طقوس قرائية مع الدكتور الأكاديمي نزار التجديتـي

من أين أبدأ؟ وكيف أصف لك شجون حديقتي العاشقة! هي رحلة طويلة بين الحرف والوجد، لا أظن أن قصتها تهم أحدا غيري.

1 − لماذا تقرأ؟

بدأتُ القراءة، بعد التلاوة الإجبارية، في سياق تبخيس!  تباهيتُ بنجاحي في ختام الدروس الابتدائية، فعاب عليّ خالي خوائي. الشهادة لا تدل على الثقافة! كيف أكتسبُها؟ بالمطالعة خارج المقررات! في غمرة هذه الهزة بمدينة الأولياء والسياح الفوضاويين إبان السبعينيات من القرن الماضي، اقتنيتُ كتابي الأول. كانت سيرة الإسكندر المقدوني في نسخة لبنانية مجلدة وجميلة. هكذا بدأ الرهان على إثبات الذات في عالم الكبار! بالطبع، كانت لأبي خزانة كتب في التاريخ والنحو والبلاغة وروايات ومجلات ثقافية وفنية مصرية ولبنانية عديدة تلذذت بتمزيقها صغيرا. كما أن جدتي لأمي كانت راوية رائعة. قصت علي، في أمسيات صيفية تكرس بلاغة النساء، ملاحم وقصص وخرافات شعبية. أما الكتابة، فاقتبست من أبي طقوس جماليتها. كان يحرص على اختيار الورق وتجويد الخط، ولا يجلس على مكتبه بالمنزل إلا بعدما يتخذ جلسة محترمة. خضت عبابها إما محاكيا أو مغامرا. ألفت قصتي الأولى بين أعمدة المسجد الأعظم بعد وقت العصر لسكينة الفضاء! وتمرنت حينها على أساليب موم وموباسان وزفزاف وتامر. كتبت القصة القصيرة، والشعر، والخواطر الذاتية، والحوار الفلسفي في أوج النشوة. أحدثت الفلسفة، بعد تخصصي في الأدب، نقلة في اختياراتي وتوقعاتي لأن صاحب هذه المادة − محمد العمارتي −كان أستاذا رفيعا يقرأ بالفرنسية ويشحذ الهمم. ألقيت − باقتراحه وعنايته – أول محاضرة لي في مسرح ثانوية القاضي عياض بعنوان: نظرية التطور عند داروين. كنت في السابعة عشر ربيعا. أظن أن مستواي الدراسي كان عاديا في الابتدائي وحتى الإعدادي، ثم برزت في الثانوي آثار سنوات من القراءة والتحرير في مناقشاتي وكتاباتي. قضيت عمرا في المكتبة العامة والمركز الثقافي الفرنسي بتطوان. بهذا الأخير، كنت أجمع بين القراءة ومشاهدة السينما. ولا أفصل القراءة عن الرسم والموسيقى لأنها سباحة في كل التيارات. والكتابة انزواء في عوالم ومشارب متعددة قد تحصن أو تضعف. أدركت ذلك لما تخطيت السجالات الأدلوجية والسياسية للجامعة المغربية أواخر السبعينيات. عرفت من ماريو براث أن الأدب ارتقاء للأعالي، وتبينت إثرها خطورة السهول الرطبة. لا شك أن القراءة تتطور بالصداقة والخصومة. ما زلت أذكر سيرة نزار قباني ‘‘قصتي مع الشعر‘‘ التي أعارنيها صديقي عبد الكريم الطرماش. وفي سفرتي مع صديقي عبد الواحد حمودان إلى فرنسا لاستكمال دراساتنا العليا في منتصف الثمانينيات، تفاجأت بكم الكتب الذي حمله معه هذا الأخير. خزانة كاملة! قال لي في محطة القطار بمدريد: سنتقاسم الاستفادة منها! لكن طريقنا افترق. والتقينا مجددا بعد سنوات في هيئة تحرير مجلة سيميائيات! أتذكر هذا السخاء لأنه عندما التحقت بآداب تطوان في منتصف التسعينيات، استغربت سلوك الأساتذة. كانوا يخبئون كتبهم عن بعضهم البعض! لوثة العتاقة! في هذا القحط، كان بوسيف الواسطي أستاذا مقتدرا وكريما. معه، شاركت في ندوات وطنية ودولية وازنة داخل المغرب وخارجه. في بعضها، تعرفت على المرحوم عبد الكبير الخطيبي والمؤرخ الفرنسي دانييل ريفي والمرحومة نبيلة إبراهيم والشاعرة السويدية مارية فاين وغيرهم. وجدت مثل هذا الكرم عند صديقيّ مصطفى بنسباع والمرحوم إدريس بوهليلة اللذين لهما خزانة تاريخية متميزة. وكذلك دأب عبد اللطيف شهبون، لا يبخل على أحد بكتاب. في السنوات العشر الأخيرة، تزايدت أعداد الطلبة وهبط مستواهم، تأثر التأطير والبحث سلبا بسبب ذلك وصارت الجامعة مصنعا للشواهد.

2 – كيف تقرأ؟

في السابق، قرأت بنهم كل ما كان يقع في يدي من كتب ومجلات. في خضم هذا الشغف بالأدب والمعرفة والتثقيف، شيء من البراءة الأولى. نقرأ لأننا نعشق ونسبح بأزخر مشاعرنا في بحر الخيال. ونكتب لنمارس حريتنا في الرأي والتعبير ونجرب قدرتنا على المواجهة والتحدي. ثم تعلمت −بتدرجي من القراءات البطولية والرومانسية إلى المقالات النقدية والفلسفية− أن أختار وأقرأ بنجاعة وألخص حصيلتي في جذاذات ما زلت أعود إليها إلى الآن. ألهمتني سير الكتاب إلى حل بعض ألغاز القراءة والكتابة. اقتنيت ديوان أبي الطيب باكرا في نسخة الجيب، وكنت أنشد أشعاره بصوت مرتفع في الشاطئ! لاحقا، أنجزت عنه بحث الإجازة بآداب ظهر المهراز. بهذه الكلية التي كانت لامعة في بداية الثمانينيات، تتلمذت على أساتذة مجددين مثل العلمي وحنون ولحمداني والمرحوم المنيعي والعمري وحليلي والحمداوي والمرتجى. نشرت دراستي الأولى في أوائل العشرينات من عمري. ولي عن الحدث البهيج حكاية لها مغزى. فحينما حاولت نشر هذه المقالة بعنوان ‘‘سيفيات المتنبي: قراءة جديدة لعناصر الفعل الشعري‘‘ (1985) بالملحق الثقافي لإحدى الجرائد اليسارية المعروفة، قصدت بسذاجة صديقا لأبي كان مسؤولا حزبيا عن مراسلات هذه الجريدة. كان النشر في المغرب زمنها صعبا. فرفض الرجل المناضل إرسالها جازما دون أن يقرأها بحجة أن الملحق لا ينشر إلا للمنتسبين للحزب! صدمة الحداثة! أسرعت بوضع أوراقي في غلاف بريدي وأرسلتها بلا وساطة هذه المرة إلى المسؤول عن الملحق الثقافي للعلم وقتئذ المرحوم عبد الجبار السحيمي. استجادها ونشرها بعد أسبوع تقريبا. وكان لها صدى عند القراء. لم يعرفونني، فتوهموا أنني باحث مكرس. اشتريت، بفرحة الانتساب إلى فئة الكُتاب أخيرا، عدة نسخ، ووزعتها دلالة على اختراق حائط برلين! للأسف، كان أبي قد غادر هذه الدنيا. لكن خالي قرأها وافتخر. كل شيء إذا بدأ بالنسبة لي في مدينة أصيلة بين التبخيس والتعظيم. أما بفرنسا، فقراءاتي تعمقت في الاتجاه المنهجي. كان أساتذتي ذوي سمعة عالمية، أذكر منهم أركون ولوكويرن ورومان وأوريكيوني وكالو وبانج. تعلمت منهم نزع جلباب المحلية ونشدان أفق العالمية. وعلمتني الأطروحة الصرامة والصبر في اكتساب مناهج البحث الجديدة. بيد أنها أخذت زهرة عمري، وكادت أن تجفف منابع الإبداع في أحشائي.

3 – ماذا تقرأ؟

في الماضي، كنت أرغب في السرد الخيالي، أما الآن فأميل إلى السرد الواقعي. القراءة تختلف باختلاف مراحل العمر. في فترة ما، ابتعدت عن الرواية لأن المنشور منها عربيا ودوليا تراجع فنيا. ‘‘المصري‘‘ لمحمد أنقار أعادتني إلى زمن الرواية. أحفل بالأشعار، ولي في خزانتي رف خاص بدواوين الشعراء المغاربة الذين أشعر أنهم طيور غريبة في بلد لا يقرأ أهله كثيرا. أغلب ما نشرت إلى حد الآن يقع في حيز الدراسة، لكنها سرديات بالمعنى الوجودي للخلق والمحو. كتبت يوميات رحلاتي عبر المتوسط أيضا، ولم أنشرها. أترجم كذلك. الحقيقة أنني أميل في الحاضر إلى تجريب الكتابة خارج السياج الأكاديمي. في جميع الأحوال، ينبغي أن تعبر كتاباتنا عن قناعاتنا الفكرية. في كتابي ‘‘مصادرة العقل العربي‘‘ (1999)، وقفت على أسباب انسحاب العرب من العقلانية. وفي كتابي ‘‘صياغة الصورة‘‘ (1999) الذي أصدرته بالفرنسية أعدت اكتشاف الكاتب والرحالة الفرنسي الكبير أندري شوفريون بعدما كان قد نسي بفرنسا تماما. وفي مؤلفي ‘‘السحر الأندلسي‘‘ (2006)، تابعت جاذبية إرثنا الحضاري المغربي الأندلسي في أدب الرحلة الفرنسي الحديث. وجميع هذه الكتب حظي باهتمام قراء معروفين ومتابعتهم النقدية داخل المغرب وخارجه.

4 – أين تقرأ؟

أقرأ في كل مكان. ولطالما حملت كتبي إلى الإدارات المحلية والمطارات الدولية والحافلات والقطارات التي يتمدد فيها الوقت ويكاد يبطل مفهوم الزمن. لكن الكتابة تقتضي قدرا متزايدا من التفكير والبحث وإعادة النظر والتنقيح المستمر، لذلك لا يمكنني ممارستها إلا في مكتبي بالبيت. وفرت لي والدتي زمنا طويلا شروط الهدوء والخلوة اللازمة لتشييد عدد من نصوصي. وكذلك فعلت زوجتي. لا أستطيع فعل ذلك في المقهى بتاتا.

5 – متى تقرأ؟

أفضل الصبيحة لقراءة المواد التي يستلزمها إعداد دراسة أو تحرير مداخلة. بينما أجد في المساء والربع الأول من الليل مساحات واسعة وهادئة لمطالعة لذائذ الشعر والفلسفة والنقد والتراث والرحلات والتاريخ والسيرة والمراسلات، إلخ. لا أحب السّهر. بالنسبة للكتابة، الصبح أفضل الفترات أيضا، لأنه يسمح لي بالتركيز على بناء صرح الموضوع. القراءة بالعربية ليست كالمطالعة باللغات الأجنبية. كل لغة لها عالمها وطريقة تفكيرها. أتمتع حقا بالانتقال من بستان العربية وألفته إلى حديقة الفرنسية وجِدَّتها.

6 – لمن تقرأ؟

أقرأ للجميع. المهم أن يكون الكتاب أو النص جيدا. قرأت بشغف للسياب والبياتي وقباني وآرغون وبودلير وفرلين وملارميه ونيرودا وأدولفو بيكر وخمينث. كذلك قرأت لمحفوظ وزفزاف وكنفاني وغلاب والعروي والسمان والشاوي وليلى أبو زيد وفلوبير وبلزاك وهوجو وبروست. لكن صحبة الأموات لا تخلو من مخاطر ومهاوي، وعليك أن تحفر مسارك بنفسك تدريجيا في عالم الأحياء الصاخب. من حين لآخر، كنت وما زلت أسعد باكتشاف كتاب جديد يختلف عن جميع ما قرأت تماما. هذا ما جرى لي حين اطلعت أيام الطلب على ‘‘الصبح المُنبي عن حيثية المتنبي‘‘ للشيخ البديعي الذي يسرد أغرب أخبار الشاعر الثائر. وذلك ما حدث لي مع كتاب ‘‘عن الحبّ‘‘ غير المعروف للروائي استندال الذي يعالج فيه أهواء الفؤاد. نفس التجربة تكررت مع ‘‘أوراقي العزيزة: مذكرات أركيولوجي أدبي‘‘ (1990) للأمريكي كارلتون ليك الذي يحكي فيه كيف جمع المخطوطات النادرة لأعمال كبار الكتاب الفرنسيين ما بين الحربين. أكتب لنفسي، في المقام الأول. ثم أتفاعل مع ذلك القارئ غير المتواطئ الذي استخرجه من ذاتي وأجعله حكما بيني وبين مخطوطي. في الواقع، أنا استمتع جدا بما أكتب لأنني لا أعرف مسبقا النتيجة العلمية التي سأصل إليها. ومن يتوهم أنني أكتب من أجل ترقية في الجامعة أو جائزة، فهو لا يعرف معنى الشغف! وحين يستشهد بعض أساتذتي بأعمالي، أقدر فيهم أمانتهم العلمية في محيط عربي يميل فيه الباحثون إلى سرقة زملائهم. تأثرت ببارث وجريماس وهامون في وصف اشتغال آليات النص. وأعجبت بقدرة أستاذي المرحوم أنور لوقا على الجمع بين القراءة السيميائية للخطاب والاستقصاء التاريخي حول موضوع ما. أزعم أنني نجحت في خلق أسلوبي الخاص في التحليل والتفكير والكتابة في معترك هذه المسيرة. لكن من يدري، ربما هو مجرد ‘‘حلم ليلة في منتصف الصيف‘‘ كما وسم شكسبير إحدى أشهر مسرحياته الهزلية!

عن Romaisae

شاهد أيضاً

كتابات نسائية

تفتح الشمال هذا الحيز للكتابة النسائية، إسهاما في التعريف بالحضور الفكري والأدبي والاجتماعي والبحثي لنخب …

طقوس قرائية مع الدكتور عبد الرحيم وهابي

1 –ما هو أول كتاب قرأته؟ بدأت رحلتي مع القراءة في سن مبكرة، أواخر السبعينيات …

طقوس قرائية مع الدكتور محمد علي الرباوي

لماذا نقرأ؟ نحن نعيش الحياة، ونتعلم من تجاربنا، ونستفيد من ماضينا، وحاضرنا؛ لنقتحم الحاضر، والمستقبل. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: