صدر في نهاية الأسبوع الماضي مستهل فبراير(2022م) ترجمة مهمة لكتاب «An American Among the Riffi» وجاءت الترجمة بعنوان «أمريكي بين الريفييين » رحلة مراسل “شيكاغو تريبيون” في شمال المغرب 1925، للمراسل الأمريكي (فنسنت شيين)، الذي عاش في الشطر الأول من القرن العشرين، وعمل صحفيا في مجموعة من الصحف الأمريكية، وكانت أول تجربة له كمراسل مع جريدة “شيكاغو تريبيون” بحيث غطى مسيرات الجماعات الفاشية في روما وصعود نجم “موسوليني” سنة 1922، كما قام بتغطية مفاوضات “لوزان” و” فرساي وجنيف”.. هذا قبل أن يقدم على تجربة شمال المغرب في مطلع سنة 1925م، وهي الرحلة التي يوثقها الكتاب الذي بين أيدينا، كما كانت للكاتب رحلة ثانية في خريف نفس السنة 1245م وثقها في كتابه “السيرة الذاتية Personal History“ وفاز “بالجزائزة الوطنية للكتاب National Book Award” وقد نشر هذا الأخير بعد تسع سنوات من نشر كتابه الأول: أمريكي بين الريفيين.
وللإشارة، فالكتاب الذي نحن بصدده نشر في البداية كمقالات في مجلة “آسيا” التي تنشر من طرف “الجمعية الأمريكية الأسيوية” وجاءت المقالات الأربع بعناوين مختلفة، أولها في سبتمبر 1925 تحت عنوان: “قصة عبد الكريم السلطان الريفي الذي يتحدى إسبانيا وفرنسا” ثم تتابعت المقالات الأخرى: “لقائي مع عبد الكريم” و “روبن هود الريف” و “وجها لوجه مع قرصان المتوسط الريسوني”، لتشكل هذه الحلقات الأربع متن الكتاب، إضافة إلى مقدمة كتبها “فنسنت شيين” بعد التعاقد مع الناشر، وصدر الكتاب منقحا في مطلع عام 1926م بالولايات المتحدة، وقد تردد أصداؤه في على صفحات الصحف والمجلات، منها: النييورك تايمز” و ” الوشنطن بوست” و” ذو نيو ربابلك” و “ذي أوتلوك” …وغيرها من المجلات والجرائد التي تفاعلت مع صدرو الكتاب عامئذ، ليتحقق بهذا التفاعل نوعا من الإجماع على أهمية هذا الكتاب وتميز صاحبه، رغم ما في مقالاتهم من “أحكام نمطية حول الشعوب المستعمرة” كما خلص إلى ذلك مترجم الكتاب في المقدمة.
هذا، وقد عمل الدكتور ممحد الداودي _أستاذ الإنجليزية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء_ على ترجمة هذا الكتاب القيم بعد قرن من صدوره بلغته الأصل في أمريكا، ليسهم بترجمته في رفع الحجاب عن جزء من تراث الريف المكتوب بالأقلام الغربية، وكذا تقريب الكتاب من المهتمين بالريف وما كتب عنه، فكل الشكر للدكتور محمد الداودي على مجهوده المبذول ترجمة وتقديما وتحقيقا، كما نرجو أن يتكرم بترجمة “السيرة الذاتية Personal History“ لفنسنت شيين مستقبلا إن شاء الله.
في البدء، وكقراءة في شكل الكتاب يمكن القول: متن الكتاب مجموع بين دفتي غلاف أصفر وتتوسط الواجهة صورة فوتوغرافية لصاحب الكتاب” فنسنت شيين” بلباس ريفي _جلباب وعمامة_أنيق، وترجمة الكتاب في طبعتها الأولى 2022م، عن (مطبعة الحمامة تطوان)، وقطع ورقه من الحجم المتوسط، ويقع في 355 صفحة، ويضم تقديم المترجم ومقدمة الكاتب وأحدى عشر فصلا، إضافة إلى ملحق خاص بالترجمة العربية ولائحة المصادر والمراجع و فهرس الصور والخرائط وفهرس الكتاب.
هذا من ناحية الشكل، أما مضمون الكتاب فنستهل الحديث عنه من التقديم الذي خطه المترجم، بحيث جعل من هذا التقديم خارطة طريق لفهم الكاتب وما كتب، وقدم فيه ترجمة للكاتب الأمركي “فنسنت شين” وبيان مساره المهني كمراسل صحفي لعدة جرائد وتواجده في مختلف الدول التي كانت مسرحا للأحداث في الشطر الأول من القرن العشيرين _ أمريكا ، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، وألمانيا، الاتحاد السوفياتي، المغرب، الحجاز، بلاد فارس …_ كما نبه المترجم إلى أن كتاب “أمريكي بين الريفين” لا يبلغ مرتبة “السيرة الذاتية” من حيث الجودة والصدى، بحكم أنه أول كتاب ألفه :”فنسنت شين” ولذلك من الطبيعي أن يعكس بعض النقص في المكلة الأدبية وكذا عمق الإحاطة بالموضوع، وهو ما يظهر في عدم دقة بعض المعلومات الواردة في الكتاب، وقد استدرك المترجم هذا النقص تحققيا وتعليقا.
كما بين الأستاذ محمد الداودي في تقديمه للكتاب، مجموعة من القضايا والاختيارات في ترجمته للمؤَلف، منها:
أن الكتابات في كل مرحلة تاريخية تعكس الأنساق الثقافية السائدة في مجتمع ما، وتعيد بشكل أو بآخر إنتاج مسلمات وتمثلات خاصة حول الشعوب والثقافات الأجنبية، ولذلك فليس من الغريب أن تعكس كتابات العقود الأولى من القرن العشرين حول الشعوب المسلمة في الغرب عموما، خطابا تغلب عليه الخلفية الاستشراقية ولو بدرجات متفاوتة، وبالتالي فمن الطبيعي أن ينهل “شين” من قاموس الخطاب الاستشراقي ويوظفه في كتابه.
وإذا كان الأمر كذلك، فيجب على القارئ لكتابات الغرب حول الريف سواء كانت دراسات أنثروبلوجيا أو منوغرافيات أو كتابات أدبية أو غيرها، أن ينتبه للرؤية النميطة الاستشراقية في هذه الكتابات، ويظهر أُثر ذلك في الأحكام القيمة المرسلة وكذا مجانبة الدقة في تحقيق المعلومات من طرف الكاتب، وهذا ما أشار إلى المترجم كثيرا.
وأكتفي بهذه اللمحة الوصفية المقتضبة للكتاب، أملا في نشر وقفات أخرى تفاعلا مع رحلة “فنسنت شين” في قادم الأيام إن شاء الله.
بلال بوزيان









































































PDF 2025


