الثلاثاء , 29 سبتمبر 2020

2 -ملامح من التواجد التركي في تطوان منذ مطلع العصر الحديث إلى نهاية القرن التاسع عشر

2 -ملامح من التواجد التركي في تطوان منذ مطلع العصر الحديث إلى نهاية القرن التاسع عشر
جريدة الشمال – ذ.بلال الداهية ( ‹‹ التواجد التركي في تطوان(2)›› )
الإثنين 09 نوفمبر 2015 – 12:10:58
تقديم:
صدرَ لنا في شهر يونيو الأخير عن “باب الحكمة” بتطوان مؤلف جديد عنوانه “دراسات في تاريخ الشام ومصر في العهد العثماني”، وما إن انتشر الخبر بين معارفنا وأصدقائنا، حتى انهالت الكثير من عبارات التهنئة علينا، ودائما ما تلتها عبارة: “العثمانيون لم يدخلوا المغرب نهائيا”.
لقد استوى معظم المثقفين ومعهم محدودو الثقافة في إطلاق هذه العبارة بمجرد سماعهم أو رؤيتهم لعنوان الإصدار الجديد، لدرجة أنني اعتقدت فعلا أن القارئ المغربي لا يعرف عن الدولة العثمانية التي كانت ترتجف لها أوروبا بأكملها، سوى أنها لم تدخل المغرب “المقاوم والممانع” آنذاك، وسوى ما يتردد في بعض المحطات الإعلامية من صور مشوهة عن تاريخ إحدى أعظم الدولة التي عرفها تاريخ البشرية.

أذكر وأنا تلميذ في المرحلتين الإعدادية والثانوية كيف أننا سمعنا مرارا من أساتذتنا نفس تلك العبارة، التي يستفاد منها أن العثمانيين لم يكونوا سوى طامعين في حكم المغرب، ولكن بما أن هذا الأخير كان آنذاك قويا جدا، فقد تصدى لكل محاولاتهم اليائسة، ثم بدأْتُ أكبر شيئا فشيئا، لأكتشف أن أسرتي تنحدر من سلالة تركية عاشت في الشام ومصر لقرون ثم خرج فرد منها فارا نحو المغرب قبل ثلاث قرون ونصف ليؤسس أسرة مغربية نسيت تماما أصولها المشرقية مع مرور الزمان وتقادم العصور.

وحينما كنت أقوم في سنة 2014 بجولات في منطقة بني حزمار وفي العدوة اليمنىلوادي مرتين التاريخي، وقفت على عدة شواهد على وجود الأتراك في المنطقة، وعلى ارتباط الوادي بالمجاهدين الأتراك الذين شاركوا في عمليات الجهاد البحري إلى جانب أهل تطوان ضد الكثير من الأساطيل الأوروبية العابرة لمضيق جبل طارق. ولا يخفى على كل تطواني أن هذه المدينة جمعت طيلة تاريخها منذ تجديد بنائها على يد أبي الحسن المنظري ثقافات متنوعة أندلسية وجبلية وريفية وتركية وعملت على إذابتها في بوثقة واحدة أثمرت في النهاية تلك الخصوصية الحضارية التي تمتاز وتتفرد بها تطوان عن سائر البلاد.

وهذا المقال الصغير هو محاولة أولية لتجميع بعض المعطيات المصدرية أو الميدانية حول التواجد التركي في تطوان، وهي معطيات قليلة ومحدودة جدا، ولكنها في نفس الوقت تفتح الباب لمن شاء أن يقتحم هذا الميدان الوعر ليميط اللثام عن ماض بدأ يتعرض للطمس والتشويه مع تغير الملامح الحضارية والخصوصيات المميزة لكل مدينة على حدة.

سيتناول المقال في البداية موقف العثمانيين من المسألة الأندلسية على اعتبار أن الأندلسيين هم الذين جددوا بناء تطوان، ثم بعض الشواهد على وجود نشاط بحري عثماني في مرسى تطوان خلال بداية العصر الحديث، ثم تطورات هذا النشاط في عصر آل النقسيس، مع التطرق إلى بعض الإشارات الواردة في المصادر عن تواجد الأتراك في تطوان خلال العصر العلوي، وإلى إدخال التجار التطوانيين ظاهرة الرقيق الأبيض المشرقي إلى المغرب خلال القرن التاسع عشر.


شذرات متفرقة عن التواجد التركي بتطوان خلال العصر العلوي:
في منتصف القرن السابع عشر الميلادي فقدت تطوان استقلاليتها وتوحد المغرب تحت حكم الأسرة العلوية، وانقرض حكم آل النقسيس بتطوان. ومع توطيد دعائم الحكم العلوي في عهد السلطان إسماعيل بدأت أخبار الرياس الأتراك تقل شيئا فشيئا من المصادر، ولا نجد ضمنها سوى إشارات قليلة جدا.
وقد وردت إشارة في رحلة جيرمان مويتGermain Mouette إلى وجود قراصنة أتراك في تطوان خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، وكان هؤلاء القراصنة يجندون حراسا يقيمون في الأبراج المطلة على شاطئ مرتين يعلمونهم كلما لاحت لهم سفن مارة على الساحل وذلك عبر إيقاد النار في البروج التي تسمى “الطالعات” بقصد حمل السلاح والخروج إلى البحر لاعتراضها)32(.

وبسبب المشاكل التي عانى منها المغرب منذ نهاية العهد الإسماعيلي، فإن أخبار الجهاد البحري بتطوان تقل كثيرا، وتطغى عليها أخبار الصراعات المحلية بين السلطة المركزية المنقسمة بين أبناء إسماعيل من جهة، وبين أسرة آل الحمامي الريفية التي حكمت الجزء الشمالي من المغرب بأكمله من جهة أخرى، والتي عارضتها الكثير من القوى المحلية في تطوان كأسرة “لوقش”، ما كان سببا في نشوب عدة معارك بين جيش الباشا أحمد بن علي الريفي وخصومه من أهل تطوان، أبرزها معركة “عيطة السبت”. كما أن انتقال زمام المبادرة السياسية من تطوان إلى طنجة بعد تحريرها سنة 1684 أضعف من إمكانيات تطوان.

ويبدو أن النشاط البحري في تطوان استلمه أبناء المدينة بشكل شبه كامل، خصوصا وأن مطلع القرن الثامن عشر يمثل انحسار نفوذ البحرية العثمانية بالجزائر في غرب المتوسط)33(، بعد انهيار حكم آغاوات الانكشارية، وتعويضهم ب”الدايات” منذ سنة 1671.

ولعل ما يمكن تسجيله أن النشاط التركي في تطوان عاد بشكل محدود مع عودة الاستقرار إلى المغرب في عهد السلطان محمد بن عبد الله بن إسماعيل، الذي وصل إلى الحكم سنة 1757، وفي إطار العلاقة الجيدة التي ربطته بالدولة العثمانية في المشرق، فقد استقدم عدة مهندسين أتراك مختصين في صناعة القنابل ووزعهم على بعض المدن، وذهب معظمهم إلى تطوان حيث قاموا بتأسيس “دار البنب” أي مصنع القنابل سنة 1181 هـ/ 1767م.)34(وقد احتفظ لنا مستفاد مرسى تطوان سنة 1797 بأسماء بعض الرياس و”المعلمين” الأتراك الموجودين بالمدينة ك”مصطفى الطرابلسي” و”الحاج مصطفى التركي” و”الحاج مصطفى البنباجي”)35(…

وأثناء زيارته لتطوان في يوليوز من سنة 1791، أشار الرحالة البولوني يان بوتوتسكيJan Potocki في معرض حديثه عن نزهته في غرسة الحاج عبد الكريم راغونالتطواني التي يرجح أنها نفس “غرسة راغون” التي وجدت بمشرع “أبي قديرة” من مدشر “كيتان” بمقدمة جبال بني حزمار، عن استعمال الحاضرين اللغة الإسبانية والتركية في حديثهم)36(، مما يدل على أن الكلام بالتركية في المجتمع التطواني كان ساري المفعول. ويخبرنا بعد ذلك عن مأدبة غذائية تطوانية في نفس الغرسة المذكورة قدمت فيها أربع أو خمس وصفات من المطبخ التركي)37(.

ومن بين كل المغاربة اختار العديد من السلاطين العلويين أهل تطوان ليكونوا سفراء ورسل نحو الدولة العثمانية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على كون التطوانيين أكثر من ربطتهم علاقات سواء تجارية أو بشرية أو اجتماعية مع العثمانيين، ومن النماذج التي تؤكد هذه الظاهرة: سفارتا عبد الكريم راغونالتطواني)38(نحو الدولة العثمانية سنتي 1765 و1766، وبعده عبد الله العونيالتطواني)39(، والحاج محمد الرزينيالتطواني)40(الذي سافر مرارا نحو اسطنبول والشام، وعمل كذلك وكيلا للمغاربة المقيمين في مصر… ولا ينبغي كذلك أن نغفل ذكر الحاج عبد الكريم بريشة التطواني)41(الذي سافر أيضا نحو الأستانة والشام والقاهرة وأدى مناسك الحج… وباشا تطوان أحمد بن عبد الكريم الحداد الذي تاجر في الحلي والعطور ببلاد الشام والجزائر)42(.

وقد عثرنا على وثيقة قديمة في ملكية أسرة “العراب” في مدينة طرابلس اللبنانية تثبت أن هذه الأسرة تنحدر من سلالة بحار تطواني هاجر على متن سفينة عثمانية تعرضت للقرصنة الفرنسية في المتوسط، ثم تمكنت من الإفلات والنزول بصيدا حيث شرعت في أعمال انتقامية ضد الفرنسيين، وكانت السفينة تضم قراصنة تطوانيينوسلاويين وجزائريين وتونسيين، وكان متزعم التطوانيين الرايس عبد العزيز أعراب التطواني الذي انحدرت منه الأسرة المذكورة أعلاه، وسيتم نشر هذه الوثيقة المؤرخة بسنة 1764 في عمل جديد لنا قيد الإنجاز)43(.

وقد أصيب النشاط البحري بتطوان بضربة موجعة بعد توقيع المعاهدة المغربية الإسبانية سنة 1799، ومع بداية الحروب النابوليونية وما تلاها من تطورات، بدأ النشاط البحري ينقرض من مدينة تطوان وباقي المراسي المغربية. وحملت سياسة الاحتراز التي انتهجها السلطان سليمان الموانئ المغربية نحو الإغلاق في وجوه الوافدين والمغادرين معا، فلا نجد من أخبار الأتراك في تطوان سوى إذن السلطان لنائبه على تطوان الحاج عبد الرحمن أشعاش بمغادرة أربعة من الأتراك من مينائها نحو وجهة غير مسماة سنة 1233 هـ/ 1817م.)44(

وقد عرفت تطوان هجرة جزائرية مكثفة عقب سقوط الجزائر في يد الفرنسيين سنة 1830، وشكل الأتراك نسبة من المهاجرين المستقرين بتطوان، حيث تحصي إحدى الوثائق)45(من بين مئة وثلاثة أشخاص وفدوا على المغرب من الجزائر العاصمة سنة 1246 هـ/ 1830م خمسة أشخاص من الأتراك وأربعة وأربعين شخصا من طائفة القولوغلية، وهم كذلك أتراك إلا أنهم من أبناء نساء جزائريات محليات نسوا أصولهم ولغتهم التركية. ولا تذكر لنا الوثائق أسماءهم العائلية إلا في النادر ومن بينها “الشاوش” و”الترجمان” و”الرايس”… وكان ثمانية عشر فردا من هؤلاء “القولوغلية” طوبجيين أي رجال مدفعية. أما أسماء الأتراك الخمسة الوافدين على تطوان، فهي: حسن تللو وهو بحار ماهر تولى رئاسة مرسى تطوان ويحمل لقبا عائليا تركمانيا شهيرا هو “تللو” وجد في الأناضول والشام معا، ثم محمد بن عصمان، محمد خوجة، عصمان، ومحمد تركي)46(.كما نجد بين المهاجرين الذين لم يرد ذكر أصولهم أسماء عائلية تركية أمثال “الكريتلي” نسبة إلى جزيرة “كريت” و”الخزنجي” و”البلهوان”…)47(وذكر الرهوني من بين الأسر التركية في تطوان كذلك “اليزميري”)48(نسبة إلى مدينة “إزمير” و”قاراحسن” المكونة من الكلمة التركية “قارا” بمعنى “الأسود” و”حسن” بمعنى “حسن الأسود”)49( وعائلة “الصبايحي”)50( المنسوبة إلى “الصبايحية” وهو التحريف الجزائري لعبارة “السباهية” وهي طائفة الفرسان الإقطاعيين الذين شكلوا جزءا هاما من جيش الدولة العثمانية في مراحل الفتوحات والقوة…

وحتى الداي حسين باشا آخر حكام الجزائر، نجده قد اختار الإقامة في تطوان وعرض قصده هذا على سلطان المغرب عبد الرحمن بن هشام، فوافقه على ذلك، إلا أن الباشا فضل الانتقال نحو مصر لينزل عند حاكمها محمد علي باشا.

وقد أثر الجزائريون على النسيج الحضاري لمدينة تطوان)51(، وهو ما جعلها أشبه مدن المغرب بالمدن المشرقية العثمانية، فأدخلت الهندسة المعمارية العثمانية على أبواب ومداخل الكثير من المنازل التطوانية، وساعد الوافدون الجدد على تقوية فن المدفعية في تطوان)52(، كما أدخل المهاجرون عدة كلمات إلى اللهجة التطوانية ك”البقلاوة” و”القفطان” و”البهلوان” و”الطبسيل” و”الباشا” و”الكشك”… و”الناموسية” التي تعني نوعا من الأسرة التي تكسى بثوب متعدد الألوان، وأدخلوا عدة ظواهر اجتماعية كانت سائدة منذ قرون في الشرق العثماني إلى تطوان، كظاهرة المقاهي وتدخين الغليون التركي)53(… وبالجملة فقد عبر الرهوني عن أهمية هجرة الجزائريين في إدخال مفردات تركية في لهجة أهل تطوان عند حديثه عنها إذ يقول: “… كما خلطوها بشيء من الألفاظ التركية التي نقلها إليها مهاجرو الجزائر عندما استولت الدولة الفرنساوية على قطرهم عام 1246 هـ.”)54(

التجار التطوانيون والرقيق الأبيض المشرقي:
انتشرت في المجتمع التطواني خلال القرن التاسع عشر ظاهرة الاتجار في الرقيق الأبيض المشرقي الذي كان يجلب في الغالب من مصر، وذلك بحكم تميز الأسواق في مصر في هذا النوع من التجارة منذ العصر الوسيط، حيث بقيت طائفة المماليك تجلب من آسيا الوسطى ومنطقة السهوب الأوكرانية وجبال القوقاز منذ زمن الأيوبيين إلى أن قضى عليهم محمد علي باشا في مطلع القرن التاسع عشر.)55(
وحتى بعد قضاء محمد علي على المماليك، فإن جلب الرقيق الأبيض الشركسي والجورجي من جنوب القوقاز بقي معمولا به إلى منتصف القرن المذكور، واستخدم أيضا رقيق أبيض من أسرى الحروب من أبناء الروس والصرب والبلغار وغيرها من الشعوب التي كانت تحارب الدولة العثمانية بالمشرق، واستخدم باشاوات مصر منذ محمد علي إلى نهاية العهد الملكي فرقا من الخدم سميت ب”الطواشية”، وهو اسم موروث عن العهد المملوكي)56(، وقد تأثر سلاطين المغرب بهذا النموذج، فاتخذه كل من عبد الرحمن بن هشام وابنه محمد ثم الحسن الأول.

وكان جلب هؤلاء الرقيق مهنة خاصة بالتجار من أهل تطوان لكونهم الأكثر ارتباطا بالمشرق العثماني، وفي هذا الباب نجد عبد الرحمن بن هشام يكاتب الحاج محمد الرزيني يطلب منه شراء خمسة من الطواشية وإرسالهم لخدمته في فاس سنة 1260 هـ/ 1844م.)57(

إلا أن نقل هؤلاء الطواشية الخمسة من الاسكندرية إلى تطوان كانت تعترضه مخاطر كبيرة، فالطريق البحري كان غير آمن خصوصا بجزيرة مالطة، ولهذا أوصى السلطان نائبه الرزيني أن يبحث عن قوارب فرنسية لحملهم، وبعد عدة مراسلات وأخذ ورد لم يصل الطواشية الخمسة إلا بعد سنة من طلبهم. )58(
وفي السنة ذاتها أي في 1261 هـ/ 1845م وجه الباشا عبد القادر أشعاش بأمر من السلطان التاجر التطواني الحاج أحمد مرتيل لشراء سبعة طواشية من مصر)59( للخدمة في القصر السلطاني بفاس، ونجدهم يصلون إلى ميناء طنجة بعد سنة أيضا.)60(

وكان الحاج محمد الرزيني مختصا على ما يبدو في المسائل المتعلقة بالعلاقات المغربية المصرية، وكان يكلف دائما بالنظر في جلب الرقيق من مصر، والنظر في المعاملات المالية للمغاربة المقيمين هناك وقضاياهم)61(. والغالب أن جلب الرقيق من مصر كان يتم بواسطة الأسر التطوانية التي كانت تعتمد على مغاربة مصر كوسطاء تجاريين بينها وبين السلطات الحاكمة هناك، وقد تمتع مغاربة مصر بمكانة عالية خلال العهد العثماني والخديوي، وكانت الأسر المغربية من بين أعظم الأسر في مصر ثراء.)62(
وتحتفظ الذاكرة الشعبية في تطوان كذلك بقصة أربع جوار شركسيات اشتراهن الحاج عبد الكريم بريشة أثناء إقامته بالقاهرة من الخديوي إسماعيل، وكن قبله عند السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، ثم أهداهن للخديوي، وحينما أفلس هذا الأخير باعهن للتاجر التطواني المذكور فجلبهن معه، وأهدى إحداهن للسلطان المغربي الحسن الأول فصارت أم ولده عبد العزيز ولعبت دورا مهما في جعله وليا للعهد على صغر سنه. وأما الثانية فأهداها بريشة لأحد الشرفاء الريسونيين بتطوان، والثالثة أهديت لأحد أعيان فاس، والرابعة اتخذها بريشة خليلة له وهي التي تعرف في التراث التطواني ب”فاطمة سركيسة” أي “الشركسية”، وكانت امرأة أديبة فاضلة عالية الثقافة، وكانت بارعة في الموسيقى الشرقية التي تعلمتها في معاهد اسطنبول، إلا أن عبد الكريم بريشة كان يعاملها معاملة سيئة بسبب ما كان فيه من الغيرة الزائدة، حيث كان يمنعها من الخروج من مخدعها الذي تقيم فيه، بل إنه كان يمنع الناس من المرور من دربه غيرة على أهل بيته، ويروى أنه أقام في إحدى الليالي حفلة موسيقية، وكانت المترجمة تسمع العزف من وراء حجاب فتجاوبت معه، فوشى بعض الكارهين لها لسيدها أنها كانت تحيي الحاضرين من وراء الحجاب، فضربها ضربا مبرحا ومنع عنها الأكل والشرب وحبسها في غرفتها، وهجرها طيلة ما تبقى من عمره، وبالجملة فإن هذه السيدة عانت معه الأمرين حتى توفي، فأتاها الفرج بوفاته، وصارت من بعده تعلم الموسيقى الشرقية لبعض أبناء الأعيان.

خاتمة:
حاولنا في هذا المقال الموجز تسليط الأضواء على جانب مهمل من تاريخ مدينتنا تطوان، وهو جانب التواجد التركي في المدينة، ذلك التواجد الذي يوصف عادة بأنه منعدم في المغرب، وغير ذي أهمية، ومن جهة أخرى فإن المقال يحاول أن يبرز كيف أن ميناء وادي مرتين التاريخي هو شريان الحياة والحضارة في المنطقة، فمنه عبرت الكثير من الحضارات القديمة نحو منطقتنا الشمالية، وفيه نزل المهاجرون الأندلسيون الذين جددوا بناء تطوان أول ما نزلوا، وفيه كان المجاهدون سواء الأتراك أو التطوانيون ينزلون الهزائم بالأجنبي المتربص بالمنطقة، وعلى مداخيله وعائداته كانت تعيش أسر تطوانية كثيرة،… قبل أن تقوم الأيادي الآثمة بطمس هويته وتشويه صورته حتى أصبح اليوم أثرا بعد عين بعد أن كان ملء السمع والبصر، ولا تزال أمنية كل تطواني غيور على مدينته وموطنه، أن يرى النهر المتعدد الأسماء يعود في يوم من الأيام إلى نشاطه المعهود في سالف العصور. .

(الهوامش والإحالات)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(32) (مويط)جيرمان(، “رحلة الأسير مويط”، ترجمة: محمد حجي ومحمد الأخضر، مركز الدراسات والبحوث العلوية، الريصاني، 1990، ص: 77.
(33) حول تراجع البحرية العثمانية في الجزائر انظر: سبنسر )وليم(، “الجزائر في عهد رياس البحر”، ترجمة: عبد القادر زبادية، دار القصبة، الجزائر، الطبعة الأولى، 2006، صص: 167 ـ 198،الجزائري )محمد بن ميمون(، “التحفة المرضيةفي الدولة البكداشية بالجزائر المحمية”، تحقيق، محمد عبد الكريم، الشركة الوطنية للنشر، الجزائر، الطبعة الأولى، 1972، مقدمة المحقق.
(34) داود، مرجع سابق، ج2، ص 236
(35) المقري )الشريف)محمد(، “تطوان: حاضنة الحضارة المغربية الأندلسية وأبحاث أخرى”، منشورات جمعية تطاون– أسمير، تطوان، 2013، ص: 80، هامش 3.
(36)POTOCKI (Jan), “Voyage dans l’empire du Maroc fait en l’année 1791”, ed. Maisonneuve et Larose, Paris, 1997, p. 60 .
(37) Ibid, p. 69
(38)داود، مرجع سابق، ج2، ص: 235
(39) ابن زيدان )عبد الرحمن العلوي(، “إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس”، الطبعة الثانية، 1990، ج3، ص: 301.
(40 )انظر حوله:الرهوني)أبو العباس أحمد بن محمد التطاوني(، “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين”، تحقيق: جعفر ابن الحاج السلمي، منشورات جمعية تطاون أسمير، تطوان، ج3، 2003، صص: 174 – 175.
(41) راجع: ابن عزوز حكيم )محمد(، “الحاج عبد الكريم بريشة”، معلمة المغرب، مطابع سلا، 1992، ج4، ص: 1221 وما بعدها.
(42) راجع: الرهوني، مصدر سابق، ج2، الطبعة الثانية، 2012، ص: 82. داود، مرجع سابق، ج3، ص: 309.
(43)الداهية )بلال(، “الجاليات المغربية وعلاقاتها بالمجتمع والسلطة في بلاد الشام خلال العصر الحديث: 1516 – 1831″، عمل مخطوط لم ينشر بعد، ص: 108.
(44) داود، مرجع سابق، ج8، ص:
(45) نفسه، ج8، ص: 170.
(46) نفسه، ج8، صص: 172 – 176
(47) نفسه، ج8، صص: 173 – 174. وقد وصف مصطفى الكرتلي المذكور بكونه “طباخا”
(48) الرهوني، مصدر سابق، ج3، ص: 336. وقد انقرضت هذه العائلة الآن.
(49) نفسه، ج3، ص: 300.
(50) نفسه، ج3، ص: 246.
(51) محمد التهامي(، “الزاوية”، مرجعة وتقديم: عبد العزيز السعود، منشورات جمعية تطاون– أسمير، تطوان، 1999، ص: 195.
(52) قدم مثلا أحد الجزائريين-وهو محمد ابن عبد اللطيف -في حرب تطوان سنة 1859 إفادته لأهل تطوان بكون مدفعيتهم لا تصلح لرد الغزو الإسباني رغم أن التطوانيينكانوا متفائلين بإمكانيات طوبجي تطواني يدعى “المعلم التشولو” (Cholo). وحسب ما أورد داود فإن ابن عبد اللطيف المذكور كان رجلا مفكرا وذا خبرة كبيرة وتجربة، انظر: داود، مرجع سابق، ج5، ص: 190.
(53) بوهليلة)إدريس(، “الجزائريون في تطوان خلال القرن 13 هـ/ 19م: مساهمة في التاريخ الاجتماعي المغربي”، منشورات الشباك، طنجة، 2012، ص: 130.
(54) الرهوني، مصدر سابق، ج3، ص: 2.
(55) حول قضاء محمد علي على طائفة المماليك بمصر وانعكاساته على تواجد الرقيق الشركسي انظر عملنا: الداهية )بلال(، “دراسات في تاريخ الشام ومصر في العهد العثماني”، باب الحكمة، تطوان، 2015، صص: 189 – 212.
(56) “الطواشي” هو العبد الخصي الذي يستخدم في الطبق السلطاني ويدخل على خاصة السلطان بمن فيهم حريمه، وقد تمتع هؤلاء بنفوذ واسع في عهد السلطنة المملوكية، انظر: المقريزي )تقي الدين أحمد بن علي(، “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار”، المطبعة الأهلية، القاهرة، 1907، ج4، ص: 219.
(57) داود، مرجع سابق، ج8، ص: 381.
(58) نفسه، ج9، ص: 146.
(59) داود، مرجع سابق، ج9، ص: 189.
(60) نفسه، ج9، ص: 225.
(61) نفسه، ج9، ص: 357.
(62) توجد دراسات عديدة أنجزت حول أدوار المغاربة في مصر طيلة العهد العثماني، ولا يتسع المجال هنا للإحالة عليها كلها، إلا أن أروعها برأيي ما أنجزه د. حسام أحمد عبد المعطي. انظر: عبد المعطي )حسام أحمد(، “العائلة والثروة: البيوت التجارية المغربية في مصر العثمانية”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2008. وللمؤلف المذكور إضافة إلى المرحوم د. عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم دراسات كثيرة جدا عن المغاربة في مصر خلال الحقبة الحديثة.

الجُزء الأول

عن admin

شاهد أيضاً

“سبتة المغربية: صفحات من الجهاد الوطني”

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “سبتة المغربية: صفحات من الجهاد الوطني”   صدر كتاب “سبتة …

من ذاكرة القضاء بطنجة 

 القاضي المرحوم تاج الدين ابن عجيبة ( 1941 ـ 1987 )    في رابع أبريل …

“العلاقات المغربية البرتغالية”

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “العلاقات المغربية البرتغالية”                على الرغم من أن الظاهرة …

%d مدونون معجبون بهذه: