عوالم رواية “هوت ماروك” المبهرة.. بين تلاوين الزمن الراهن وسقف الخيال الجامح

عوالم رواية “هوت ماروك” المبهرة.. بين تلاوين الزمن الراهن وسقف الخيال الجامح

جريدة الشمال – أسامة الزكاري
الجمعة 23 دجنبر 2016 – 11:16:49
ما العلاقة القائمة أو المفترضة بين مجال البحث التاريخي التخصصي من جهة، وبين مجال الكتابة الروائية من جهة ثانية؟ وما هي الحدود، الظاهرة أو المستترة، بين المجالين؟ وهل يمكن للنص الروائي أن يتحول إلى مجال للاستلهام وللتأمل وللتفكيك داخل بنية اشتغال المؤرخ المتخصص؟ وإلى أي حد يمكن للنص الروائي أن يسعف في القبض بتلابيب الزمن الراهن وتدوين تفاصيله؟ وكيف يمكن الجمع بين منطق اشتغال المؤرخ وبين منطق اشتغال الروائي، بين مجال الانضباط “الحديدي” لصرامة المنهج والعدة الإجرائية في البحث وفي التحليل وفي التنقيب وفي التركيب، ثم بين رحابة ملكة التخييل، التي لا يمكن أن ينهض أي نص سردي بدون استحضار منطلقاتها؟  

أسئلة متناسلة، تثيرها القراءة المتأنية للعمل الروائي الذي صدر خلال  السنة الجارية للمبدع ياسين عدنان، تحت عنوان “هوت ماروك”، في محاولة من المؤلف لاختراق عتبات حقل ألغام مشتهى لدى قطاعات عريضة من مثقفي المغرب الراهن، ممن استهوتهم الكتابة الروائية، وبدأوا ينزحون نحو الاستنجاد بتلابيبها قصد تفجير ملكة توظيف عطاء الذاكرة وتحويله إلى ورش مفتوح للتشريح وللاستثمار. ولن نعدم الاستدلال بنماذج بارزة من واقعنا الثقافي الراهن لمؤرخين ومفكرين تركوا جبة البحث التخصصي الصارم واقتحموا عوالم الرواية العجيبة، مثلما هو الحال مع عبد الله العروي وأحمد التوفيق ومحمد زنيبر وحسن أوريد وسعيد بن سعيد العلوي…
    
يندرج اهتمامنا بقراءة نص “هوت ماروك” في سياق سعي منهجي لرصد عناصر الثبات والتغير في نظيمة الكتابة السردية الوطنية باعتبارها رافدا من روافد المادة الخام للبحث التاريخي الوطني المعاصر، حسب التأطير المنهجي المجدد. وعلى أساس ذلك، فإننا نسجل مجموعة من الملاحظات المدخلية التي يمكن أن تشكل عتبات لقراءة النص في بعده التدويني والتخييلي الصرف. تتوزع هذه الملاحظات على الشكل التالي:  
   
 أولا – يمتح نص “هوت ماروك” مادته المرجعية من وقائع مغرب العقود الثلاثة الماضية. وقد سعى المؤلف فيه إلى استلهام الكثير من السياقات المعروفة في وقائعها وفي تفاصيلها، من أجل تفجير بؤر السرد المتداخلة. وعلى الرغم من أن ياسين عدنان قد اختار استهلال عمله بتلك الصيغة “الجاهزة” التي يسعى من خلالها الكتاب إلى تبرئة ذممهم من كل التأويلات والقراءات الانزياحية، فإن واقع الحال قد ظل يشير إلى عكس المراد. تقول هذه الصيغة: “أحداث هذه الرواية من نسج الخيال، وشخصياتها لا تمت إلى الواقع بصلة.

وأي تشابه مع شخصيات حقيقية أو تطابق مع أحداث واقعية هو من ضعف حيلة الكاتب” (ص. 5). لا شك أن المؤلف قد كتب هذه الصيغة، لتوجيه القارئ نحو عكس المراد،  مادامت القضايا التي أطرت النص ظلت تستند إلى وقائع مخصوصة في زمانها وفي مكانها، مثل التحولات المجتمعية والقيمية التي عرفها/ويعرفها المغرب الراهن، ومظاهر الاستبداد المخزني، وتمظهرات “زمن الرفاق”، وغيرها من القضايا السياسية الكبرى التي طبعت زماننا الراهن…     
لقد استطاعت عين المبدع ياسين عدنان التقاط ما لا تراه عين المؤرخ المتخصص وتضفي عليها ميسما إنسانيا عميقا في ارتباط بتغير القيم والأفكار والمواقف والمسلكيات اليومية والنظم الفكرية وأشكال تنظيم الفضاء العام الذي يحتضن الوقائع، بمكوناته المادية وبحمولاته الرمزية. في هذا الإطار، تحضر عوالم مدينة مراكش العجيبة، تلك العوالم المنظور إليها من الأسفل، حيث الألم والطراوة ووجوه الناس البسطاء وتغيرات المعيش اليومي…       

ثانيا – تأسيسا على الملاحظة السابقة، أمكن القول إن الأمر لا يتعلق بسيرة ذاتية خطية لتجربة الكاتب/السارد، بقدر ما أنها استثمار إبداعي لخلاصات تجربة جماعية صقلها المؤلف بنزوعاته الفردانية التي تظل محور كل كتابة إبداعية مجددة، جريئة، ومتماهية مع الواقع. ومع ذلك، فلا شك أن مضامين المتن تظل مرتبطة بخيط رقيق ورفيع يربطها بالوقائع وبالسياقات، بتعبيراتها السلوكية  المتعددة وبتمثلاتها الذهنية المختلفة.        

ثالثا – يبدو أن المبدع ياسين عدنان قد نحا نحو توظيف قيم حيوانية لوضع التقابلات الضرورية مع شخصيات السرد. في هذا الإطار تحضر لغة الحيوانات كتعبير عن سلوك بشري مميز، لعله يذكرنا بالتوظيفات التي استلهمها جورج أورويل في نصه “مزرعة الحيوان” أو حسن أوريد في نصه “الأجمة”. وعلى الرغم من الاختلافات الواضحة في أنماط استثمار صور الحيوانات داخل متن “هوت ماروك” وسواه من النصوص المذكورة، فإن عنصر التميز الرئيسي ينحصر في أشكال إلباس المؤلف لكل واحد من شخوص الرواية لبوسه الحيواني الملائم، بشكل أضحت صفات الحيوان تعكس انزياحات الإنسان السلوكية والمواقفية، مثلما عبرت عنه عوالم السنجاب والقنفذة والبقرة والحلزون والناقة والضبع والقرد…  
     
رابعا – يستدعي الحديث عن نص “هوت ماروك” توضيح الحدود المنهجية بالنسبة للمؤرخ المتخصص، بين صرامة الذاكرة التاريخية وبين رحابة الذاكرة الجماعية. فالذاكرة التاريخية لا تقبل إلا بالثوابت الصارمة لمناهج البحث التاريخي المعاصر، أما الذاكرة الجماعية فإنها تكتسب من الانسيابية ومن النزوعات الانزياحية العاطفية ما يجعلها قابلة للتوظيف الإبداعي التخييلي.   
   
خامسا – لا شك أن ياسين عدنان قد اكتسب ما يكفي من عناصر الصنعة الموظفة في هذا النص الشيق من أجل تبليغ مضامينه. ويمكن اختزال هذه العناصر في مجموعة من مرتكزات التجديد في الكتابة، مثل قوة النفس السردي المسترسل، وروعة الاستعارات “التي نحيا بها”، وتوظيف موروثات الشعر العربي القديم والإحالات المسترسلة على النصوص الدينية النبوية والقرآنية، ثم العديد من الموروثات “الشعبية” التي تحتفظ بروابط قوية مع الوسط المحلي الخالص لمدينة مراكش. أضف إلى ذلك، أن المؤلف ظل يستدعي فضاءات هذه المدينة لاستثمارها في توظيفاته الطوبونيمية العميقة، مثلما هو الحال مع أشكال حضور مواقع مثل جامع الفنا وباب الخميس وحي المسيرة وحي إيلي وحي الموقف وشارع الداخلة وجامعة القاضي عياض وسينما مرحبا… ومعلوم أن هذه الفضاءات لا تحضر داخل النص كمعالم إسمنتية قائمة، ولكن كعناصر محتضنة لمنعرجات السرد ولتداخل مختلف العوامل المؤثرة فيه. وإلى جانب ذلك، نجح المؤلف في تطوير استثماره لخطاب الشبكة العنكبوتية، من خلال إدماج الأيقونات المعلومياتية المعتمدة في شبكة مواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، مثلما جسدته بعض الرموز الموظفة في الصفحة رقم 220.     
 
سادسا –  لكل ذلك، ربما كان من المشروع طرح التساؤل حول طبيعة العلاقة المفترضة بين ذات ياسين عدنان المبدعة من جهة، وبين ذات السارد المحتضنة لنظيمة الحكي من جهة ثانية، ثم بين ذات البطل رحال التي تتمركز حولها مختلف شخصيات النص وأحداثه ووقائعه ثالثا. لا شك أن الإجابة عن هذا التساؤل تظل مكتنفة بالكثير من عناصر المغامرة غير المحسوبة العواقب، مادام النص يبقى – في نهاية المطاف – عملا تخييليا لا يلزم إلا السارد المتواطئ مع الكاتب ضمن لعبة تبادل الأدوار التي تضفي على الرواية متعها الحكواتية والجمالية اللامتناهية.
       
أخيرا، يبدو أن النص يبقى مفتوحا على قراءات مختلفة، من تخصصات متعددة، قصد إغناء التحليل التركيبي النسقي الذي لا تمثل القراءة التاريخية إلا شقه اليسير. هو نص للاستلهام من أجل تعزيز جهود التأصيل الإجرائي للتخصص الذي أضحى يعرف اليوم ب”التاريخ الثقافي”، تخصص يسائل رصيد المنجز وعلاقة الثابت بالمتغير داخل بنية الذهنيات الجماعية، في تقاطعاتها المشتركة وفي نزوعاتها الفردانية المنبثقة من رحم الذاكرة الجماعية. 

عن admin

شاهد أيضاً

“مذكرات حياة وجهاد: 2ـ حرب الريف”

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “مذكرات حياة وجهاد: 2ـ حرب الريف”   يعتبر كتاب “مذكرات …

وداعا عبد العظيم الشناوي

عبد العظيم الشناوي ( – 10 يوليو 2020) ممثل ومؤلف ومخرج وإعلامي مغربي، من مواليد …

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “الطريس.. صور من حياته”

استرعت سيرة زعيم الحركة الوطنية بشمال المغرب الأستاذ عبد الخالق الطريس، اهتمام كل المشتغلين بالبحث …

%d مدونون معجبون بهذه: