يشكل التصوف مجالا أثيرا للباحثين من أجل العودة المتجددة للتأمل في ثناياه ولتدبر أسراره وللانفتاح على منغلقاته. لا يتعلق الأمر بهروب معرفي نحو تيار فكري وروحاني ممتد على امتداد خريطة الإبداع والعطاء الثقافي والإنتاج العلمي، بقدر ما أنه ملاذ روحاني يشكل مرفئً للسكينة وملاذا للباحثين عن الطراوة وعن الفطرة في الموقف وفي التعبد وفي السلوك وفي أنماط تنظيم العلاقة بين الفرد وذاته أولا، وبينه وبين سواه ثانيا، ثم بينه وبين خالقه ثالثا.
لقد قيل الشيء الكثير عن علم التصوف داخل العالم الإسلامي وخارجه، وطالته الكثير من أيدي التحريف والتنميط المفضي إلى العبث، حيث ألصقت مضامينه بفعل “الدروشة” المبالغة في الزهد، والمنخرطة في طقوس “الجذبة” السالبة للعقل وللوعي وللإدراك. وتناسى المتحاملون على نهج التصوف، أن قوة علم التصوف في اختراقه لمناحي التفكير السليم، بالبحث عن مناحي السمو القائم على القاعدة الذهبية ذات الأركان الثلاثة المؤسسة، ونقصد بها التخلي أولا، والتحلي ثانيا، ثم التجلي ثالثا.
ولشروط تاريخية وعلمية معروفة، أصبح علم التصوف مرجعا للتفكير ولتحيين طرق التعبد ولتعزيز قوة النفس في مواجهتها لتنافر مكونات الواقع. فكانت النتيجة، بروز تيار صوفي مغربي، أساسه اجتهادات الجنيد، وإطاره المذهب المالكي، ووسيلته العقيدة الأشعرية. ومع تعاقب الأزمنة، أصبح هذا التيار الصوفي قاعدة للتعبد بعموم بلاد الغرب الإسلامي، وأدى إلى تبلور ما عرف في الكتابات الكولونيالية للنصف الأول من القرن 20 ب”الإسلام المغربي”. وداخل هذا “الإسلام المغربي”، برزت منطقة الشمال كمركز لانبثاق أقطاب التصوف المغربي على الأقل منذ القرن 13م، مع القطب مولاي عبد السلام بن مشيش ثم مع بروز الطريقة الشاذلية الذي أصبحت إطارا ناظما لفعل التصوف، المعرفي والسلوكي، ببلادنا إلى يومنا هذا، بما تناسل عن ذلك من متون واجتهادات ونصوص ومدونات لازال الكثير منها يحظى بقوته العلمية لدى الباحثين والمهتمين، وخاصة بشمال المغرب.
في إطار هذا التوجه العام، يندرج صدور كتاب “قوانين صوفية للعارف بالله أبي محمد سيدي الهاشمي بن عجيبة الحسني”، سنة 2016، بدراسة وتحقيق للأستاذة حسناء بن عجيبة، وذلك في ما مجموعه 88 من الصفحات ذات الحجم المتوسط. ويمكن القول، إن الدكتورة بن عجيبة أضافت قيمة أكيدة لمجال تحقيق نصوص التصوف بشمال المغرب وعموم البلاد، بشكل يساهم في إلقاء الضوء على الكثير من جزئيات السيرة الذهنية للهاشمي بن عجيبة ولتراثه العلمي الغزير. ولقد أجمل الأستاذ عبد الله عبد المومن معالم قيمة الكتاب وأهمية تحقيقه وإخراجه للعموم، في كلمته التقديمية، عندما قال: “تحصل في كتاب القوانين للعارف بالله سيدي الهاشمي بن عجيبة شقيق سيدي أحمد بن عجيبة ما لم يوجد في غيره لأمرين اثنين: أولاهما، عنوانه الفريد الباعث على تميز المدرسة العجيبية الصوفية المغربية بنظرات في علم السلوك رقى بها المباني والمعاني إلى سلك الحدود والقوانين رسما ومعنى… ثانيهما، الحضور المغربي في مسالك البيان والتفصيل إن على مستوى الاصطلاح، أو حتى المظان التي بني عليها هذا المتن عند الإمام الهاشمي بن عجيبة، وهذا ما يؤكد خصوصية رسم المغاربة التليد في الطريقة والسلوك…” (ص ص. 4-5).
لذلك، يشكل إخراج العمل إلى النور في حلته العلمية الفريدة، توجها رصينا نحو تفكيك خطابات علم التصوف من خلال متونه الأصلية وليس من خلال مجاوراته وتفاعلات محيطه. كما أنه يلقي الضوء على معالم النسق المعرفي المميز لتصوف المدرسة العجيبية باعتباره رافدا أساسيا من روافد التصوف المغربي على مستوى النظر والتطبيق.
وتزداد قيمة العمل وضوحا، إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة الجهد العلمي الذي بذلته الأستاذة حسناء بن عجيبة لإخراج الكتاب في حلته العلمية المحترمة، على مستوى التقديم العام المرتبط بالتعريف بأهمية تحقيق المخطوطات، وعلى مستوى الباب الأول الخاص بالتعريف بعصر الهاشمي بن عجيبة وبتفاصيل حياته وبعلمه وبتكوينه في مختلف تقلبات حياته التي أثمرت مخطوط “قوانين صوفية”، ثم على مستوى تحقيق المخطوط وضبط مضامينه بمقارنة النسختين المتوفرتين وتشريحهما بحثا وتفكيكا وضبطا. وقد أتاح ذلك إمكانية توفير نص شيق، سلس، أخاذ، يناجي الروح قبل العين، والقلب قبل السمع، ويفتح المجال واسعا لتحقيق متع السمو ورفعة الوجد وأفق التحلي، منارة “الفقير” ومرجع “المريد” وزاد “القطب”، في محبة الخالق والمخلوق، وفي السعي نحو وضع ما دأب المتصوفة على وضعه من قواميس كاشفة عن مصطلحاتهم وعن مفاهيمهم الخاصة ب”مراسم الشريعة أو مباني الحقيقة” (ص. 4). ولكي ننهي هذا التقديم المقتضب، نقترح بعضا من ذخائر المفاهيم والمصطلحات الأساسية التي يقوم عليها متن سيدي الهاشمي بن عجيبة في كتابه “قوانين صوفية”. ففي ذلك اختزال لمعالم الأفق الصوفي المشرع على أسئلة العرفان والتحلي داخل اجتهادات المدرسة العجيبية في الفكر وفي التصوف. يقول المؤلف:
“التصوف: أنوار حقية، وعلوم لدنية، ونفوس أرضية، وأرواح سماوية.
الطريقة: محو النفوس، ورفض المحسوس، وبذل النفوس، وحط الرؤوس، وترادف الكؤوس.
الفقر: الفقير نفسه حصير، ولباسه حقير، وقلبه خبير، وحاله أمير، وروحه كبير، وكلامه إكسير.
المريد: فعله حميد، ورأيه سديد، وبصره حديد، وبحره مديد، يستفيد ويفيد.
القلب: قلب الآدمي، نور الله الكلي، وسره الأزلي، وروحه الأبدي…
العقل: نور من نور الله، وإدراك من إدراك الله، أصله في القلب، وهو المسمى بالبصيرة، وبه تكون الرؤيا والمعرفة. وفرعه في الرأس، وهو المسمى بالعقل، فإن كان نوره ضعيفا لم ير إلا كون الدنيا وأمر صاحبه بخدمته. وإن كان نوره كاملا رأى الحق وأمر صاحبه بالأدب معه، عبودية في حرية…” (ص ص. 70-74).
وعلى هذا المنوال، تنساب رؤى سيدي الهاشمي بن عجيبة، راسمة معالم أصيلة في الكشف وفي العرفان. فعقل المتصوف قلبه، وقلب المتصوف روحه، وروح المتصوف في حبه وفي وجده وفي تجليه.
أسامة الزكاري









































































PDF 2025


