كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “رحلة إلى فرنسا”

ظل أدب الرحلة المغربية مجالا أثيرا للنهل وللاستثمار بالنسبة لمؤرخي  المغرب الراهن في سعيهم نحو استيعاب علاقة الثابت بالمتغير في رؤى المغاربة تجاه واقع أوربا وتجاه تحولات هذا الواقع القائمة. وظل رصيد المنجز المغربي المرتبط بهذا المجال، حقلا مشرعا أمام تجدد القراءات وأمام جهود استنباط الجزئيات الغزيرة التي تلتقطها عين المتلقي/ الرحالة في حله وفي ترحاله، وهي جزئيات تحسن الإنصات لنبض دقائق الأمور خارج التوليفة الاعتيادية للحياة اليومية للناس وللمجتمع وللسلط وللرموز وللشواهد. فكثيرا ما وجدنا رحالة ينحون نحو تدوين تفاصيل مثيرة، وربما عجائبية، قد لا نجد ذكرا لها بين أسطر متون الإسطوغرافيات التاريخية الكلاسيكية، بحكم عدم انتظام هذه الوقائع داخل بنية السرد التقليداني وموجهاته الكبرى المرتبطة بوظيفة الكتابة التاريخية الكلاسيكية.

تحسن عين الرحالة التقاط عناصر البعد الغرائبي في الوسط وفي المحيط، في وجوه الناس وفي تراثهم الرمزي، في نظمهم المعيشية وفي أشكال تدبير هذه النظم، في عمق الشواهد المادية وفي جذورها التاريخية التي تحرك شغف الرحالة في طرح سؤال الميلاد والأصل والتطور والمآل. لكل ذلك، أصبحت نصوص الرحلات كتابا مفتوحا أمام متع الاستكشاف الغرائبي، وأمام الافتتان العجائبي، وأمام دهشة الانبهار بالأسئلة غير العالمة الموجودة على هامش الكتابة العالمة للإسطوغرافيات التقليدانية. ولعل هذا ما يفسر هذه العودة الكثيفة لمؤرخي الراهن نحو إعادة اكتشاف متون الرحلات وتمهيد مظانها أمام الإمكانيات الرحبة للتفكيك وللتقييم وللمساءلة وللنقد وللاستثمار، بل ولإعادة اقتحام مجالات مستجدة لم تكن أسئلتها لتنال نصيبها من البحث لدى المؤرخ التقليدي، مثل أسئلة “الغيرية” و”المثاقفة” وعلاقة “الأنا” ب”الآخر”، ثم طرح الأسئلة المهيكلة للبحث في تفاصيل السؤال العريض الذي طرحه رواد النهضة العربية الحديثة: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”. ونتيجة لتزايد الوعي بهذه القيمة العلمية الأكيدة، بدأ الباحثون يقدمون سير أعلام رائدة على مستوى التصانيف الكبرى لمتون الرحلات بأصنافها الموزعة بين أنواع عدة، أهمها الرحلات السفارية والرحلات الحجازية والرحلات العلمية، ثم الانتقال إلى الاشتغال على بنية النصوص من مواقع علمية مختلفة، وبأدوات منهجية متنوعة، وبأسئلة معرفية وإبستيمولوجية متضاربة بتضارب حقول الدراسة. فأصبح نص الرحلة أرضية مشرعة أمام رحابة فعل التفكيك والنقد، بالانفتاح على مكتسبات العلوم الحديثة وعلى رأسها التاريخ واللسانيات والنقد الأدبي والفكر السياسي. وظهرت تخصصات مخصوصة بهذا المجال ومرتبطة به بشكل عضوي، مثل تاريخ الذهنيات، وسوسيولوجية التمثلات الجماعية، وأدب الغيرية، وتاريخ انتقال التراث الرمزي بين الشعوب والحضارات،…

في سياق هذا المنحى الأكاديمي الأصيل، يندرج صدور كتاب “رحلة إلى فرنسا مع السلطان المولى يوسف قصد تدشين مسجد باريس سنة 1926، للهاشمي الناصري الهشتوكي (1871-1936)”، وذلك سنة 2020، في ما مجموعه 131 من الصفحات ذات الحجم الكبير. ويعتبر صدور هذا الكتاب ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان بتحقيق وبدراسة للدكتور مصطفى الغاشي، إضافة هامة لمجال جهود توفير المادة الخام للاشتغال على ذخائر أدب الرحلة المغربية المعاصرة. فالكتاب يقدم سردا شيقا لتفاصيل الصور والانطباعات التي حملها المثقف المخزني التقليدي عن ذاته وعن محيطه ثم عن الآخر، مركزا على عناصر “دهشته” وعن رؤاه العجائبية من موقعه الرسمي ككاتب خاص لدى القائد الكندافي، ومن أفقه كمثقف تقليدي محافظ لم تكتب له زيارة أوربا قبل هذه الرحلة، ولا يتحدث أي من لغاتها، ولم يستطع استيعاب عناصر ديناميتها المجتمعية والحداثية التي صنعت تفوقها وريادتها على الصعيد العالمي. ولقد أجمل الأستاذ جعفر ابن الحاج السلمي بعضا من معالم هذا البعد في كلمته التقديمية للكتاب، عندما قال: “بين يدي رحلة الهاشمي الناصري الهشتوكي إلى باريز، عام 1344ه/1926م، لحضور افتتاح السلطان المولى يوسف لجامعها العامر. وهو وثيقة نادرة ندرة الوثائق العربية بالنسبة إلى الوثائق الأجنبية، كتبها رجل وسط في الناس، ذو عبارة عامية، كما كان يكون كتاب رجال المخزن في ذلك العصر، ولاسيما في البادية، لم يزر الغرب ولم يتعلم لغاته، ولا قرأ في مدارس الشرق، ولا اطلع على ثمرات مطابعه، ثم تكتب له الأقدار أن يزور هذا الغرب في زيارة رسمية، ينتقل فيها من بلد إلى بلد، ومن عصر إلى عصر، ومن حضارة إلى أخرى…” (ص ص. 7-8).

يتعلق الأمر بنص سردي يستبطن واقع الغرب المتقدم، المزدهر، المتحضر،… في إشارة قوية إلى نزوع المؤلف نحو تجاوز الرؤى التنميطية السابقة التي توارثتها النخب المغربية التقليدية والمحافظة تجاه أوربا الغازية والكافرة والماجنة… ولعل هذا ما اختزل كنهه الأستاذ مصطفى الغاشي ، عندما قال في كلمته التقديمية: “إن الجديد الذي تقدمه الرحلة أنها إطلالة على العالم الجديد (فرنسا/باريس) المتقدم والمتطور والقوي، والممتلئ بالغرائب والعجائب الحديثة، وقد تجلى ذلك في وصفه لمظاهر الحضارة الجديدة وشحن لغته بمفردات فرنسية أدخلها إلى ساحة التداول اللغوي المغربي (الشماندفير، المكينة، الأتيل، الأوطوموبيلات، البوليس، جدارمي، تياترو، الدوزيام،…)… إن التتبع الدقيق لتفاصيل رحلة الهشتوكي تكشف عن قيمة كبيرة لهذا النص في معرض البحث عن معطيات تاريخية تجيب عن الكثير من التساؤلات المرتبطة بالسفر وبظروفه في البحر الأبيض المتوسط وبكيفية تلقي الآخر الأوربي بتفاصيل حياته الناتجة عن الحداثة والتحديث، هذا فضلا عن ذهنية المثقف المغربي والصورة التي أنتجها حول أوربا بدرجات متفاوتة…” (ص. 13).

وبهذه الصفة، فهذا النص يقدم الكثير من الإضاءات التي تكتسي قيمة أكيدة في بحثها عن خبايا تكون التمثلات المتغيرة التي حملتها النخب المخضرمة للعقود الأولى لعهد الحماية بالمغرب، مثيرة الانتباه إلى مظاهر التغير داخل نسق السرد الخاص بهذه التمثلات. لقد انتبه الأستاذ الغاشي كيف أن الهاشمي الهشتوكي لم يشر إلى أي تحفظ أو انتقاد في حق مظاهر المدنية الفرنسية المتنوعة، مثل عادات المجتمع الفرنسي وتقاليده في الملبس والمأكل والمشرب والاختلاط بين الذكور والإناث… ولم يكتف الأستاذ الغاشي  بالتأكيد على هذه الميزة التي قد تبدو متنافرة مع المرجعيات الدينية المحافظة لصاحب الرحلة، لكنها –في الواقع- تكشف عن بداية استيعاب المثقف المخزني لشروط الواقع ولمنطق “الغلبة” وموازين القوى التي أصبحت تتحكم في علاقة المغرب بأوربا، ليس فقط في مجالات التدافع السياسي والعسكري، ولكن في مختلف الامتدادات الحضارية المتداخلة. وتزداد هذه الملاحظة إثارة للانتباه، إذا أخذنا بعين الاعتبار موقع المؤلف نفسه داخل أجهزة الدولة المغربية العتيقة، من موقعه ككاتب للقائد الكندافي، أحد أبرز النماذج المعبرة عن “الظاهرة القائدية” التي راهنت عليها فرنسا في مسار “سياستها الأهلية” الممهدة لمشاريع الهيمنة الاستعمارية المطلقة خلال النصف الأول من القرن 20.

يفتح نص رحلة الهشتوكي، آفاقا رحبة أمام قراءات متجددة بتجدد أسئلة الرحلة وغاياتها وأنساق السرد المعتمدة داخلها، بشكل يساهم في فهم نظيمة التحول في الموقف وفي السلوك الذي طبع أداء النخب المخضرمة لمؤسسة المخزن المغربي التقليدي، جراء صدمة الحماية وارتداداتها العميقة على الرؤى المنغلقة تجاه الذات وتجاه الآخر، وقبل ذلك، تجاه شروط الوعي بالتاريخ وبمنعرجاته الكبرى.

 

أسامة الزكاري

عن Romaisae

شاهد أيضاً

صراع الجسد والروح في قصيدة “لك الملك” للشاعر محمد علي الرباوي

يبلغ الرباوي في التعبير عن استبداد الجسد ذروته في قصيدته “لك الملك”: ما زال بهذا …

الرواية التاريخية الريفية منفي موكادور

ذات يوم تساءل جورجي زيدان حول الرواية التاريخية وقال ما فائدة الرواية إذا لم تضف …

الملكة خناثة (أول عمل روائي مغربي) للسيّدة آمنة عبد الكريم اللّوه 4-4

تقديم: يسرّ هيئة جريدة الشّمال، أن تعيد -من خلال هذه الحلقات- نشر هذا النّص السّردي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: