“رياحين الحب” للشاعرة أسماء المصلوحي ..

“رياحين الحب” للشاعرة أسماء المصلوحي قراءة الدكتور الطيب الوزاني
جريدة الشمال – الطيب الوزاني ( الشاعرة أسماء المصلوحي )
الجمعة 05 فبراير 2016 – 17:31:07

جاء ديوان ” رياحين الحب ” ، في أضمومتين بهيتين متناغمتين : الأولى أسمتها الشاعرة “ومضات ” والأضمومة الثانية ” قصائد “.
بالطبع، تجمع بين الأضمومتين وحدة من حيث الموضوع على امتداد الديوان. فكما جاء في العنوان ، فهي رياحينُ حب وأزهارُ شوق عطرة فواحة ، صاغتها المبدعة في تعابيرَ متينةِ البنيان وارفة المعاني.

هذا الديوان تطبعه الأنــوثـــة بكل ما فيه : العنوان “رياحين الحب ” ؛ لون الغلاف ، وردي؛ المضامين معبر عنها بلسان أنثى. فالشاعرة لم تحاول قط التخفي وراء لسان ذكر على غرار ما يذهب إليه المبدعون أحيانا عندما يستعملون صيغة الآخر أو صيغة الغائب وكأنهم يتبرؤون من نصوصهم. هنا، نلمس صدق الشاعرة في الكشف بجلاء عن عميق أحاسيسها كأنثى معتزة بأنوثتها. هذه المكاشفة أو رفض التخفي ، تؤكدهما صورة الشاعرة أيضا الواردة على غلاف الديوان ، وكأنها تصرخ في همس : ” أنا أسماء ، أنا الأنثى ، أنا هنا ، فاسمعوا بَوْحي الهامس”.

تقنيات وخصوصيات الكتابة عند الشاعرة:
ومن طبيعة الأنثى عادة الميل إلى الرقة والعذوبة. صفتان تجلتا في لغة الديوان الذي وظف تعابير من قبيل السهل الممتنع ، في جمل معدودة ، مكثفة ومركزة البناء ، بليغة من حيث المعنى ، شاملة في مجملها لفيض من أحاسيس الحب والوجد والاشتياق.
فبقدر ما تبتعد أسماء عن الأسلوب الإنشائي المنمق ، بقدر ما هي ترقى بنصوصها إلى الشعرية المحببة الخالية من المفردات المجترة ، وذلك باختيارها بإحكام وذكاء وفنية عالية ألفاظَ نقيةً ، عادة هامسةً وصارخةً في آن ، مناسبةً للمعنى والمضمون ، موحيةً لفكرة عميقةٍ شاسعة التأويلات ، دون حشو أو افتعال. فتأتي الجمل مدويةً نافذةً ومؤثرة.

إنها خصوصيات الأدب الوامض سواء كان سردا أو شعرا . وهكذا نجدها في ومضاتها تتوه بنا في دروب التجنيس بين “الومضة الساردة ” و”الومضة الشعرية ” . ويبقى خط التماس بينهما ملتبس المعالم.

أما الصور الشعرية عند أسماء ، فهي صور بعيدة عن التكرار والابتذال ، فيها نصيب عال من الجمالية والتجديد ، تتأرجح بين الواقع والخيال وتتلاحق في انسيابية تلقائية. وهذا يجعل النص رشيقا ومقبولا ، يغري بالقراءة والتتبع ، ويحفز على استجداء الخيال ليمنح المتعة المرجوة وأنت تمتطي صهوة السفر بين الممكن والمتخيل.

وبالتدقيق في أضمومة ” قصائد ” ، نجد المبدعة ميالة إلى اختيار عناوين طويلة لقصائدها، فجاءت جلها مكونة من ثلاث كلمات فما فوق. وهذا سمح للشاعرة بأن تضفي على هذه العناوين مسحةً رومانسيةً من قبيل “هذيان امرأة في غسق الهوى” و”سمر العشق في روض هواك”… على عكس ذلك ، جاءت القصائد مكونة من جمل معدودة ، تميل إلى الإيجاز في تبليغ المعنى والتلميح الذكي عوض التصريح المبتذل ، والإيحاء الدال المشحون عاطفيا والهادر بالدلالات ، مما أكسب القصائد خفة في الإيقاع وطلاوة ممتعة..

خصوصيات أضمومة “ومضات”
هذه الومضات هي أقرب إلى خواطر شعرية ، تعرِض فيها الشاعرة جردا وافيا لتجليات مشاعر الحب الصافي العذري النقي ، مبتعدة عن كل ابتذال أو مجون.

فلنتأمل جميعا ، مدى العفة الواردة في الومضة الشعرية التالية كنموذج . تقول:

إن هددت بالرحيل عن محراب وجدي
سأواصل الصلاة على سجادة عشقك

الشاعرة هنا تخاف من هجر الحبيب ورحيله المحتمل ، فتأتي بجواب جميل هادئ وعميق ، تؤكد فيه بطريقة استباقية أنها في حالة ” رحيله ” ستبقى على وفائها له بنفس الشغف بل أكثر ، باعتبار أنها ستنتقل من حالة ” الوجد ” إلى حالة ” العشق”. والعشق لغويا أعلى مرتبة من الوجد؛ وباعتبار أيضا أن “السجادة” ترمز للرحابة والاتساع والفضاء الذي لا تحده حدود، عكس المحراب المحصور مكانيا..
أما عن المرجعيات والقيم التي تتضمنها الومضة فهي حاضرة في كلمات لها بعد قيمي ديني مثل : “محراب” و “صلاة” و “سجاد” بارتباط معنى الكلمة بالصلاة .. إضافة إلى سياق ودلالة التعبير ككل.

وفي ومضة شبيهة أخرى نجد الشاعرة تقول:

على سجادة العشق تكتمل ابتهالاتي
في محراب الشوق اتلو صلواتي

هاتين الومضتين تجعل القارئ يدرك أن الحب عند الشاعرة إحساس مقدس وليس نزوةً أو بحثا عن متعة أو لذة رخيصة. فهو لا تطيب طقوسه إلا على سجادة صلاة أو بمحراب تعبد. أليس هذا سموًا بمفهوم الحب من المبتذل والعادي إلى المقدس؟؟
هذا الرقي نلمسه أيضا في ومضات متعددة أخرى ، منها على سبيل المثال:

سأنهي إقامتك في موطن حبي
وأجعل منك عاشقا بلا هوية

يا لجمال هذا التعبير الذي يجعل من الحب قضية مقدسة بأهمية قضية الهوية والانتماء لوطن. وهنا وظَّفتها الشاعرة للحديث عن الحب وعن العشق ولدعوة العاشق للالتزام بجادة الصواب وإلا بقي بلا “هوية” وبلا حق الانتماء لقلبِها ، موطن حبها .
وعندما تنطق الأنثى الغيورة على لسان الشاعرة ، تقول:

أغار من الورد حين تذكره.. فكيف إذا
أستنشقتَ أريجه دون عبيري أنا ؟

الشاعرة ، كروح مبدعة، وهي غاية في الأدب واللباقة ، لا تتستر خلف الكلمات . هي تأكد عن ذاتيتها كأنثى . فتبوح بوضوح معلنة أولا عن غيرتها فتقول بصريح العبارة “أغار..” ثم عن كينونتها بقولها “دون عبيري أنا..” مشددة على إلحاق كلمة “عبير” إلى ذاتها ب”ياء النسب” فتقول “عبيري” وأيضا مؤكدة بلفظ “أنا”.
بصفة عامة، من هذه التعابير الملونة بالرزانة والشاعرية والتجديد ، الشيء الكثير. وكل ومضة تحمل في طياتها غرضا موضوعاتيا جديدا مختلفا عن سابقيه ، وصورة شعرية متفردة.

خصوصيات أضمومة “قصائد”
في ما يتعلق بأضمومة ” قصائد ” ، تعتمد الشاعرة نفس تقنيات الكتابة السابقة الذكر، بتعابير يُستشف منها مستوى عال من النضج الفكري والعاطفي. ، بأسلوب عادة حالم ، رومانسي .
كما أن قصائدها جاءت غنية بالصور الشعرية على قصرها وقصر جملها من حيث المبنى. فعلى سبيل المثال، قصيدة سأمتطي سفر الصهيل، ص 48. هذه القصيدة تحمل أكثر من صورة شعرية وهي أيضا مليئة بالحركة ، تذكرنا بالبيت الشعري الشهير لامرؤ القيس، “مكرٍ مفرٍ…”. تقول القصيدة: زمان الحب بعدك انتهى / والأشواق انتحرت / وبحر هواك / مد.. وجز / أمواجه.. تهدد بالرحيل / وسفره منتهى الصهيل.

يلاحظ أن من بين ست عشرة كلمة نجد عشر كلمات تدل على حركة قوية بل هادرة أحيانا، وهي: سأمتطي ، انتهى، انتحرت، بحر، مد، جزر، أمواج، تهدد، رحيل، سفر، صهيل .

نفس الملاحظة يمكن أن تنسحب على قصيدة ربيع .. وشتاء، ص 54 .
ومن خصائص الكتابة أيضا عند أسماء مداعبة القارئ باللعب بالكلمات من قبيل قصيدة ظنك ويقيني؛ ص 38 ، حيث جاءت الكلمات تتراقص على ثنائية الظن واليقين التي تطبع عادة كل علاقة عاطفية. ثم في قصيدة “شجرة هواي” ص 47 ، نجدها وقعت في تناص مع مقولة المغفور له الحسن الثاني حينما قال : المغرب بلد مثل شجرة جذورها في افريقيا وفروعها في أوربا ..، أما الشاعرة فتقول:العشق شجرة وحيدة / جذورها في الهوى / فروعها من اللهفة / وظلالها البقاء في وهج حبك.

وبروح مرحة خفيفة تُشْهِدنا الشاعرة على حبها في شقشقة حوارية عذبة أسمتها “حوار الشذى” ص50، مما جاء فيها : قال: رحيب هو العشق.. وطويل الأمد / قالت: في القلب منزلتك مدتها الأبد.

خاتمـة
أسماء تكتب بغريزة الأنثى الحالمة الرومانسية ذات الخيال الثري المنطلق نحو الأمداء البعيدة ، في رقصات تعبيرية شفافة ، ممتطية أحصنة الصهيل والبوح والهمس ، متجملة بألوان النور والضياء ، مضمخة بالعطر والأريج ، متلحفة بمشاعر الشوق وأطياف العشق، متدثرة بأردية الليل والصباح . وفي كل الحالات ، نستشعر أسماء المصلوحي بشاعريتها ، برقتها ، برزانتها ، بحكمتها ، بفنيتها التعبيرية الراقية.
.

عن admin

شاهد أيضاً

“مذكرات حياة وجهاد: 2ـ حرب الريف”

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “مذكرات حياة وجهاد: 2ـ حرب الريف”   يعتبر كتاب “مذكرات …

وداعا عبد العظيم الشناوي

عبد العظيم الشناوي ( – 10 يوليو 2020) ممثل ومؤلف ومخرج وإعلامي مغربي، من مواليد …

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “الطريس.. صور من حياته”

استرعت سيرة زعيم الحركة الوطنية بشمال المغرب الأستاذ عبد الخالق الطريس، اهتمام كل المشتغلين بالبحث …

%d مدونون معجبون بهذه: