الثلاثاء , 29 سبتمبر 2020

…وهو يُجْهِدُ قلمه غايةَ الجُهْد.

…وهو يُجْهِدُ قلمه غايةَ الجُهْد.

جريدة الشمال –  عبد المجيد الإدريسي
الخميس 10 نوفمبر  2016 – 16:47:38

…حظيَ الصالون الأدبي لنادي الاتحاد باستضافة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بودرع ، أستاذ لسانيات النص و تحليل الخطاب ، وهو عالِمٌ جليل وقد أتحفنا بعلمه الغزير ليَنْقلِبَ ثِقَلُ معاني لغة البيان إلى مباني الفكر الأكاديمي ، من مَعين العِرفان الذي يعتمِدُ العقل و الحداثة . إذ ليس العلم ما حُفِظ و إنما العلم ما نفع . وقد ألقى على مسامِع الحضور الوازن أفانين البديع التي توشي بأدب واسع الأفُق . وهو يغوص في علم اللسانيات في بحار لغة الضاد .

التجارب في الرحلة الحجازية ، موضوع المحاضرة ، وهي فنٌّ من  فنون الكتابة في آداب الرحلة . إذ دأب بعض العلماء و الأدباء تدوين رحلاتهم إلى بيت الله الحرام . من بينهم مصطفى صادق الرافعي الذي قضى نحبه بمكة المكرّمة ، حيث جاء ذلك في كتابه ” السحاب الأحمر”  في فصله الثامن وهو يذكرُ الصداقة المتينة التي جمعته بالشيخ أحمد الرافعي بْنُ عمِّه و صديق نشأته و شبابه و خال أولاده ، قائلا : الصداقة منزلتان ، الصبرُ على الصديق حين يَغلُبُه طبعُه فيسيء إليك ، ثمَّ صبرُك على هذا الصبر حين تُغالِبُ طبعك لكيْلا تسيء إليه . ألف أيضا في آداب الرحلة إلى الحجاز الفقيه العلامة محمد الأمين بوخبزة ، والمديني وأبوبكر القادري ، والدكتور عبد الرحمن بودرع و غيرهم كثر .

 انتقل المحاضر بمعية الرَكب من البيضاء عبر الجوِّ إلى أنْ حَطتْ الطائرة بمطار قاهرة المعِزِّ لدين الله الفاطمي . دور بلاد الكنانة الرائد زمانئذ بالنسبة للحججيج القادمين من الأندلس و الغرب الإفريقي بقوافلهم. ثمَّ في اتجاه جدَّة و عند مرور الطائرة فوق الميقات أحرم الحجاج ، فإذا بالحاج يشعر بإحساس من اندماجه في عالم مجرَّد من الهوى و النفس الأمارة ، إلى المطمئنة و التذلل إلى الخالق . بوصف مهيب يعبِّرُ عما تسطع به أنوار مكة المكرَّمة و الكعبة المشرفة و مقامها من البيت المعْمور، عند رؤيتها . و عمّا يختلج صدر المعتمِر و الحاج من الإحساس بالأمن و الإيمان الصادق بين يدَي الله ، أقدم العبد على نسك العُمْرَة بأشواطها السبعة ، بدْءاً من الحجر الأسود فالملتَزَم إلى حجر إسماعيل ، ثمَّ الحجر الأسود على قدر الأشواط إلى نهايتها ، و لسانه رَطْبٌ بذكر الله . تأتي على الفور رُكْعَتيْ بمقام إبراهيم و الارتواء بماء زمزم وهو الطعام و لِما شُرِبَ له . أعقبتها شعيرة الصفا و المرْوَة و استحضار السيدة هاجر زوجة ابراهيم و أمُّ إسماعيل عليهما السلام . وقد أنعم الله عليها بماء زمزم (في واد غير ذي زرع عند بيتك المُحَرَّم) ، ثمَّ الحلق للمُعْتمِر مع المُقصِّرين . تلك هي حلاوة الإيمان بالواحد الأحد .    لقول رسول الله –صلعم- إنَّكِ لأحبّ البقاع إلى الله و أحبّ منكِ إليَّ .

dr._boudraa.jpgالقيمة العلمية في المُجاورة و النزول إلى الجوار الشريف. عندما يترُك الإنسان المادة الفانِية في دُنيا الناس وراء ظهره ، يسمو بالرُّوح إلى ملكوت خالِقِه . ينتقي الكاتب لؤلؤ اللفظ  لوصف شعور المؤمن أثناء الطواف وَيْكأنَّهُ كوكب يسبح حوْل الشمس. وَكأنِّي به أستحضر قول أحد علماء الغرب الإخصائيين في علم الأجنَّة ، وهو يشرح نتائج بحوثه المَعْمَلِيَة: إنَّ الحيوانات المَنَويَة عند اقترابها و اختراق إحداها  لبُوَيْضَة الأنْثى من أجل الخُصوبة ، تبدأ دَوَرانها حوْلها يسارا كأشواط الحجّ و الاعتمار حول الكعبة .   
لا يألو جهدا المحاضر عن وصف أمِّ القرى بأجمل حُلة لعظمة المكان و بدعاء سيدنا إبراهيم إذ يطغى على ذاكرته (فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم و ارزُقهم من الثمرات لعلهم يشكرون –صدق الله العظيم –الآية 37سورة إبراهيم ). و يذكر ما جاء به كتاب ” نفح الطيب”. إنَّ مكة ليس لها مثيل على وجه الأرض، تأوي كل أجناس الأرض من بني البشر من العرب و العجم ، بلغات و ثقافات متعدِّدَة . هي لا يَغمَضُ لها جفن ليل نهار.
و كيف أنَّ طبيعتها الصخرية اسْتنْبِتثتْ عليها زرابيُ خضراء من البساتين مساكنة آمنة للطيور. حتى يقِفَ العالِمُ إزاء كتاب ناذر مضى يُفتِّشُ عنه عدة سنين و يسجد لله ، تحسَبُه يسجد للكتاب .

كلّ من حجَّ البيت أو اعتمر يجتهد في التنقيب عن شهد الكلام في دواخِلِ وِجْدانِه للتعبير عن روائع جمال المقام ، وقد يَتتعْتعُ لسانه في حضرة البيت العتيق . إنْ هي إلا شعور جياشة تنهمِرُ العبرات عند المشاعر ، للآلآء التي حبا الله بها أمّ القرى . تقشعِرُّ الجلود و تخشع القلوب و الأصوات للرحمن ، عند مشعر عرفة و الاتجاه نحو جبل الرحمة في ازدحام شديد ، و الأصوات تناجي ربَّها بدُعاء سؤاله المغفرة و الرحمة . أداء صلاتَيْ الظهر و العصر جمع تقصير و تقديم بأذان واحد و إقامتين . خطبة عرفات و ما أدراكما خطبة الوداع لرسول لله –صلعم- ( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا ) ، فلا أحد يستطيع و الدموع تذرف من عينيْه أنْ يتوقف عن ذكر الله جلَّ و علا . إلى غاية مغرب شمس التاسع من ذي الحجة و التوسل و التذلل إلى الخالق يزداد شوقا و إلحاحا ( إنَّ الله يُحِبَّ العبد الملحاح ) . مزدلفة بعدها تفتح ذراعيها للحجيج لأءداء صلاتيْ المغرب و العشاء جمع تقصير . هنا تُجْمَعُ الحصيات و المبيت بها على سنة المصطفى –صلعم- إذ لم يستطع المحاضر و الرَكب المبيت إلا على متن الحافلة .

بصُحْبة الدكتور محمد الحبيب الهيلة توجه المحاضر إلى رمْيِ العقبة و الغسل و التحلُّل الاصغر . فتوجها بعد ذلك إلى طواف الإفاضة   في منتصف الليل لعلى الازحام يكون قد خفّ . مشيا على الأقدام ، يذكر المحاضر أنَّ رفيقه التونسي الحبيب الهيلة ، يروي للرَكب تاريخ و قصَّة المعالم التي اندثرتْ . متحديان الازدحام في الأنفاق إلى أنْ وصلا مع الركب الذي كان يرأسه الدكتور حسن الوراكلي ، إلى ركن طواف الإفاضة . مرَّت أشواط هذا الركن في يسر ، أعقبه رُكعتيْ مقام إبراهيم ثمَّ ماء زمزم فالصفا و المرْوَة من شعائر الله . عودة الركب بعدها إلى منى في أيام التشريق لرمي الجمرات . فعليكم عباد الله بالدعاء ، قالها الصادق المصدوق ، مالم يدْعُ بإثم أو بقطع رحِم . يشرح المحاضر الغاية الزمانية و المكانية الشرطية عند الانتهاء إلى المسجد الأقصى ، لا يتحقق إلا بالانطلاق من المسجد الحرام و المرور منه إلى الأقصى المُبارك .

يروي الكاتب حالة احتضار التراث المعماري الإسلامي من أجل توسعة الحرم المكي ، بطغيان المعمار الغربي ، كحصان ” طروادة ” أجهش على أماكن تاريخية ، فقام بهدم أهمِّ مآثر الصحابة ، منها مسكن أمُّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، و مساكن أصحاب رسول لله –صلعم-  و يُتخوَّفُ على مقرِّ مولد النبي الذي تحوَّل إلى مكتبة بجوار البيت ، وهي ذاكرة الأمة الإسلامية . على حذِّ قول عبد الله بن عمرو : إذا رأيتَ قريشا قد هدَّموا البيت ثمَّ بنوْهُ فزوَّقوه ، فإنْ استطعتَ أنْ تموت ، فمُتْ . و يذكر كراهة رفع البناء على البيت و الكعبة لقول بن رُشد و الإمام مالك . مستدلا ببعض المصادر لأبي الحسن علي الحسن الندْوي في كتاب ” الأركان الأربعة ” ، و الطريق إلى الإسلام نقله محمد أسد إلى العربية . و يذكر صفة الإيثار عند تجار مكة و المدينة . مدينة رسول لله – صلعم – و زيارة مسجد المختار و نِعْم المختار و الصلاة به ثمَّ السلام عليه و على صاحبيْه .

و إنَّهُ لنافِعٌ لِمنْ يُقدِّرُ محمدا و ليس بنافع لمحمد أنْ يُقدِّروه . و ليس في المسلمين كابِرٌ ، فمنِ تواضعَ لله رَفعه ….

Enregistrer

Enregistrer

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الشاعر والناقد عبدالجواد الخنيفي

اللّغة الشعريّة تنطوي على تشعّب المواقف والعواطف .. اللّغة الشعريّة لها القدرة على النّفاذ إلى …

ثريا جبران.. ثريا المسرح المغربي

بقلم ادريس الروخ   لم تلقب ثريا جبران بهذا اللقب ( ثريا المسرح المغربي ) …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

%d مدونون معجبون بهذه: