نزار قباني في مدينة القصر الكبير من الأندلس إلى أبيدوم نوفوم

نزار قباني في مدينة القصر الكبير من الأندلس إلى أبيدوم نوفوم

جريدة الشمال –  عبد القادر الغزاوي
الثلاثاء 22 نوفمبر 2016 – 16:50:52

يوم 28 نونبر 2016م تحل الذكرى 51 لزيارة الشاعر السوري الراحل نزار قباني  ( 1923 – 1998 م) لمدينة القصر الكبير سنة 1965م، قد لا تعني هذه السنة النزارية شيئا بالنسبة لباقي المدن المغربية، بيد أنها تعني الكثير للقصريين، لأنها تذكرهم بالزمن الجميل الذي أتاح لهم أن يستقبلوا الشاعر السوري الكبير نزار قباني في مدينتهم، ويتقاسموا معه باقة من أحلى أشعاره، التي ما تزال تسكن فضاءات حي السويقة بالمدينة.

حيث باستدعاء من اتحاد كتاب المغرب زار المغرب الشاعر نزار قباني، وقد كانت مدينة القصر الكبير من بين المدن التي زارها. حيث لقيت ندوات ومحاضرات الشاعر السوري الكبير إقبالا عظيما في كل مدينة من مدن المغرب التي زارها. وجاء في مجلة  “دعوة الحق” ( العدد2 السنة 9 ) ، التي أوردت خبر زيارة الشاعر نزار قباني المغرب بدعوة من اتحاد كتاب المغرب  للتعرف عليه والاطلاع على نشاطه الفكري والثقافي، فنقرأ: (… خلال زيارته له قام بإلقاء عدة محاضرات، كما أنشد بعض قصائده في كبريات المدن المغربية، وقد كان الشاعر محل حفاوة وتكريم من لدن الهيآت الفكرية في المغرب) (1) .

في هذه السنة سيتلقى نزار قباني دعوة لزيارة مدينة القصر الكبير وإلقاء شعره بين جمهورها، من طرف جمعية “أصدقاء ابن حزم”، التي كانت من أنشط الجمعيات الثقافية بالمدينة آنذاك، وبتنسيق مع اتحاد كتاب المغرب، الذي كان يرأسه المرحوم محمد عزيز الحبابي (1922- 1993م ).

nizar_kabbani.ksar_el_kebir600.jpg

وقد حطَّ رحاله في مدينة القصر الكبير أبيدوم نوفودوم  يوم 28 نونبر سنة 1965م، قادما إليها من الأندلس (إسبانيا)، حيث كان يعمل في الحقل الدبلوماسي، ليؤشر بحضوره الشخصي، وبهاء شعره على حدث ثقافي كبير ما تزال أصداؤه ترن في ذاكرة النخب الثقافية القصرية.
 
منذ وطَأَ ثرى المدينة، يوم الأحد 28 نونبر سنة  1965م ، ونزار قباني يحظى بسيل من الحفاوة والاحتضان والمحبة وباهتمام واسع، وباستقبال حار.

حيث نظمت له أمسية شعرية باذخة بمسرح سينما بيريس كالدوس (نسبة إلى الكاتب الإسباني الشهير بينيطو بيريس كالدوس : 10/05/1843- 04/01/1920م.) في حي السويقة، ( تحول هذا الفضاء العريق فيما بعد، إلى مقهى ومتاجر ودور للسكنى).

وقام الشاعر محمد الصادق الشاوي في بداية هذه الأمسية النزارية التاريخية بتقديم الشاعر الكبير الضيف نزار قباني للجمهور الحاضر، بكلمة ترحيب تقول : ( ليس لي ما أستطيع أن أقدم به إليكم الشاعر الكبير الأخ نزار قباني سوى بيت شعر لا زال في المخاض:

” خلعت عليك حياء الأفكار × وفخار شعر العصر أنت نزار” . (2).

تم ألقى قصيدة تحمل عنوان ” قيثارة الحر”، وهي قصيدة رائعة وجميلة، وأنها لم تنشر قط،، وقد زودني بها الشاعر نفسه، يقول في مطلعها (3): 

يا حياة الحر يا قيثارتي

مزقي الحجب وعري ذلتي

إن في الدرب لقيدا نتنا

يصم القلب ويدمي شفتي

وفؤادي، دمدمات ولظى

يتحدى العقبات الصلدة

   
 
ومن القصائد التي ألقيت في الأمسية الشعرية كذلك، قصيدة ” من أجل عينيك”، للشاعر جعفر الناصري، يقول في أولها (4) :

 من أجل عينيك

كتبت أشعاري

حركت أوتاري

قصائد سمرا


 

 وبعدها أتاح للجمهور الحاضر فرصة لقائه والاستماع إليه مباشرة، حيث حبس الجمهور الذي اكتظت به قاعة المسرح – من شعراء وأدباء وأساتذة وطلبة وتلاميذ وغيرهم- أنفاسه ليصغى لصوت وإحساس نزار قباني الذي تدفق مثل نهر، وهو يقرأ بصوته الدافئ – بإلقائه الساحر- مختارات من شعره في الحب والمرأة والقومية العربية. ولنزار قباني طريقة خاصة به في إلقاء أشعاره، حيث جاء في كتاب  ” أيظن وأخواتها “: (..وحين كان نزار قباني يلقي قصائده بنفسه تحس أنك تسمع إلى مغني، وحين يسكت تقول (هل راح المغني) (5). وكما قال نزار قباني : ( إن قدر القصيدة أن تقال وتسمع) وقال أيضا: ( إن كتابة الشعر عذاب جميل، أما قراءته فعذاب أجمل)، (6).


وأعود بذاكرتي إلى الوراء إلى سنة 1965م، وأستحضر –وأنا مازلت تلميذا في ثانوية المعهد المحمدي، كيف كنت حاضرا في هذه الأمسية ضمن جماعة من تلاميذ الثانوية الذين أسعفهم حظهم بالوجود في هذا الحدث الثقافي التاريخي النادر، والمشاركة في التنظيم والاستقبال. ومنهم الروائي محمد الهرادي (الذي عرف أثناء دراسته بجودة الخط مما رشحه للمشاركة في كتابة اللافتات التي علقت بمسرح بيريس كالدوس بمناسبة زيارة الشاعر السوري الكبير نزار قباني لمدينة القصر الكبير). (7).
 
 قضى نزار قباني يومه الجميل والشعري بالمدينة، وأقام في دار الباشا الملالي. كان برنامج زيارته مشحونا، حيث جالس مثقفي المدينة وعشاق شعره ، كما قام بجولات في شوارع المدينة، خاصة شارع مولاي علي بوغالب، وعبر عن إعجابه بفضاء القصر الكبير، خاصة لياليها الساهرة المضخة بروائح الياسمين، التي يعشقها وتحضر في شعره بكثرة   ( للياسمين حقوق في منازلنا … )

(8). وأخذت له مجموعة من الصور التذكارية مع بعض المثقفين وعشاق شعره، لتخليد هذا الحدث الثقافي الكبير. وحين رحل عن المدينة، ترك وراءه قوله الجميل “وأجمل ما في القصر ليله”. حسب ما هو متداول بين أبناء المدينة.

ولد نزار قباني يوم 21/03/1923م بالعاصمة السورية دمشق، ووافته المنية في العاصمة البريطانية لندن يوم 30/04/1998، عن سن يناهز 75 عاما، حيث قضى منها أكثر من خمسين عاماً في إبداع أشعار الغزل والسياسة. كان يشتغل في السلك الدبلوماسي السوري،الذي انضم إليه سنة 1945م. واستقال منه سنة 1966.  فتفرغ للكتابة والإبداع في الشعر والنثر. أسس دارا للنشر في بيروت تحمل إسم (منشورات نزار قباني)، خاصة بأعماله وإنتاجاته الفكرية. يقول عنها : ” دار النشر التي أنشأتها حولت أثاثها وجدرانها إلى شعر” (9).

ألف عددا كبيرا من الدواوين الشعرية ومن الكتب النثرية، وجمعت أشعاره في أعمال كاملة طبعت عدة طبعات مختلفة، وترجمت أشعاره إلى عدة لغات عالمية، كما صدرت مجموعة من الكتابات النقدية والتحليلية لشعره، والعديد من الكتب والدراسات عن تجربته الشعرية المتفردة،. ضمنها كتاب أصدرته سنة 2009م بعنوان ” أيظن وأخواتها ” يحتوي بين دفتيه على أحلى قصائده المغناة من قبل مطربين مغاربة وعرب.

 رحل عنا  الشاعر نزار قباني، وبرحيله يكون نجم شعري متفرد قد هوى، فمن كان يعشق نزار قباني ، فإن نزار قد مات، ومن كان يعشق شعره، فإن شعره لم يمت ، فهو حي في ديوان الشعر العربي، وفي ذاكرة محبيه وتلاميذ ته. حيث لم يبق منه إلا شعره المتميزوالرائع، فاستطاع بشعره أن يحقق خلودا في عالم الأدب والشعر، فافتحوا دواوين نزار قباني فإن لكم ما أردتم، وإن لمن شعره متعة، وأن أشعاره من الباقيات الخالدات. وسجلوا هذه السنة النزارية في سجلات تاريخ المدينة للذكرى، (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين). (10).

المراجع:
1مجلة دعوة الاحق : العدد 2 السنة 9. 1965م.
2 محمد الصادق الشاوي: وثائق خاصة : القصائد.
3 محمد الصادق الشاوي: وثائق خاصة : القصائد.
4مجلة آفاق : الأعداد : 1و2 (عدد مزدوج) . و3 ,4. السنة 1965م.
5عبد القادر الغزاوي : كتاب أيظن وأخواتها. الطبعة الأولى السنة 1999م. الصفحتان 14و15 .
6نزار قباني : ديوان الشعر قنديل أخضر.
7بوسلهام المحمدي : كتــاب أدباء ومفكرو القصر الكبير المعـاصــرون بحـــث وتراجــم،
الطبعة الأولى السنة 2008 م، الصفحة 169.

8نزار قباني : قصيدة القصيدة الدمشقية.
9نزار قباني : كتاب عن الشعر والجنس والثورة. الصفحة 44. الطبعة الثانية السنة 1972م.
10الآية رقم 55، سورة الذاريات.
11–  نزار قباني : الدواوين .
 

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

عن admin

شاهد أيضاً

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

قراءة في  المجموعة الشعرية : “الشرفة 48” للشاعر الإعلامي شكري البكري

قراءة في  المجموعة الشعرية :الشرفة 48 للشاعر الإعلامي شكري البكري   كم من طريق   سَيَلْزَمنا …

%d مدونون معجبون بهذه: