التدريس بالمسجد النبوي
يقوم بالتدريس في المسجد النبوي الشريف طائفة من العلماء الأعلام، سواء من الحجازيين اهل البلاد أو من المجاورين في المدينة من أهل أقطار إسلامية أخرى، لا أجر لهم على ذلك إلا ابتغاء مرضاة الله وجزيل الثواب. وإذا ما حل موسم الحج وكثر توارد الحجاج والزوار رأيت الحرم المدني على اتساعه كله حلقات علمية يستقي منها الناس مايهم دينهم في أداء مناسك الحج، إذ كثيرا ما تكون الدروس في ذلك الإبان خاصة بها على مختلف المذاهب ليزداد الناس بها تبصرا فيما هم مقبلون عليه من أحكام ذلك الواجب الديني الكبير زيادة على الدروس الأخرى في الحديث والسير وغيرها، وقد حضرنا بفضل الله في عدة مجالس، منها مجلس للأستاذ العلامة الشيخ محمد البيضاوي المغربي من أهل الدار البيضاء، يقرر فيه المناسك بتأليف له على مذهب الإمام مالك، ومنها مجلس للأستاذ الشيخ صالح التونسي الذي رأينا له حملة شعواء على محلقي الأدقان مع الصراحة في التنديد على كل ما هو مخالف للدين. ومنها درس لخطيب المسجد النبوي وإمامه، وهو من علماء نجد، ومنها درس لأحد العلماء المصريين، كل من حضره من إخواننا المغاربة يشهدون أنهم ما رأوا له نظيرا في الحفظ والفصاحة وحسن الإلقاء، تبارك الله أحسن الخالقين، ومنها مجلس لأحد علماء الهند رأيناه يدرس فيه الحديث باللغة الهندية في وسط حلقة عظيمة من الهنود، وهو واقف لا نفهم له شيئا إلا ما يورده من الأحاديث والقرآن، إذ يأتي به بلفظه ويفسره لهم باللغة الهندية. ولقد رأينا في تلك الجماعة الكبيرة من الهنود صورة حقيقية من صور التخشع والانفعال لكلام الله وحديث رسوله الكريم، وما من أحد إلا وتراه في كل مناسبة من المناسبات منهم يذرف الدموع على العذار، ومن أعجب ما حضرنا له صدفة في هذا المجلس الهندي أن مدرسه المذكور بينما كان يفسر قول الله تعالى «إنك ميت وأنهم ميتون»، إذ جاء ـ أما غلطا منه أو على مذهب حزبه أو ترويجا لدعاية أسندت له ـ بكلام بشيع يمس بمغزى حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فما راعه إلا والأيادي مترامية فيه بالضرب والتلطيم من جميع إخوانه الهنود الذين أخرجوه في الحين من المسجد لرفعه إلى الأمير على أنه مرتد، وقد كنا نظن أن حياته في خطر من شدة ما لحقه، لكنه بعد يومين أو ثلاثة عاد إلى التدريس في محله ـ ربما ـ بعد الاعتذار أو بيان وجه غلطه.
هذا وأن ما يجده الإنسان من الأثر في نفسه لمجالس العلم في الحرم المدني لشيء يعجز التعبير عنه باللسان فضلا عن أن تصفه الأقلام، إذ كيف لا وأنت تسمع حديث الرسول في مسجده وعلى مقربة من قبره الشريف والمدرس يقول: «قال نبينا هذا صلى الله عليه وسلم»، وهو يشير إلى قبره الشريف أو «عليكم بما أمر به النبي الكريم هذا» وهو يشير إليه أيضا حتى كأن الإنسان في حضرته صلى الله عليه وسلم جالس.
كذلك وجدنا أمر تعليم القرآن الكريم من أهم ما عني به في المسجد النبوي حيث يوجد في باب المجيدي مكتب عامر بالصبيان – زيادة على المكاتب القرآنية العديدة الموجودة خارج الحرم ـ في المدينة يعجب منه أيضا أننا بينما كنا نتجول في أروقة المسجد المحمدي للتبرك بأنواره الساطعة إذ وجدنا صبيا صغيرا شديد السواد لا يتجاوز السابعة من عمره فظننا أنه من العبيد ثم بعد الحديث معه تبين أنه ابن عالم سوداني مهاجر هناك وهو يأخذ عنه دروسا في العربية مع القرآن، وأن تعجب فعجب لصبي كهذا يرتل لك القرآن ترتيلا ويجوده تجويدا ويحفظه حفظا منيعا، وقد زرنا والده العالم السوداني المذكور ولديه الصغيرين الدروس النحوية على الطريق الحديثة وكثيرا ما كنا ندعو الصبي المذكور لسماع القرآن منه بصوته اللطيف وجودة تجويده.
مساجد المدينة
وعلى ذكر المسجد النبوي نقول أن بالمدينة المنورة عدة مساجد يبلغ عددها نحو 16 زرنا منها مسجد القبلين ومسجد المايدة ومسجد الإجابة ومسجد سيدنا علي الذي بقربه دار سيدتنا فاطمة الزهراء ومسجد سيدنا بلال ومسجد سيدنا أبي بكر الصديق ومسجد قبى الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وشاهدنا به طاقة الكشف ومحل جلوس الناقة ومحل نزول الآية الفرقانية «لمسجد أسس على التقوى» وبقربه مجسد الخاتم الموجود فيه البئر الذي سقط فيه خاتم النبي صلى الله عليه وسلم وبقربه أيضا زرنا العين الزرقاء التي ينزل إليها بدرج واسعة وهي التي يدخل ماءها العذب للمدينة.
محمد وطاش









































































PDF 2025


