رويبضة الكذاب

طلــع علينــا «رويبضةُ» زمــانــه ب «رزمة» من أوراق توافـــه، يدعو بها  «أهل طنجــة وعشاقهــا»  إلى «التحرك»  من أجل «التنديد» بأشغال «التجديد» وليس «الترميم والإصلاح» التي تشهدها المدينة العتيقة.

وما الرويبضة؟

سئل الرسول صلى الله عليه وسلمّ:  وما الرويبضة؟  قال: الرجل التافه ينطق في أمر العامة». وقيل : السفيه يخوض في الأمور الحاسمة والكبيرة، والذي لا يملك من  الأمر شيئا،  ولا يؤبه له.

وما المناسبة؟

رجلٌ يظنّ أنه يفهمُ فوق الفهم،  ويتحدث بما لا يعلم، ويخلط الأمور لأن في عقله خلطةٌ  وجلطة ٌ، وفي تصوراته التباسٌ وارتباكٌ، وغموضٌ، وفي دواخله طموحٌ إلى «بوز» دائم يجعل منه «نجما من نجوم المجتمع الراقي بطنجة»، وفي  نفسه  شكل من أشكال «عقد التفوق»  التي لا تدفع صاحبها إلا لهلاك محقق.

ذلك هو «الكاتب» «الباحث»  «المؤرخ» الرئيس الجمعوي «الغيور» على طنجة ، «المدافع» عن خصوصيــات هذه المدينة  «المتعددة الثقافات» واللغات، وعن «روحها» و«هويتها»  «وتنوعها الثقافي» و»قيمتها العالمية المتميزة» و «ألوان جدرانها»  وبلاط  طرقها وساحاتها، وخشب أبوابها،  ويعلن لمن  يظن، عبثا، أنه لا زال يقبل أن يسمعه، أنه «أصيب بصدمة رهيبة» بسبب «التغييرات» التي  تلحق حاليا المدينة العتيقة،  والتي  شابت أبواب الدور والدكاكين، وألوان بعض العمارات،  في الوقت الذي كانت المدينة «تهدينا نمطا خاصا لأبواب دور ودكاكين «طنجاوية أصيلة». أما تجديد الواجهات فإنه يعني، بنظره السخيف، «تجريد الجدران» بالكامل حتى يظهر الحجَر !….

كلام إنشائي مبتذل، الغرضُ منه «البوز» والتظاهر بالمعرفة والغيرة على طنجة ومحاولة إبراز قدراته على خلق وتوجيــه «تيارات» رافضـة  لكل إصلاح وتجديد، تشكل، لاشك، هاجسا من هواجسه، وبعضا من تصوراته وطموحاته وأحلامه الواهية  !…

وحتـى قبـل أن يحقـــق أحلامــه الرخيصـة،  تلك، ولن يحققهـا أبــدا، لأن مـن يعـرفـه لا يثـق بــه ولا يأمن جانبه ولا سلامة نيتـه وطويتـه،….. وجــــه نــــداء إلـى «الطنجــاوييـــن والطنجـاويــــات  وإلى كـــل عشـــاق طنــجــة،  يدعوهـــم إلى مواجهــــة «الاعتــداء» على طنجـة ويطالبــهـم بالعمل جميعـــا على «الحفـــاظ على تنوع هوية مدينتنا وهويتنا»….

مــــا هـــذا الـهـــراء والغــبــــاء والتـفاهـة  التـي طـلــع بها  «بيـان»  البــاحــث التـــافـــه، على مجموعة أوراق تعافهـــا  المزابـــل، بكل تأكيد، ينتقد فيها  بلا أدب ولا توقير ولا احترام، سير الأشغال في برنامج ملكي  يهــدف إلى ترميـــم وصيانة المدن العتيقة، التي تعتبـر عنوانا  للهويـة المغربيــة،  وللذكاء المغربي، وللنبوغ المغربي، ولقدرة المغاربة، عبر مئات السنين، على إبداع نمط للحياة في مدن مكتملة الأركان، شيقة البنيان، تشكل إطارا متميزا للحياة الجماعية، بكل مكوناتها وأغراضها وضرورياتها.

الباحث التافه «الرويبضة» يعلمُ أن مدينة طنجة من أقدم مدن المغرب، لعلها أقدمها إطلاقا، وبالتالي فإنها لم تنج من أثار الزمن وعوامله البشرية والطبيعية ما تسبب في إلحاق العديد من الأضرار بمنشآتها وبنياتها  ومآثرها أيضا. وحتى يعود لها بعضٌ من بهائها ورونقها وجمالها ووهجها، أمر جلالة الملك  بتجديد «شباب» هذه المدينة، عبر مخططات شاملة متكاملة، وهو ما يُسار إليه حاليا، حيث إن أوراش الترميم والإصلاح تغطي فضاء المدينة العتيقة بالكامل، وفق مخطط يهدف إلى المحافظة على المآثر التاريخية وكل ما يشكل  عناصر الهوية  التاريخية لطنجة.

ولعل الرجل لم يستوعب، بعدُ، أهمية وأبعاد الأوراش المفتوحة بالمدينة العتيقة، ليطلع بأوراقه التي قد لا يقبل مواطنٌ صادقٌ  استعمالها ولو  كقماشة صحون، في محاولة لدغدغة عواطف من وصلهم خبرها من العامة، بمجموعة من «الكلمات» والتعابير المستهلكة، والتي لا يحفظ غيرها، من قبيل «طنجة مجردة من روحها» و «خصوصياتها»، طنجة متعددة الثقافات، ومتسامحة». إلى أخره مما يبعث على الغثيان، والحال أن أشغال الترميم الحالية تستجيب لخصوصيات هذه المدينة التاريخية وتعزز وضعها المتميز كمدينة متعددة الثقافات ومنابع الحضارات ، وتعمل على استدامة تلك الخصوصيات التي تشكل الطابع المميز لهذه المدينة الفريدة  في نمطها وعمرانها وملكاتها ما هيأها عبر تاريخها لآلاف السنين،  لتضطلع بأدوار هامة في تاريخ البشرية وتشكل بذلك رصيدا كبيرا وهاما من الملكات والمواهب، عبر اتصالها بحضارات وثقافات شعوب عديدة عايشتها وتفاعلت معها وتأثرت بها وأثرت فيها لتصبح «وطنا للإنسانية» !….

وحتى يقنعنا، إن كان لابدّ،  أن «ما في راسه شيء»، أضاف إلى «بيانه» الذي قد لا يجد، يوما،  من يقرأه،  أو يهتم به، أو يلتفت إليه،  24   ورقة تحدث فيها عن «طنجته»  وأسباب «استيائه»  ومحنته وحيرته، لينصرف إلى التغييرات التي طرأت، على بعض مباني المدينة الحديثة،  ومنها قصر «بيرديكاريس»، «وفيلا هاريس»، وبنايات البريد البريطاني والاسباني والجامع الكبير، ودار البارود، وعمارات «رينشهاوسن» وبعض الفنادق القديمة، والكنائس والبيع، ومسرح سيرفانتيس،  و «يزين» سلطته الروسية بصورالميناء المتوسط والقطار السريع والمحطة الطرقية الجديدة ، وجلها لا يدخل في نطاق برنامج ترميم وإصلاح وصيانة المدينة العتيقة!!!…..

والرجل لا يجهل أن المباني التي يتحسر عليها، وهي مبان قديمة،  أصابها ما يصيب كل المباني التي  تنتقل ملكيتها  عبر عشرات السنين، من مالك لآخر،  وتبقى مسؤولية الترخيص بالتغيير من مسؤوليات البلديات، ولا علاقة لها أصلا ببرنامج ترميم المدينة القديمة.

ومن هنا يظهر الخلطُ  الفظيع، الحاصل في دماغ «الأديب الباحث» الذي يتحدث، في أن واحد،  عن برنامج محدد في طبيعته ومكانه وزمانه، يخص المدينة القديمة، وعن ما أصاب العديد من بنايات المدينة الجديدة، منذ بداية القرن الماضي من تغيير في الشكل وفي غرض الاستعمال ، وهذا أمر طبيعي يسري على كل البنايات في المدن النشيطة، بفعل المعاملات العقارية والتجارية.

إلا أن  ثلاث فقرات  في «خاتمة الكتاب» تخون الكاتب، إذ تفضح أسباب هذا التحامل الغير مبرر، على برنامج صيـغ بحسن نية، وتمت انطلاقته بصدق وعزم وحمية ، تحت إشراف والي الجهة، من أجل ترميم وتصحيح وإصلاح ما تآكل من  مآثر وعمران بالمدينة العتيقة، في إطار الاحترام التام لهويــة المدينــة التاريخيـــة والثقافية وصيانـة  مآثرهــا التي تدل عليها وعلى ماضيهــا ونبوغ أهلهــا وحذقهم ومهارتهم.

وقبل الختام،  يضع هذا السؤال على نفسه بطبيعة الحال !

والآن ما العمل ؟

ويــرد أنـه، بصفتــه الشخصية، يشتغـل على موضوع كتاب يتعلــق ب «خصــوصـيــات طنجــة ومعالـم هويتهــا»  وهو يتمنى الحصول على «تمويل» لنشره.

أما على مستــوى الجمعية التي يرأسها ، وبسبب الجائحة، والصعوبات التي واجهوها (في الجمعيـــة)  خـلال السنـــوات الماضيــة، للحصول على التمويل اللازم لتنظيـــم  مناظـــرات ونــــدوات «ذات مصـــداقــــيــــة» بمشاركة خبـــراء  ومتخصصيـن  في مجال  ترميم المآثر التاريخية.

المشكـــل إذا مشكــل تمويــــل الكتاب الذي يشتغــل عليه الكاتب المحقق، وتمويــل أنشطة الجمعية التي تشتغل  منذ ثلاثين سنة، ليس «بيليكيا»، طبعــا،  في مجال التعريف ب «هوية» طنجة و«خصوصيات هويتها» وهي أمور لا يرقى إليها علم العامة، بل ينفرد بالإحاطة بها، هو، وبالتالي، فلا ترميم ولا إصلاح ولا تجديد في كل ما يتصل بطنجة لا يجب أن يتم إلا باستشارته والأخذ برأيه !……

ومن أجل «تغيير المنكر»،  سمح الأديب الباحث لنفسه بحرية توجيه نــداء إلى «كـــل الطنجاويين وكل عشاق طنجة»، من أجل العمل  للعمل على الحفاظ على  تنوع هوية «مدينتنا  وهويتنا» «أمام الاعتداء على «هذه القيمة العالمية المتميزة». متخيلا نفسه «دوغول ونداء لندن (1940) أو علال الفاسي و»نداء القاهرة (1953).  ولذا، يقول،  «فقد وجد نفسه مضطرا إلى البوح بما يشعر به ، سواء بصفته الشخصية،  أو كرئيس لجمعيته   التي تنشط على الورق أكثر من تحركها على أرض الواقع،  في «نداء» من أجل طنجة «التي هي بحاجة إلينا، نحن الذين  نحبها» والذين يتوجب علينا المساهمة في بناء طنجة القرن 21  حتى نترك لأبنائنا  مدينة لم تضيع هويتها وروحها».

أبهذه «الشعارات» الفارغة، السخيفة، ننجح في ترميم طنجة ومآثرها وصيانة هويتها وتحقيق إشعاعها وتألقها في فضاء المتوسط وعبر العالم؟ أو بالبيانات  والخطب التي تلامس العواطف ولا تنفذ إلى القلب والنهى  ولا  تسمو إلى الهمم التي تتحدى القمم…؟!

قد تكون «زلة» المشرفين على المخطط أنهم لم يستشيروا الأستاذ الباحث ليستفيدوا من خبرته الواسعة في عالم ترميم الآثار، وصيانة المعالم والذخائر التاريخية، ولابد أن أصحاب المشروع لا يميلون كثيرا إلى أنصار «القول وما اشتق منه» وإلى أهل  التظاهر والإداء والسفسطة. وعلى أيّ،  فإن القافلة تسير، والمخطط الذي يرفضه الأستاذ الأديب الباحث،  ينجز وفق ما هو  مرسوم له ومنتظر، ولا بأس من أن يواصل صاحب «النداء» ترديـد نــدائه على الفضاء، أملا في أن يصل يومـا  إلى أذن صاغيــة… وذاك من  سابع المستحيلات….. !!!

عن Romaisae

شاهد أيضاً

زيارة جلالة الملك محمد الخامس لمدينتي العرائش والقصر الكبير: السياق والدلالات والعبر

نظم المكتب المحلي للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بإقليم العرائش، وفضاء الذاكرة التاريخية …

قضايا الشمال في الصحافة الوطنية

جريدة “الأخبار” موظفو جماعة تطوان يطالبون برحيل إدعمار تحت شعار:”ارحل” عبر مجموعة من موظفي الجماعة …

ملتقى الشارقة للتكريم الثقافي يحتفي بالأستاذة الأديبة الباحثة المقتدرة حسناء محمد داود 1/2

احتضنت قاعة الاحتفالات بمدرسة الصنائع والفنون الوطنية في مدينة تطوان مساء يوم السبت 10 أبريل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: