في ختام مقالة سابقة، وأثناء حديثي عن الإمام عبد الله بن محمد العيّاشي، أشرتُ فيها إلى أنّ هذا الإمام يعدّ من روّاد المدرسة الفكرية المغربية في تفكيك خطاب العنف والإقصاء، وإطفاء جذوة التعصب والغلو، وأبدع في ذلك كتابه: «الحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف فيما وقع بين بعض فقهاء سجلماسة من الخلاف»، وهو الكتاب الذي قوَّضَ فيه فكر أحمد بن عبد الله السّجلماسي، الشّهير بابن أبي مَحلّي.
- أحمد بن أبي مَحلّي [967- 1022هـ/ 1560-1613م] عالمٌ مغربيٌّ، عاش في ٱواخر عهد الدّولة السّعدية، خلط في دعوته بين العلم والتّصوف والسّياسة، وسعى إلى الجمع بين المشيخة الصّوفية وحبّ التّسيّد؛ فأفضى ذلك به إلى ادّعاء المهدوية، والزّعامة في تغيير المنكر، وتحريج الناس في عقائدهم، واستظهار بواطنهم، ومكنونات أفئدتهم، وألف في ذلك كتباً ورسائل، ومنها رسالة بعنوان: «المنقذة في العقائد» استنكر فيها بما يزعم البدع والأهواء المنتشرة في وقته.
- يقرّبنا الإمام العيّاشيّ من هذه الشّخصية الجَدَليّة فيقول: ” ثمّ خصّ تصدّيه في هذا الوقت بإزالة المنكرات المتعلقات بالعقائد الإيمانية، والمعارف الدّينية، وألّف في ذلك رسائل وكلاماً، منظوماً ومنثوراً، مُعرباً وملحوناً، ولقّن ذلك طائفة من أصحابه صغاراً وكباراً، وأمرهم بإفشائه وتعليمه في الطرّقات والأسواق والأندية، وأمرهم أن يسألوا النّاس عن معتقداتهم، ويباحثوهم عمّا أَضمرت قلوبهم، وأكَنّتْهُ سرائرهم في حقّ الله وفي صفاته وأسمائه، وفي حقّ الرّسول صلى الله عليه وسلم، وما يتعلّق بذلك”.
- وبإطلالة سريعة على عناوين مؤلفاته سيستغربُ القارئ من حمولاتها الدّلالية الموغلة في العنف والتّحامل والحَنَق، فمنها: «إصليت الخريت بقطع بلعوم العفريت النّفريت»، «المنجنيق لرمي البدعي الزّنديق»، «السّيف البارق مع السّهم الشّارق»، «سمّ ساعة في تقطيع أمعاء مفارق الجماعة»، «مهراس رؤوس الجهلة المبتدعة، ومدراس نفوس السّفلة المنخدعة»، «منجنيق الصخور في الرّدّ على أهل الفجور»، «الوضّاح لكل متمشدق فضّاح».
وكذلك في لسانه السليط وهجائه المقذع لأحد مناوئيه قوله:
ووجهُك وجهُ القرد أقبح ما يُرى** ورأسُك رأس الدّيك بين المزابل
وشَـــــــــــــــــــــدُّك تعميماً كرأس عَجوزةٍ** من الرُّوم أُقْعدت لغسل المنادل
- المــُتبّعُ لمسار حياة هذه الشّخصيّة منذ نشأتها قد يلامس أسباب هذا العنف الفكري واللغوي الذي انتهجه في كتاباته، وهو ما يسهلّ علينا فهم كثير من نفسيّات أصحاب الخطاب العنيف في العصر الحاضر، من ذلك أسلوب تربيته ونشأته في صغره، فقد كان كثيراً ما يتعرض للضرب والتعنيف من طرف والده؛ الذي يقول عنه: ” ولكنّه شديد البأس، ربّما ضربني بعدما يوثّقني بالحبل لما رأى من شرودي، وولوعي بصيد العصافير، واللّعب بالكرة، وحضور الأعراس، وزعامتي، فلولا تعنيفه لضِعتُ، فجزاه الله عنّا في ضبطه” ، مع أنّ هذا العنف والتعنيف هو الذي ضيّعه وأضاعه كما سنرى.
- بعد دراسته في فاس مدّة ناهزت الأربع سنوات، وفقدانه لأخيه بموته، وتأثّره كثيراً بذلك؛ سينخرط الرجل في سلك التّصوف على يد شيخه أبي عبد الله محمد بن مبارك الزّعري الشّاذلي [ت. 1006ه/ 1597م] كان من “مشاهير الأولياء، وكبار أهل الخصوصية” كما حلاه بذلك الإفراني في «الصفوة»، و”جليل القدر، شهير الذّكر” بتحلية محمد العربي الفاسي في «مرٱة المحاسن»، ووصفه ابن محلي نفسه في رحلته «الإصليت»، بقوله: «صاحب فائدة الفائدة، الصّادرة والواردة مع أنه أمّي”.
- لزم شَيْخَه ابن مبارك الزّعري مدّة ناهزت الثمانية عشر عاماً مريداً وسالكاً، وكانت تحصل له بحضرته جَذْبةٌ وأحوالٌ، أو أزمةٌ نفسيةٌ بتحليل المؤرخ الأستاذ عبد الوهاب ابن منصور في «الأعلام»، فيفصح الرّجل حينها بمكنونات صدره، ويُعبّر عمّا في خلجات نفسه؛ يقول الإمام اليوسي في «المحاضرات»: “وحدثوا أنه كان ذات يوم عند أستاذه ابن مبارك فورد عليه وارد حال، فتحرّك وجعل يقول: أنا سلطان أنا سلطان، فقال له الأستاذ: يا أحمد هَب أنّك سلطان، {إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طُولاً} “. وكأن الرجل نسي في مسلكه الصوفي: {تلك الدّار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الارض ولا فسادا، والعاقبة للمتّقين}.
- الحديثُ عن شخصية ابن أبي مَحلّي لن ينتهي بجَذبته وسَلْطَنَتِه، بل إن الرّجل وبعد موت شيخه، وبقائه عاطلاً لمدّة ثلاثة سنوات كما يقول عن نفسه، سيبدأ الدعاية لشخصه، وجمع الحشود حوله، وضمّ الرّعاع من العامّة إليه، مدّعياً أنّه المهديّ المنتظر، وهي الدعوى التي ابتلي بها كثير من ضعفة العقول كما يقول الإمام اليوسي.
- ينقل الإفراني في « نزهة الحادي» عن العلامة أحمد التواتي في رسالته: « مقام التّجلي والتّخلي من صحبة الشيخ أبي محلّي مانصّه: ” كان الفقيه أبو العباس أحمد بن عبد الله أبو محلّي في أول أمره فقيهاً صِرفاً، ثم انتحى طريق التّصوف مدّة؛ حتى وقع على بعض الأحوال الرّبّانية، ولاحت عليه مخائل الولاية الرّحمانية، فانحشر النّاس لزيارته أفواجاً، وقصدوه فرادى وأزواجاً، وبَعُد في البلاد صيته، وكُثر أتباعه، قال: فلمّا سمعتُ بذلك ذهبتُ إليه وجلستُ عنده مدّة، إلى أن وجدته يشيرُ إلى نفسه بأنه المهديّ المعلوم المـــُبشَّر به في صحيح الأحاديث، فتركتُه ونبَذتُه بالعراء” .
- وقد حلّل الإمام اليوسي هذا النوّع من الشخصيّات المدّعية، والمثيرة للجدل؛ أثناء حديثه عن وساوس المهدويّة وما حصل لابن أبي محلّي بقوله: ” وقد يكون ذلك، وهو الأغلب، دسيسةٌ دنيويةٌ، ونزغةٌ شيطانيّةٌ، وقد يقع في بعض هذه المهاوي بعض أبناء الطريق، يحسدهم الشّيطان على باب الله، والتّفرغ للحضور بين يديه، وتجنّب المعاصي التي هي أقرب شيء إلى الغفران برحمة الله، فلا يزال بهم حتّى يضمّهم إليه، ويُجاوز بهم مزالق من كانوا يتبعونه إلى هاوية من يتبعهم، كما قال الشاعر:
وكنتُ امرءاً من جند إبليس فانتهى* بيَ الأمرُ حتى صار إبليس من جندي
- وهذا ما جرى مع ابن أبي محلّي، إذا كان نتيجة دعاويه أن دخل في صراعات سياسية مع السلطان زيدان بن أحمد المنصور [ت. 1037ه/ 1627م] انتهت بمقتله على يد يحيى بن عبد المنعم الحاحي [ت. 1035هـ/ 1625م]، فقيل فيه رمزاً: قام طَيْشاً، ومات كَبْشاً، واستحالت دلوه غرقاً، بعد أن ملأ الدّنيا عياطاً شرقاً وغرباً.
د. محمد شابو









































































PDF 2025


