كان قائد بني مصور وجبل الحبيب رجلا مهيبا بدأ حياته بالجهاد تحت راية الشريف الريسوني، وكان معه من مجاهدي القبيلتين وعلمائها عدد من الفضلاء، ثم استماله الإسبان فمال إليهم، وأرادوا التخلص من الريسوني، فاتفقوا مع القائد أن يزوج الريسوني ابنته، ففعل، ثم طلبوا منها أن تسمه في الطعام الذي تقدمه له ففعلت، غير أن الريسوني تنبه لذلك بعد أن أخذ منه لقمة أصابته بالشلل، فلم يزد على أن أخذ بندقيته وصوبها نحوها وأمرها أن تأكل من ذلك الطعام. فأكلت منه مفضلة أن تموت بالسم على أن تموت بالرصاص.
وكان الإسبان قد أدركوا بعد أن هزموا في معارك كثيرة، وقتل منهم أكثر من ثلاثة آلاف رجل في قتالهم اجبالة أنه ليس في استطاعتهم إخضاع هؤلاء الجبليين بقوة السلاح، فاستعملوا المال، وقربوا من هو أقدر منهم على إخضاع هؤلاء الذين تعودوا القتال في حروبهم اليومية.
فقد كان أهل الجبل يفزعون إلى السلاح لأتفه الأمور، وقد تعودوا لقربهم من أوربا أن يقاتلوا الإسبان والبرتغاليين والإنجليز في الثغور، وكان معظمهم من أصول أندلسية. فإن بدو الأندلس عندما انتقلوا إلى المغرب اختاروا الإقامة في البادية لتعودهم أمورها، ونقلوا معهم طريقة تدينهم، وموسيقاهم، وشعرهم، وكرههم للإسبان الذين طردوهم من بلادهم. ثم كان أن اختلطوا بالأمازيغ فأخذوا عنهم من كلامهم، ومن طريقة عيشهم، ومن ثقافتهم، ونقلوا هم أيضا للأمازيغ بعض ما عندهم من ثقافة، وتمزغ بعضهم، وتعرب بعض الأمازيغ حتى أصبح التمييز بينهم على الحقيقة غير ممكن.
فكان القائد لذلك من الرجال الذين تعتمد عليهم اسبانيا في حكمها لقبائل اجبالة. وكان هو يدرك ذلك، وينظر إليهم باحتقار، ولا يتردد في مجالسه الخاصة أن يقول إذا ذكرهم في حديثه: شرف الله قدركم.
وكان الإسبان يستضيفونه في مدريد، وتستجوبه الصحافة، فيجيبهم بلطف واستعلاء، ويكلمهم دون أن ينظر إليهم. وكان لا ينزع عنه ثيابه الجبلية، غير أنه كان يختار أن يضع في قدمه بلغة فاسية من النوع الذي يسمونه: المدفون. وكان في لباسه الجبلي وعمامته البيضاء شديد الوقار، حاد الملامح. وكان يستعمل نظارة في زمن لم يكن يستعملها فيه أحد من الجبليين. وكانوا يعتبرونها من علامات الثراء. وقد حدث مرة أن حضر القائد في موسم من مواسم الولي الصالح مولاي عبد السلام بن مشيش ووزع نقودا على شرفاء مولاي عبد السلام وترك أحد المراهقين فلم يعطه شيئا لصغر سنه. فتمتم المراهق: ( الكافات دشوفير دالطيار، وما عطانيشي حتى بسيطة). يضع نظارات كنظارات ربان طائرة، ومع ذلك لم يعطني شيئا.
وكان الشاوشاو يعرف كل هذا فلما دخل عليه حاول تقبيل يده فمنعه، والتفت الشاوشاو فرأى القاضي في مكتب القائد فاستبشر خيرا لأنه كان قد عمل في غرسته متطوعا قبل ذلك. وحدث نفسه:
ـ لمثل هذا اليوم كنت أعمل في غرستك.
ثم قال، وقد أراد تذكيره:
ـ نحن في خدمة سادتنا العلماء.
ابتسم القاضي بوقار وقال:
ـ كيف حال ولدك؟
استبشر الشاوشاو خيرا، وقال: بخير نعم آس.
قال القاضي: ذكرني باسمه.
قال الشاوشاو: عندي ولدان الكبير منهما التهامي، والصغير منهما المختار.
قال القاضي: وهل فرغا من حفظ القرآن؟
قال الشاوشاو: الكبير منهما ذهب (مُخَنِّشاً).
قال القاضي: أنت تعرف قدر القرآن، إذن.
أحس الشاوشاو بأنه يُستدرج إلى كمين، فقال، وهو يترقب ما سيقوله القاضي:
ـ أنا لا أتأخر عن نوبة الفقيه، ولا أقصر في شيء.
قال القاضي: ولوح الطاهر التسولي المعلق على باب السوق، ما خبره؟
وجم الشاوشاو، وَوَدَّ لو أنه كان قد رضي بمحاولات الصلح. كيف يعمل في غرسة القاضي أياما ثم ينسى القاضي له ذلك؟ لا بد من تذكيره. قال الشاوشاو:
ـ لقد رزئت في بقرتي التي كنت أستعملها في حرث أرضي.
ابتسم القاضي وقال: مفهوم..مفهوم..
ـ 13 ـ
كان الفقيه عبد الله وأخوه الفقيه العياشي يجلسان في مسجد السوق كأن الأمر لا يعنيهما. وقد بدا عليهما الوقار والورع الشديد. كانا لا يتركان قيام الليل، وكانا لا يخرجان من المدشر إلا يوم السوق أو لضرورة. فإذا خرجا شرعا في قراءة القرآن إلى أن يبلغا مقصدهما. وكانا من عائلة يحفظ كل أفرادها القرآن الكريم.
وقد أراد العياشي في شبابه الأول أن يجاهد في سبيل الله، فحمل (اخْماسِيَّتَه) وخرج مع المقاتلين، وهو يقول: معسكرٌ فيه سيدي عبد السلام ابن يرماق، وسيدي عبد السلام ابن الحاج لا يمكن أن يكون على باطل . فلما بدأت المعركة رآه خاله، وكان من أبطال المجاهدين، فنهره، وأمره بالرجوع، وقال له: لست من أهل هذا الشأن. ارجع حتى لا تكون أول قتيل اليوم. فرجع واكتفى بتعليم القرآن مشارطا في مساجد البادية.
ولكنه، مع ذلك، ظل مقاتلا لا ينحني لأحد، ولا يخشى أحدا، ولا يعترف للقائد بسلطة ولا جاه. وقد أراد القائد أن يقربه منه فطلبه لكي يصلي بالناس صلاة الاستسقاء فأبى، وقال لمبعوث القائد:
ـ أنا لست عالما لكي أصلي بالناس.
قال المبعوث: إنه لم يطلبك لعلمك، وإنما طلبك لورعك.
قال الفقيه العياشي:
ـ إن أجبته إلى هذا فلا ينبغي له أن يقدمني، فلن أكون ورعا حينئذ.
قال المبعوث: فبماذا أجيب القائد؟
قال العياشي: ـ تقول له: العياشي رجل درويش، مسكين، يحب المساكين، وأن يعيش بين المساكين، وأن يموت بينهم.
فلما بلغ الجوابُ القائدَ قال لهم: دعوا الفقيه العياشي فإنه فقيهٌ (بركةٌ).
قال الفقيه العياشي لأخيه الفقيه عبد الله:
ـ ماذا تظن أنهم فاعلون؟
قال الفقيه عبد الله: وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد، فوقاه الله سيآت ما مكروا.
قال الفقيه العياشي: يحب القائد أن أحدثه في شأنك.
قال الفقيه عبد الله: وما الذي تراه أنت في هذا الأمر؟
قال الفقيه العياشي: ما هو الحزب الذي قرأناه في الطريق إلى السوق؟
قال الفقيه عبد الله: حزب: وإلى مَدْيَنَ…
قال الفقيه العياشي: وفيه: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا…
قال الفقيه عبد الله: هذه في الثمن الثالث منه…
سكت الفقيه عبد الله قليلا ثم نظر إلى أخيه وقال: السِّي العياشي: السجن أحب إلي مما يدعونني إليه..
قال الفقيه العياشي: أمَا وقد قلتَ هذا فانتظر أن يُقْبَضَ عليك اليوم.. آسِّي العياشي: عليك بياسين. لا تنس ياسين، والدعاءَ الناصري.
(يتبع)
محمد الحافظ الروسي









































































PDF 2025


