كتابات في تاريخ منطقة الشمال : ” أقلام وأعلام من القصر الكبير (3) “

كتابات في تاريخ منطقة الشمال : ” أقلام وأعلام من القصر الكبير (3) “
جريدة الشمال – أسامة الزكاري (أقلام وأعلام من القصر الكبير )
الخميس 04 فبراير 2016 – 12:39:53

تستحق مدينة القصر الكبير أن تفخر بعطاء رجالها، وتستحق هذه المدينة أن تسجل اسمها بمداد الفخر داخل سجل الإبداع الحضاري الذي ساهمت به حواضر المغرب وقراه في بناء صرح معالم النبوغ الفكري والثقافي، قديما وحديثا. وإذا كان واقع حال المدينة اليوم قد أضحى يمارس سلطة تخريبية رهيبة في وجه معالم البهاء الذي ارتبط بتاريخ المدينة، فإن الأمر لم يعمل – في المقابل – إلا على تحفيز همم نخب المدينة وإطاراتها المدنية المبادرة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومن أجل إعادة الاعتبار لوجه القصر الكبير المشرق ثقافيا، والمتوهج فكريا، والمتألق مدنيا. وفي هذا الإطار، استطاعت جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير تحقيق تراكم نوعي غير مسبوق على صعيد مجمل مدن شمال المغرب، وربما على الصعيد الوطني، عن طريق توجيه التكوين الأكاديمي وجهته التأصيلية القائمة على أساس ربط نتائج هذا التكوين بتوجهات صقل المبادرات الجمعوية وتكثيفها مع ضرورات التوثيق لخصوبة الذاكرة المحلية المشتركة. لقد استطاعت هذه الجمعية الرائدة، وعلى امتداد عمرها القصير زمنيا والغزير عطاءا، وضع قواعد إجرائية لتنظيم العمل الجماعي الهادف إلى الاحتفاء بمعالم المكان وبرموزه المشعة، سواء على مستوى الفضاءات التاريخية القائمة، أم على مستوى الشواهد المندثرة، أم على مستوى الخبايا الأركيولوجية الدفينة، أم على مستوى الوثائق والمدونات الغميسة، أم على مستوى البيبليوغرافيات الكلاسيكية والمجددة. فكانت النتيجة، تحقيق تراكم هائل من المبادرات الجمعوية المؤسسة، توجتها بسلسلة إصدارات متواترة تحولت إلى مراجع لا يمكن القفز عليها في كل محاولات إعادة كتابة تاريخ مدينة القصر الكبير في مختلف عهوده المديدة، وهي الكتابات التي ساهمت بها نخبة من مثقفي المدينة ومن باحثيها ومن أعلام زمنها الثقافي الراهن، من أمثال محمد أخريف ومحمد بنخليفة وبوسلهام المحمدي وعبد السلام القيسي …

في إطار هذا ” المجرى الثابت “، يندرج صدور الجزء الثالث من كتاب “أقلام وأعلام من القصر الكبير في العصر الحديث : ملامح من حياة – مقاطع من نصوص”، لمؤلفه الأستاذ محمد العربي العسري، خلال السنة الجارية ( 2015 )، في ما مجموعه 543 من الصفحات ذات الحجم الكبير. والكتاب، تعزيز لجهد كثيف بذله المؤلف، في الجزأين السابقين، بحثا في سير أعلام المدينة، وتوثيقا لعطاءاتهم في مختلف المجالات الأدبية والفنية والتربوية والمدنية والمهنية والإعلامية، وهي المساهمات التي كان لها صيت وطني واسع، بل ودولي في بعض الأحيان، في مختلف مناحي العطاء الذي تستحق مدينة القصر الكبير أن تفخر به وأن تعتبره قاعدة لتأسيس مطالبها المشروعة في دعم تحولات الراهن التنموي داخل محيطيها الإقليمي والوطني الواسعين. لقد استطاع الأستاذ العسري الانفتاح على تجارب مجالات عدة ومتكاملة في صنع معالم الهوية الثقافية لمدينة القصر الكبير الراهنة، معالم جمعت بين فروع شتى، نجد فيها تخصصات متقاطعة أو متضاربة، لكنها تلتقي في الوفاء لمعالم المكان ولخصوبة الإبداع ولآفاق التحول المنشود، تخصصات جمعت بين الشعر والنقد والقصة والرواية والصحافة والطب والموسيقى والتشكيل والسينما والترجمة وعلوم التربية والمسرح والتاريخ والفلسفة والسوسيولوجيا والحكي الشعبي والعمل الحقوقي والعمل الجمعوي والعمل الأكاديمي والعمل السياسي … إلى غير ذلك من التخصصات والاهتمامات التي أكسبت الأستاذ العسري الكثير من عناصر الجرأة لاختراق عوالمها الدفينة وجزئياتها الدقيقة التي قد لا يعرف القارئ العادي إلا نتفا موزعة هنا وهناك عن إسهامات رجالات القصر الكبير داخلها.

والحقيقة، إن الكتاب، ومنذ صدور جزئه الأول، وكما سبق أن أكدت عليه في القراءة التقديمية المتواضعة التي كان لي شرف نشرها بهذا الخصوص، يشكل جزءا من مشروع ضخم، لا شك أن انطلاقته قد تأخرت طويلا، ولا شك أنه يظل من صميم مهام الدولة ومؤسساتها الرسمية، ولا شك – كذلك – أنه نقطة الزاوية في كل مشاريع الاشتغال على تلاوين ” التنمية الثقافية ” المحلية الضرورية لكل تطلعات النهوض، في الحال وفي الاستقبال. لذلك، فقد استطاع الأستاذ العسري أن يتحول إلى مؤسسة قائمة الذات، مؤسسة لا تكل ولا تتعب في سبيل تحويل الاشتغال على ذاكرة القصر الكبير إلى اهتمام جماعي لدى النخب ولدى المسؤولين. إلى جانب ذلك، وعلى المستوى الوطني، أمكن القول إن كتاب الأستاذ العسري يسمح بتصنيف السجل الإبداعي / الحضاري / الثقافي لمدينة القصر الكبير، جنبا إلى جنب مع أعمال رائدة أنجزها مؤرخون كبار في مجال توثيقهم لسير الأعلام والرموز الثقافية عبر الجهات الأربع للبلاد. ولا أبالغ إذا قلت إن أعمال الأستاذ العسري بخصوص مدينة القصر الكبير، يمكن أن تصنف إلى جانب أقطاب كتب الأعلام والتراجم للقرنين 20 و21، مثلما هو الحال مع كتابات محمد داود وعبد الله كنون ومحمد حجي ومحمد المنوني وعبد الله المرابط الترغي …

لقد حاول الأستاذ العسري في الجزء الثالث من كتابه ” أقلام وأعلام من القصر الكبير “، والذي وضع تقديمه الأستاذ أبو الخير الناصري، الاستجابة لنهم أجيال اليوم في الاحتفاء بمعالم نبوغ مدينة القصر الكبير، من خلال استحضار التجارب وتواتر الأجيال واختلاف الرؤى والمنطلقات. فبالكثير من عناصر النبل والوفاء، كان الأستاذ العسري منفتحا على جميع الأصوات، نعم “جميع الأصوات” التي لها ظل تحت شمس مدينة القصر الكبير، أسماء تحولت بعطائها إلى نقاط ارتكازية في كل محاولات كتابة التاريخ الثقافي لمدينة القصر الكبير خلال زماننا الراهن، كل حسب مجال عطائه وفي سياق اختصاصه. في هذا الإطار، نجد أسماء رائدة في مجال العطاء الحقوقي والسياسي العام للدولة المغربية المعاصرة، مثلما هو الحال مع البروفيسور مصطفى المعزوزي والأساتذة بوغالب العطار وخالد السفياني وسلمى الطود وخديجة اليملاحي، كما نجد أسماء أخرى انشغلت بمجال الكتابة الفلسفية مثلما هو الحال مع الأستاذين محمد المصباحي ومصطفى حنفي، وأخرى في مجال الكتابة الشعرية مثلما هو الحال مع الأساتذة أحمد الطود ومحمد عفيف العرائشي وعبد السلام دخان ومحمد العناز وأنس الفيلالي ومصطفى الغرافي ووفاء العمراني ووداد بنموسى وسعاد الطود، ثم أسماء برزت في مجال الكتابة القصصية والروائية مثلما هو الحال مع الأساتذة مصطفى يعلى وبهاء الدين الطود ومحمد الهرادي وعبد الإله المويسي وحسن اليملاحي ويوسف خليل السباعي. وفي مجال الدراسات الأدبية، اهتم المؤلف بأعلام هذا الحقل من أمثال الأساتذة أنور المرتجي وعبد الله بنعتو وأبو الخير الناصري. وفي مجال الصحافة، نجد الكثير من التجارب التي برز فيها أبناء مدينة القصر الكبير، مثل الأساتذة محمد أبو الوفاء وسليمان الريسوني ومحمد كماشين، وهو نفس المنحى الذي اشتغل عليه المؤلف بالنسبة لمجال الموسيقى والطرب من خلال رموزه الذين نذكر منهم الفنانين محمد السلاوي والحاج محمد بن حمان الطود وإحسان الرميقي. وفي باب الممارسة التشكيلية، اهتم المؤلف بأعلام هذا المجال من خلال تجارب أجياله المتواترة التي أنجبت أسماء وازنة في هذا الحقل، من أمثال المبدعين محمد الحمري وأمينة الرميقي وشفيق الزكاري وعبد السلام القوسي وعبد الخالق قرمادي. ولم ينس المؤلف توسيع دوائر تنقيباته بالبحث في مخزونات التراث الشفوي المحلي من خلال تجارب الكتابة الزجلية والحكي الفكاهي لمبدعي المجال ولرواده المميزين من أمثال الأساتذة بوغالب العسري وإدريس المريني وقاسم العطار.

.. وبعد، فلا شك أن كتاب ” أقلام وأعلام من القصر الكبير في العصر الحديث ” قد نجح، وإلى جانب قيمته التوثيقية البيوغرافية الأكيدة، في ترسيخ قيمة الوفاء ومبدأ الإخلاص لأصحاب الفضل داخل مجهودات ترصيص معالم الهوية الثقافية لمدينة القصر الكبير. إنه مجهود شاق لكنه مثمر، ممتد في الزمن لكنه واعد. إنه مجهود لتشريح السير والتراجم، لا يستطيع اختراق مجاهله وتجاوز انزياحاته إلا كبار النفوس، وهي سمة أصيلة للأستاذ محمد العربي العسري، بل هي اختزال لقيم نكران الذات والوفاء والبذل والعطاء بلا حدود. باختصار، هي جوهر السيرة الذهنية للرائد محمد العربي العسري أولا وأخيرا.

أسامة الزكاري

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الشاعر والناقد عبدالجواد الخنيفي

اللّغة الشعريّة تنطوي على تشعّب المواقف والعواطف .. اللّغة الشعريّة لها القدرة على النّفاذ إلى …

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

%d مدونون معجبون بهذه: