، ثم ضربه بالسياط من غير ذنب اقترفه ، ففارقه وانتقل إلى المغرب فأقام بفاس وحظي عند ملكها المتوكل على الله أبي عنان المريني ، وتوفي فيها . له كتاب  في ” تاريخ غرناطة ” وقف لسان الدين بن الخطيب على أجزاء منه. وهو الذي أملى عليه ابن بطوطة رحلته فكتبها سنة 756 هـ ، وكان أبوه من أعلام الأندلس أيضا ). (8) .

وجاء في كتاب مواقف حاسمة أن الرحلة كتبت من طرف الكاتب السلطاني ابن جزي بعد ما أملاها عليه صاحبه الرحالة ابن بطوطة ، ( وقد أملى ابن بطوطة رحلته ولم يكتبها . أملاها على ابن جزي وهو فقيه أندلسي تقرب مثل ابن بطوطة إلى بني مرين ، وكان إملاؤها بأمر من السلطان أبي عنان سنة 756 هـ في مدينة فاس … ويقول ابن جزي نفسه (( إنه نقل كلام الشيخ أبي عبد الله ( ابن بطوطة ) بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها  موضحة للمناحي التي اعتمدها . وربما أوردت لفظه على وضعه ). (9) .  

وهكذا دونت تلك الرحلة الشهيرة التي تعتبر تحفة الأدب العربي . ومن أشهر الرحلات المغربية والعربية . والتي جاءت نتيجة المبادرة الحميدة من السلطان أبو عنان المريني الذي كلف كاتبه الخاص ابن جزي كتابة تلك الرحلة بناء على رواية صاحبها ابن بطوطة .

 المراجع :
1 ـ كتاب رحلة الرحلات مكة في مائة رحلة مغربية ورحلة . عبد الهادي التازي . ص 138. الجزء 1. 2005.
2 ـ الرحالة المغاربة وآثارهم . محمد الفاسي .  مجلة دعوة الحق العدد 2 السنة  2. نونبر 1958 .  ص  8.
3 ـ كتاب رحلة ابن بطوطة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. قدم له وحققه محمد عبد المنعم العريان راجعه وأعد فهارسه مصطفى القصار.  ط 1 . السنة 1987م. ج 1 . ص 9.
4 ـ كتاب الأدب المغربي محمد بن تاويت ومحمد الصادق عفيفي . ص 381 . ط2. السنة 1969م .
5 ـ كتاب الجغرافية والرحلات عند العرب . نقولا زيادة . ص 189. 1962 .
6 ـ كتاب من أعلام الفكر والأدب في العصر المريني.  محمد بن عبد العزيز الدباغ . ص 194 و 195. الطبعة الأولى السنة 1992م.  ومجلة دعوة الحق العدد 10 السنة 5 يوليوز 1962 .
7 ـ كتاب الأعلام قاموس تراجم . خيرالدين الزركلي . الجزء الخامس . ص 323 و 324. الطبعة الثالثة.
8 ـ في كتاب الأعلام قاموس وتراجم . الجزء 7 ص 266.
9 ـ كتاب : مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام . تأليف محمد عبد الله عنان . ص 358 . الطبعة الرابعة . السنة 1962.
10 ـ كتاب المصادر العربية لتاريخ المغرب. محمد المنوني . ج 1 الرحلات .
11 ـ كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي. ابن بطوطة .  عبد الله كنون . ط2. السنة 1961.
12 ـ كتاب المغرب عبر التاريخ. إبراهيم حركات. ج2. السنة 2000م.
13 ـ كتاب تأملات في الأدب المعاصر. إبراهيم السولامي .
14 ـ كتاب الرحلة في الأدب المغربي النوع. النص. السياق. عبد الرحيم الموذن .
15 ـ  كتاب مشاهير الشعر والكتاب في المشرق والأندلس والمغرب. أبو الوليد إسماعيل بن يوسف ابن الأحمر. حققه وقدم له محمد رضوان الداية. الطبعة الأولى 1986.
16 ـ أبو القاسم الزياني كتاب الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا.
17 ـ  مجلة البينة . الرحلات السفرية المغربية. محمد الفاسي . العدد 7.  السنة 1962.
18 ـ مجلة المناهل عدد خاص القسم الأول ابن يطوطة ( المعرلفة والتاريخ. الأدب والسرد. الرحلة والنقد). العدد 59 . السنة 24 ماي 1999م.
19 ـ  كتاب ابن بطوطة ورحلاته . تحقيق ودراسة وتحليل. حسين مؤنس. السنة  1980.
20 ـ معلمة المغرب. ج 9. 21 ـ كتاب الإكسير في فكاك الأسير. محمد بن عثمان المكناسي . حققه وعلق عليه محمد الفاسي . السنة 1965.

عن admin

شاهد أيضاً

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

قراءة في  المجموعة الشعرية : “الشرفة 48” للشاعر الإعلامي شكري البكري

قراءة في  المجموعة الشعرية :الشرفة 48 للشاعر الإعلامي شكري البكري   كم من طريق   سَيَلْزَمنا …

%d مدونون معجبون بهذه: