كتابات في تاريخ منطقة الشمال : “من الحماية إلى الاستقلال “

كتابات في تاريخ منطقة الشمال : ” من الحماية إلى الاستقلال “
جريدة الشمال – أسامة الزكاري (من الحماية إلى الاستقلال )
الخميس 18 فبراير 2016 – 17:14:45

عرفت مناهج البحث التاريخي الوطني المعاصرة طفرات هائلة، ارتقت بها إلى مصاف أكاديمية تأسيسية لتوجهات بديلة، مجددة، جريئة، في اقتحام حقل ألغام ماضينا الجماعي. ويمكن القول إن الجامعة المغربية قد استطاعت تحقيق تراكم متميز، سمح بالانتقال من مستوى الانتشاء بالأرصدة المنجزة في مجال الكتابة التاريخية، إلى مستوى التأصيل العلمي والمنهجي لشروط تحقيق التحولات النوعية التي مست / وتمس صنعة كتابة التاريخ، على مستوى طرق تجميع المواد الوثائقية، وعلى مستوى تصنيف المظان والمواد البيبليوغرافية، وعلى مستوى توسيع مفهوم الوثيقة التاريخية لكي تشمل موادا ” جديدة ” لا عهد للمؤرخ الكلاسيكي الإسطيوغرافي بها. وبموازاة ذلك، كان لابد من تحديث ذهنيات قراءة المتون والوثائق وكل المواد المرجعية، بهدف تنظيم الانفتاح على العوالم الرحبة لحقل ” صنعة ” كتابة التاريخ. ولقد أثمر هذا المنحى، بروز تجارب رائدة في وضع أسس منطلقات بديلة في التأسيس لمعالم مدرسة وطنية تاريخية قائمة الذات، بأعلامها وباجتهاداتها وبرؤاها وبعدتها المنهجية والمفاهيمية، مما أثمر رصيدا ثريا لا شك وأنه يشكل عنوانا لتميز البحث التاريخي المغربي المعاصر داخل محيطه العربي الواسع. ولعل من العناصر الدالة بهذا الخصوص، اكتساب باحثي المرحلة الراهنة عناصر الجرأة الضرورية للتأسيس ” للثورة المزدوجة ” أو ” للنقد المزدوج “، حسب التعبير الأثير للمفكر المغربي الراحل عبد الكبير الخطيبي، تجاه التراث الإسطيوغرافي العربي الإسلامي الكلاسيكي من جهة، ثم تجاه رصيد التراكم الكولونيالي لمرحلة خضوع البلاد للاستعمار الأوربي خلال عقود النصف الأول من القرن 20 من جهة ثانية. وبفضل هذا المنحى، برزت تجارب على تجارب، ورؤى على رؤى، ومبادرات على مبادرات، صنعها باحثون استطاعوا تأثيث معالم هذا الصرح الذي نسميه اليوم ” بالمدرسة التاريخية الوطنية “، صرح أسسته أسماء أضحت تمارس سلطها المرجعية الفكرية على مجمل المشتغلين ” بصنعة ” كتابة التاريخ، أسماء اكتسبت كل عناصر الجرأة لتحديث ذهنيات قراءة الوثائق والمدونات والمصنفات والمخلفات الأركيولوجية والروايات الشفوية والأعمال الإبداعية والتراكمات السلوكية والدينية والحمولات الرمزية، من أجل تحقيق قيمة “الاستقلال ” في نمط الكتابة التاريخية عن كل التوجهات النزوعية، سواء منها المرتبطة بإكراهات الضغط الكولونيالي أم بفورة الاستقلال وبتداعياته المتداخلة والممتدة في الزمن. فمن عبد الله العروي وجرمان عياش ومحمد المنوني ومحمد حجي ومحمد بن عزوز حكيم وإبراهيم بوطالب ومحمد زنيبر، ومرورا بأحمد التوفيق وعبد الرحمان المودن وخالد بن الصغير وعبد العزيز خلوق التمسماني ومحمد الأمين البزاز وإبراهيم ياسين وجامع بيضا وعبد المجيد القدوري، وانتهاءا بأسماء غزيرة مجددة مما لا يسع المجال لاستعراضها جميعا في هذا المقام، تنهض مشاريع البحث القطاعي والمونوغرافي الوطني المعاصر، لتعطيه قوته الإجرائية في اقتحام حقول ألغام الذاكرة المشتركة لمغاربة الأمس واليوم.

ومن بين أهم القضايا التي نالت اهتماما خاصا في انشغالات النخب المؤسسة لهذا التوجه، تلك المرتبطة بقضية ” التحقيب التاريخي ” وانعكاساته البنيوية على نظيمة الكتابة ونسق الاشتغال لدى المتخصصين. فكان لابد من استثمار أرقى النتائج التي تم تحقيقها – منهجيا ومعرفيا – على الصعيد العالمي، مع المبادرة بمغربة هذه النتائج وتكييفها مع ضرورات استثمارها في دراسة الحالة المغربية. وعلى رأس المفاهيم المهيكلة لقضية ” التحقيب التاريخي ” التي أصبح المؤرخون يوظفونها في أعمالهم القطاعية وفي تصنيفاتهم المنهجية، تلك المرتبطة بما أصبح يعرف اليوم ” بتاريخ الراهن ” أو ” تاريخ الزمن الراهن ” أو التاريخ الآني “. وهي كلها تعابير للدلالة على الاستثمار الدقيق لنتائج أرقى الاجتهادات الإبستيمولوجية والمعرفية لخصوبة عطاء حقل علم التاريخ ولأدواته الإجرائية في التحقيب وفي التصنيف وفي تجميع المظان وفي تحليلها وإعادة تركيب الوقائع واستثمارها. وبموازاة مع هذا المسعى، سعى مؤرخو المرحلة إلى تحقيق تراكم نظري يمكن أن يؤسس لمعالم وضع إطار فكري لرسم الضوابط العلمية الضرورية لتنظيم الاشتغال في هذا المجال.

في سياق هذا التطور العام، يندرج صدور كتاب ” من الحماية إلى الاستقلال – إشكالية الزمن الراهن “، خلال سنة 2006، ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، في شكل عمل تجميعي كتبت مواده باللغتين العربية والفرنسية في ما مجموعه 278 من الصفحات ذات الحجم الكبير. وقد سعت مجمل المداخلات إلى تقديم خلاصة نتائج البحث المسترسل في قضايا الزمن الراهن، من خلال مساءلة رصيد المنجز الوطني في علاقته بما تحقق في جهات أخرى من العالم، وخاصة بأوربا وبتونس. وقد أبرز الأستاذ محمد كنبيب الذي أشرف على تنسيق مواد الكتاب، السياق العام لهذا الإصدار، عندما قال في كلمته التقديمية : ” احتدم جدال قوي حول علاقة المؤرخين وتعاملهم مع الحقب الزمنية القريبة منا، أو ما يصطلح عليه بالتاريخ الراهن والمباشر. ذلك أن وسائل الإعلام، سواء منها الصحافة المكتوبة أو الوسائل السمعية البصرية، أصبحت تنافس المؤرخ بشكل شديد على هذا المستوى، ولا تتردد في مناقشة قضايا وتقديم ملفات لا يتجرأ الباحث المتخصص على الخوض فيها، بسبب حساسيتها البالغة وغياب المصادر الكلاسيكية الموثوقة التي اعتاد التنقيب فيها والاعتماد عليها. إن هاته الإشكالية ملفتة للنظر بشكل أكبر في السياق المغربي، مرد ذلك أساسا إلى مميزات ونوعية البحث التاريخي. في الجامعة المغربية، وطبيعة التراكمات المنجزة منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات. ففيما يخص الفترة المعاصرة بالذات، فإن هاته التراكمات على اختلاف قيمتها العلمية، قد أسهمت بشكل وافر في تعميق دراسة ومعرفة مختلف التطورات التي مر بها المغرب خلال القرن التاسع عشر، بما فيها التحولات التي مست الدولة والاقتصاد والمجتمع. غير أن توقف معظم الباحثين عند حدود سنة 1912، وشبه نفورهم من المراحل الموالية لاعتبارات موضوعية وذاتية، أثر سلبا على حصيلة الدراسات الخاصة بفترة الحماية ( 1912 – 1956 )، وحقبة ما بعد استرجاع البلاد لاستقلالها … ” ( ص. 6 ).

لذلك، كان لابد من الإقدام على اختراق طلاسم المجهول ” المعاش “، ليس بهدف استغلاله كآلية للتدافع المرحلي الذي يطغى على الساحة السياسية الوطنية الراهنة، ولكن – أساسا – بهدف وضع قواعد علمية أصيلة لفهم حقيقة ما وقع / وما يقع من تطورات ومن تداعيات لابد من الاعتراف أننا غير قادرين على فهم تفاصيلها، محركاتها، بنياتها، مرجعياتها، امتداداتها … ولقد ساهمت مداخلات الكتاب في وضع الأرضية العامة للاشتغال بهذا الخصوص، من خلال الجمع بين القواعد العلمية التأصيلية من جهة، ثم من خلال التعريف بتجارب موزعة اشتغلت على الموضوع سواء بالمنطقة الخليفية أو السلطانية من المغرب أم من خارج البلاد من جهة ثانية. يتعلق الأمر بأعمال كل من محمد كنبيب ويوسف أكمير ومحمد أمطاط وعبد الحي المودن وجامع بيضا وعبد الأحد السبتي ودانييل ريفي وبيير فيرمرين ومصطفى القادري وكريستيل طارو ومحمد العيادي وبنجامين ستورا ونيلسيا ديلانوي ومصطفى الحساني الإدريسي وفيصل الشريف وبشير اليزيدي ومحمد الحاقتمي.

هي دراسات استثمرت ممكنات المرحلة، ووظفت حالة العودة الجماعية لمغاربة الزمن الراهن للتصالح مع ذاكرتهم المشتركة، من أجل اختراق الطابوهات التي ظلت تكبل يد الباحث المتخصص وتلجم صوته النقدي التفكيكي. فمع سعي المغرب الرسمي إلى الطي النهائي لصفحات ” زمن الرصاص “، ومع التراكم الهام لتجربة ” هيئة الإنصاف والمصالحة “، ومع تزايد الوعي بأهمية الجهد التنقيبي والتظيري لفتح كل الملفات، نعم كل ملفات الزمن الراهن، لكل ذلك، اتضح أن المؤرخ المغربي قد بدأ يتحرر من سلط الأموات وجبروت الإكراه، من أجل اكتساب إواليات فهم المرحلة واستيعاب شروط تفكيك مكونات نظيمتها في أفق استثمارها واستيعابها..

عن admin

شاهد أيضاً

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

قراءة في  المجموعة الشعرية : “الشرفة 48” للشاعر الإعلامي شكري البكري

قراءة في  المجموعة الشعرية :الشرفة 48 للشاعر الإعلامي شكري البكري   كم من طريق   سَيَلْزَمنا …

%d مدونون معجبون بهذه: