3.الجود:
شهر رمضان شهر جود وبذل وعطاء بامتياز، ولأن موضوع الجود وما يتصل به من سخاء، وكرم، وإيثار، مطروق بعمق واستفاضة في المصادر والمراجع الدينية والأدبية، فسأكتفي في هذا المقال، ونحن في ختام العشر الأواخر حيث يحيي الصائمون ليلة القدر المباركة التي تزكو فيها الصلوات والدعوات والابتهالات؛ أقول سأكتفي بالتذكير بقيمة الجود المادي، والمعنوي، والعاطفي، في حياة كل فرد منا.
أبدأ بالجود المباشر الذي يغمرني كل صباح لما أتلقى عبر وسائل التواصل الحديثة من أعز الأقارب، وأنبل الأحباب، وأشرف الأصدقاء، وأوفى التلاميذ، تحيات الصفاء والهناء، ودعوات البهاء والرخاء…
وأثني بالجود الذي يخصون به بعض كلماتي المتواضعة في هذا الفضاء الجميل الذي أرتبط عبره بأعز الناس وأرقاهم علما، وأقومهم سلوكا.
وأثلث بالجود الذي يخصني به باحثون أعزاء، ومبدعون ألباء لما يهدونني أطيب إنتاجهم، ممهورا بكلمات طيبة نابعة من قلوبهم الطيبة.
وأربع بالجود الذي يشملني به أصدقاء خلص، لما يتقاسمون معي فائدة، أو حكمة، أو خبرا مهما، أو حدثا استرعى الانتباه.
وأخمس بالجود الذي أجده مبثوثا فيما خلفه لنا أولو النهى وأولو الألباب من العلماء والأدباء والشعراء، ورواد الفكر المغربي والعربي والإسلامي والإنساني.
***
إن المرء وهو يفتح عينيه على يوم جديد، يجد نفسه محاطا بفيض غامر من الجود؛
جود صحي من الجواد الكريم؛
وجود عاطفي من الزوجة الوفية والذرية الصالحة والأسرة المتضامنة، والرفقة المساندة، والصداقة الخالصة…
إن اللحظات الهنية، والجلسات الأخوية، والزيارات العائلية، من أجمل هدايا الجود التي تجود بها الأيام علينا، ولما نفقدها أو نعدمها، نتذكرها وندرك أنها كانت نفحة جود جددت فينا المحبة والوفاء، وبسمة جود طيبت كلمات حديثنا، وثمرة زكية زكا بعبيرها مجلسنا مع أساتذتنا، وأصدقائنا، وأبنائنا، وأقاربنا، وطلابنا، وجيراننا…
***
كل ما حولنا، وفوقنا، وتحتنا، يجود بنعمة ربه؛
فالسماء تجود بغيث مزنها؛
والأرض تهتز وتربو فتخرج من مكنون جوفها كل زوج بهيج ؛
والشمس تجود بدفء أشعتها بإذن ربها؛
والبحار والأنهار تجود بطهور مائها ولذيذ سمكها؛
والأشجار تجود بأطيب ثمارها المختلفة ألوانها وطعومها؛
والأنعام تجود بأوبارها وحليبها ولحمها وشحمها، وتحمل الإنسان إلى أماكن ما كان ليبلغها إلا بشق الأنفس؛
ودواجن الطير تجود ببيضها ولحمها وريشها لينعم الإنسان بحياة طيبة…
***
كل ما في الكون يجود، وهو ما أشار إليه بلطف وحكمة القطب الرباني أبو العباس السبتي الذي قال: الوجود ينفعل بالجود.
وهذا امتداد لإسوتنا الحبيب المصطفى الذي كان كما روى البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول صلى الله عليه وسلم، حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)). متفق عليه (رياض الصالحين للإمام النووي، الحديث رقم: 1222).
وقيل في منثور الحكم: الجود عن موجود؛
وقيل في المثل: سؤدد بلا جود كملك بلا جنود؛
وقال بعض الفصحاء: جود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده.
وفي الشعر جادت القرائح في الجود وأصحابه بأجود الأبيات أقتطف منها قول شاعر:
فتى كملت خيراته غير أنه
جواد فما يبقي من المال باقيا
وقول آخر:
أبى الجود في الدنيا سواك لأنه
تفرع من جود وأنت أبو الجود
هذا دون إغفال بيت المتنبي الخالد:
لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يفقر والإقدام قتال
***
وبعد؛
فإذا كنا نتأسى بسنة الحبيب المصطفى قولا، وفعلا، وتقريرا؛
وإذا كان الوجود ينفعل بالجود كما قال أبو العباس المرسي؛
فإن كل فرد في مجتمعنا، ومن طبيعة موقعه، مطالب بالجود الذي يناسب رصيده المالي والتجاري؛
ومكانته الدينية والاجتماعية والخلقية؛
ودوره السياسي والرياضي؛
ورسالته الأدبية والتربوية والفنية؛
وإشعاعه العلمي والفكري والثقافي…
وليكن كل غيور وغيورة جوادا بنصيب مما رزقه الذي لا تنفد خزائنه ليظل بلدنا آمنا مطمئنا يأتيه رزقه رغدا.
((والله يرزق من يشاء بغير حساب)).
(سورة النور: 37)
د. محمد محمد المعلمي









































































PDF 2025


