شفشاون أو مأساة الفردوس المفقود

نسمع دائما من منابر الخطباء: “من لا ماضي له لا حاضر له ومن لا حاضر له لا مستقبل له”، و نسمع مرارا: “العالمية تبنى على المحلية أو المحلية هي طريق العالمية”، كما نسمع شعبيا: “الجديد له جدة والبالي لا تفرط فيه”؛ هذا وتتعدد القراءات للماضي والتراث وخزائنه ووجهيه المادي واللامادي؛ و تتوزع التقاطبات الكبرى في هذه القراءات التي لا تعد ولا تحصى، بين من يدافع عن روح التراث وجوهره، و من يدافع عن جزء منه دون آخر..، و في المقابل نجد من يدافع عن كون مصير الإنسان وتقدمه ليس في تخليد ماضيه وإنما في نقده للتراث وتجاوزه،  ومن ثم في أن يولي وجهه في حاضره تجاه المستقبل.

التراث المعماري لمدينة شفشاون وجه من الوجوه المميزة لطابع هذه المدينة، بل يمكن، دون ريب، اعتباره، ليس من باب التقديس، الوجه الأبرز الدال على هذه المدينة التي أسست منذ خمسة قرون ونصف على يد الشريف المجاهد مولاي علي بن راشد جد الشرفاء العلميين، كرباط وحصن حصين للجهاد، وقد درس العديد من أبناء هذه المدينة من المهندسين المعماريين والباحثين في التراث وغيرهم، خصائص هذا التراث المعماري و فرادته سواء على الصعيد العام المرتبط بالمدينة ككل أو بأحيائها وأزقتها..، أو من حيث التفاصيل الدقيقة المرتبطة بما هو داخلي أو خارجي في البنايات سواء أكانت بيوتا أم مرافق عامة..

إن كل من ينتمي لهذه المدينة المتأصلة أندلسيا، لا يمكنه إلا أن يحس بالاعتزاز بإرثها الحضاري و يفخر بجمالها المعماري والطبيعي، لكن أسئلة كثيرة تقفز أمام العين كلما أثير الحديث عن مستقبلها في ارتباطها بتاريخها وتراثها اللامادي والمادي، خاصة المعماري. و في هذا الصدد، والمدينة قد رسمت لنفسها، ربما بوعي أو بدونه، خطا مستقيما نحو السياحة و التسييح المفرط، فقد غيبت الإجابة عن هذه الأسئلة أو على الأقل النظر فيها بجدية ورؤية استشرافية، في حين انحصر النقاش العام في اللون مغيبا ما تتعرض له المدينة القديمة، أمام مرأى ومسمع أبنائها، من بطش مستمر قد يمحو القليل مما تبقى من روحها المعماري الأندلسي، وبالتالي قد يجعلنا جميعا، مسؤولين ومجتمعا مدنيا ورأيا عاما، كمؤتمنين على هذه الروح في حرج من أنفسنا أمام الآخرين وأمام التاريخ، بل مقصرين محسورين، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نزهو بالحديث عن شفشاون الأندلسية وتاريخها و حضارتها بعد ضياع هذا الإرث الأساسي تماما، حينما، ويا للمفارقة، حفل المستعمر الإسباني به و جهد في صيانته و نجح في نقله لمدينته الجديدة و معانقته بإبداع واجتهاد.

من صلاحيات رئيس الجماعة حسب المادة 100 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات :

-“المساهمة في المحافظة على المواقع الطبيعية والتراث التاريخي والثقافي وحمايتها وذلك باتخاذ التدابير اللازمة لهذه الغاية طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل”

و تلزمه المادة 101 من نفس القانون، السهر على تطبيق القوانين والأنظمة المتعلقة بمجال التعمير واحترام الوثائق المرتبطة به، ثم تخوله منح رخص البناء وغيرها من الرخص…

و في نفس السياق يناط ،في باب الاختصاصات الذاتية، بالجماعة حسب المادة 85 من القانون نفسه :

-” السهر على الاختيارات والضوابط المقررة في مخططات توجيه التهيئة العمرانية وتصاميم التهيئة والتنمية وكل الوثائق الأخرى المتعلقة بإعداد التراب والتعمير”

  • ” الدراسة والمصادقة على ضوابط البناء الجماعية طبقا للقوانين و الأنظمة الجاري بها العمل”.

هذه المقتضيات القانونية تبين أن القانون نفسه على علاته أولى لقضايا المحافظة على التراث عامة والمعماري خاصة عناية و حرصا، لذلك فالأمر يحوم، من ناحية أخرى، حول القناعات والإرادة السياسية لمدبري الشأن العام المحلي في جعل، ما أمكن، المحافظة على الهوية المعمارية للمدن كأولوية، أو “أقل الإيمان” العناية بالبارز منها كالإطار الخارجي للمباني وواجهاتها من حيث الكيف والكم، فقد يجني عدم التناسق في هذه العناصر نشازا وتشويها وتفككا جماليا، ثم اختلالا في المنظومة صحيا وأخلاقيا من حيث توزيع هواء و أشعة شمس رب العالمين وحجب الرؤية المصونة وانتهاك حرمة البيوت إلخ، وبالتالي فقد يكون اتخاذ أي قرار من زيادة أو نقصان، غير مدروس علميا وعمليا وقانونيا، لا يشكل تهديدا روحيا وجماليا فقط بل خطرا ماديا حقيقيا.

والغريب في الأمر أن وتيرة خطيئة “التجني المعماري” على التراث وغيره، حسب مراقبين و مهتمين، ترتفع حدتها إبان اقتراب موعد تجديد المجالس، وكأن قضية من حجم تاريخي وإنساني وحضاري ومستقبلي توزن بربح مكسب قد يكون ظرفيا، صغيرا، ومحدودا. لهذا فمن باب التعاقد المسؤول والضروري في مدينتنا كباقي المدن التاريخية التي لها هوية معمارية خاصة، فريدة ومتميزة، أن تكون قضية المحافظة على التراث المعماري في صلب برنامج من يتقدمون لخطب ودها حتى يكون زواجهم بها زواجا شرعيا مقبولا يراعي روحها وتاريخها لا زواج متعة سرعان ما ينطفئ بعد شهر العسل؛ فبدون هذه الروح لن تكون شفشاون إلا كأي من المراكز، حضرية كانت أم قروية، المبثوثة على طول الخريطة وعرضها، وتلك مأساة ما بعدها مأساة، يا أهل شفشاون الكرماء، لأنها تذكرنا بخروج أجدادنا هربا و طردا من الفردوس المفقود إن لم تكن، بشكل آخر، إعادة لمأساة الفردوس المفقود..

 عبدالحي مفتاح

عن Romaisae

شاهد أيضاً

الدكتور بدر العمراني وجهوده في التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. السلام على جلة العلماء، وخيرة الباحثين، …

آثار كورونا: المنحة والمحنة..

يعتبر موضوع “التعليم عن بعد” حديث الساعة لارتباطه بالجائحة، في حين أنه اتجاه عالمي وأحد …

دور الإعلام في مقاربة جائحة كورونا.. انتصار “التقليدي”

فيروس كورونا هذا الفيروس الصغير جدا الغير مرئي الذي ضرب العالم من دون هوادة ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: