1.وسائل خلق وتحريك كتلة جماهيرية
كلما كان التجمع الجماهيري مهيبا كانت تأثيراته أكثر حدة. من ذلك التجمعات المنظمة في نورمبورغ بألمانيا، وفي الساحة الحمراء بموسكو أو في ساحة تيين آن مين في بيكين.
يجزم هتلر:« لا مكان للتفكير في تجمع جماهيري. وحيث أحتاج إلى خلق مثل هذا المناخ، لأنه يؤكد لي أن خطاباتي سوف يكون لها تأثير أكبر، سأقوم بجمع أكبر عدد ممكن من المتلقين في اجتماعاتي، من كل الأنواع والتوجهات ليذوبوا في المجموعة، أرادوا ذلك أم أبَوْا: مثقفين، وبورجوازيين و عمالا أيضا. أخلط الشعب، ولن أخاطبه إلا بعد أن يكون معجونا في كتلة واحدة.» ويضيف: « انتبهوا جيدا، كلما كان الحشد غفيرا سهُلت قيادته. وكلما كان الخليط غنيا بتوابل بشرية، من قرويين، وعمال، وموظفين، أخذ الخليط خاصية نموذجية لتكتل غير فرداني. إن الاجتماعات المحدودة، من أناس مثقفين و ممثلي المصالح المهنية أو آخرين، لا جدوى منها: فما ستجنونه اليوم منهم بعرض منطقي سيتحطم غدا ببرهان معاكس.»([1])
كانت الدعاية الشمولية مستمرة، وتعمل دون انقطاع يوميا، ولم تترك فراغا ولا “بياضا”. ولم تكن هناك دعاية مضادة تربكها لوجود رقابة شديدة، يصعب تخطيها. نُصبت في شوارع ألمانيا وساحاتها الرئيسة أبواق تنفث الدعاية طوال اليوم. وقد كان النازيون يجبرون السكان على ترك نوافذهم المطلة على الشارع مشرعة خلال موسم الدفء. وحيث يجد المرء نفسه في مثل هذا الفضاء يفقد كل مصدر لمعلومات خارجية، و تفقد الجماهير كل صلة لها بالواقع، ويتأرجح لدى المرء التفكير النقدي بما أنه فقد القدرة على ممارسته.
لعب النازيون على كل الحواس البشرية من خلال العمل على الفضاء والضوء والصوت والزمن.
حين كان اللقاء يجري في فضاء مغلق، كان هيتلر يختار القاعات المظلمة، ذات أجواء معتمة، والتي تساعد على تهيئة الجمهور مسبقا. وفي الهواء الطلق، كان يختار فضاءات شاسعة محاطة ببنيات كلاسيكية حديثة ومهيبة مضاف إليها تشكيلات من أنوار ساطعة مذهلة: مئات من الكاشفات الضوئية موجهة إلى السماء مشَكلة قبة مضيئة (« Licht Dom » بعلو حوالي ألف متر، محدثا ما يشبه كاتدرائية من الأضواء. كما كانت نيران المشاعل تعزز الأجواء الدينية، وكان الفضاء كله غاصا بالأعلام واللافتات والشعارات التي يطغى عليها اللون الأحمر، وكان للباس المناضلين والمزارعين تأثير بطولي ومثير، كما عملت الموسيقى وضربات الطبول وأنغام الأناشيد التي أثثت الاحتفال على تذويب الأفراد في كتلة جماهيرية هائلة.
أخيرا، كان الوقت يقوم بدور حاسم في استسلام الجماهير. « في الصباح، وخلال النهار،» كما كان يصرح هيتلر، « إن قوى إرادة الرجال تقف بالمرصاد بأقصى طاقتها ضد محاولات فرض إرادة أجنبية أو رأي أجنبي عليهم. لكنهم في المساء يستسلمون بكل سهولة للقوة المهيمنة لإرادة جبارة.»([2]) إن الانتظار الطويل كان يزيد الحشود إثارة وعياء، مما كان يضعف الرقابة الواعية عند الأفراد ويرفع قوى اللاشعور عندهم شيئا فشيئا، فتنهار كل مقاومتهم، عندها تدخل الجماهير في شبه حالة تنويم، مناسبة للإيحاء: « ما تقولونه للشعب، عندما يشكل كتلة جماهيرية، في حين أنه يكون في حالة تلق بولاء متعصب، فإن ذلك ينطبع في ذاته ويبقى وكأنه أمر تنويمي؛ إنه تلقيح لا يهدم وهو الذي يقاوم كل حجاج عقلي.»([3])
II .الخطاب المتطرف
أ . المادية
1 . التعنيف؟
تريد الدعاية أن ” تقنع” بشكل فوري، ومؤكد ومستمر. ولفعل ذلك، فهي تبحث، كما أسلفنا، على أن تقصر دائرة تفكير المتلقي، لأن عملية الإقناع الثقافية طويلة وعشوائية. وتتطلب طريقتها قصفا بدون توقف للرسائل لتجذيرها في عقل المتلقي ولدحض الأفكار المعارضة. بعد ذلك، حسب نظرية رد الفعل الشرطية، يكفي أن نرسل حكما، أو نلقي شعارا لتحريك الجماهير في الوجهة التي نريدها. كما يشير إلى ذلك أُوليفيي روبـولOlivier Reboul([4])، ليـس مـن الضروري أن نصـرخ قائلين: «أخرِجوا هؤلاء الفاشيين»، قد يكفي الصياح الوحيد: « الفاشيون !».
2 . القول كالفعل
لا ينظر إلى القول من زاوية العقل وإنما من زاوية القوة. فالخطيب لا يتساءل إن كان ما يقوله صحيحا أم خطأ، ولكن ينظر إلى ما إذا سيكون لذلك تأثير قوي وسريع على خيال وفعل المتلقين. وتعتبر الكلمة المنطوقة بوصفها صوتا، وموجة بحيث يعمل تلقيها على إطلاق صور، ووخلق مشاعر وأفعال. إذ تعتبر الكلمات كسهام أو رصاصات. والمسألة حينئذ ليست في جعلهم يتقبلونها بوعي ولكن في إنباتها في عقل المتلقي. نخرج من العالم اللامادي والثقافي لندخل في عالم الفيزياء والميكانيكا الموجية.
3 . « L’orthopraxie » ” التقويم”/ الاعتقاد بأن العمل الصحيح لا يقل أهمية عن الإيمان
وحسب ما ذكر سابقا، فإن الانتقال من الرأي إلى الفعل، هو أيضا بطيء وغير مؤكد. هل أُقْنِعَ أحد ما بفكرة وأتت أفكار وأحاسيس أخرى معاكسة ألغت الفعل الذي كان عليه اتباعه. وعلاوة على ذلك، فإن الفكر والفعل غالبا ما يكونان منفصلين عند الإنسان الحديث: حيث يمكن أن يتصرف المرء في اتجاه وهو يفكر في اتجاه آخر. لماذا إذن ستجاهد لإقناع أحد ما؟ فلنكتف، كما يقول الديماغوجيون الشموليون، بإثارة فعل مطابق لما نطمح إليه ! ليس المهم أن تدفع المرء لينضم إلى (استقامة الرأي) ولكن أن يكون لك ” الاعتقاد بأن العمل الصحيح لا يقل أهمية عن الإيمان”، حسب تعبير جاك إللول Jacques Ellul([5])
كان هتلر، في الغالب، لا يأتي بمعلومة جديدة في خطاباته، حتى لا يكون انتباه المتلقي منصبا عليها ناسيا الخطيب. و كان يكرر صلوات سُمعت من قبل مرات عديدة من لدن كتلة جماهيرية مُمذهبة ومتخمة بالدعاية. فالمحتوى، المعروف جيدا، لا ينطوي على خطورة البعث على التفكير أو تحويل المتلقي عن المشاركة العاطفية مع الخطيب. وبذلك يختزل الخطاب نوعا ما إلى وظيفته اللغوية: أي بناء تيار من التشارك التام بين الكتلة الجماهيرية وقائدها.
ب . العِلْمية
إن الخطاب الشمولي علمي، ومنفصل عن الواقع، وغير قابل للتزييف، وهو غير منسجم.
1 – العلمية النبوية
كانت الأنظمة الشمولية تعلن أنها علمية، وكانت الستالينية والنازية تَدَّعِي معرفة القوانين المحقَّقة، للتاريخ بالنسبة للأولى، وللطبيعة بالنسبة للثانية، وقد كلفا بمهمة تنفيذها. فقائد الجماهير هو الخبير والشارح (المترجم) لهذه الشرعية السامية. ويريد أن يكون محقق الحدوث، ويتنبأ بالمستقبل، ولا يخطئ أبدا. فقد كان القسم الأول الذي لعضو الحزب النازي هو: « إن الفوهرر دائما على حق». وفي نفس المرحلة كان يردد صداه في إيطاليا: « موسوليني دائما على حق». من ثَم الشكل التنبئي المستعار من الخطابات الشمولية والنبرة القطعية لتأكيداتهما. وكذلك تصريح هتلر للرايخ في يناير 1939:« سوف أتنبأ اليوم أيضا: إذا نجح الرأسماليون اليهود، مرة أخرى،(…) في دفع الشعوب إلى حرب عالمية، فسوف تكون النتيجة (…) إبادة العنصر اليهودي في أوروبا.»([6])
تفسر الحتمية الإيديولوجية الاستعمال المتواتر للاستعارة الجسمانية: فتبعية الأعضاء للجسد كانت تؤيد تبعية الأشخاص للنظام والبرمجة الوراثية أعطت الشرعية لتنظيم النسل في الاتحاد السوفييتي.
لقد لاحظ طوكفيل Tocqueville أن لهذه اللغة العلمية النبوية، التي كانت تلبي احتياجات الجماهير، جاذبية لدى الأنظمة التي «تمثل كل أحداث التاريخ كتابع للقضايا الكبرى الأولى المرتبطة بسلسلة القدر([7])». وقد فقد الأفراد المشكلون لهذه الجموع الغفيرة تأصيلهم وأصبحوا يطمحون إلى إعادة إدماجهم داخل القوات الأبدية والإجبارية.
[1]– Hitler, cité par Hermann Rausching, op.cit., p. 251/ هيتلر، ذكره هيرمان راوشنينغ، مرجع مذكور. ص. 251.
[2]– Hitler, Mein Kampf,op.cit., p. 473.هيتلر، كفاحي، مصدر مذكور، ص. 473 /
[3]– Hitler, cité par Hermann Rausching, op.cit., p. 251-252/ هيتلر، ذكره هيرمان راوشنينغ، مرجع مذكور. ص. 251-252 .
[4]–Langage et idéologie, op. cit., p. 114 / اللغة والإيديولوجيا، مرجع مذكور، ص. 114 .
[5]– Jacques Ellul, Propagandes, paris Armand Colin, 1962, p. 36-44 / جاك إللول، دعايات، باريس، أركان كولان، 1962،ص.36-44.
[6] -Cité par Hannah Arendt, in Les origines du totalitarisme. Le système totalitaire, traduit de l’américain par Jean-Loup Bourget, Robert Davreu et Patrick Lévy, Paris, Points-Seuil, 1972, p. 75
– ذكرته حنا آرينت، في أصول الشمولية. النظام الشمولي، ترجمه من الأمريكية جان-لو بورجي، روبير دافرو و باتريك ليفي، باريس، بوان- سويْ، 1972، ص. 75.
[7]– Tocqueville, cité par Arendt, Les origines du totalitarisme, op.cit., p.71/ طوكفيل، ذكرته آرينت، أصول الشمولية، مرجع مذكور، ص. 71 .
د. عبد الواحد التهامي العلمي









































































PDF 2025


