- لعلّ أبرز ما ميّز شخصية القاضي عياض العلمية، العناية بمنهج الرواية والنقل، والاهتمام بالتصحيح والضبط، وقد ظهر أثر منهجه هذا جليّاً في أكثر مصنّفاته ومؤلفاته؛ ذاك أنّ إمامنا القاضي يعتبر أنّ أصل الشريعة نقلٌ ورواية قبل أن تكون فهماً ودرايةً، ومن ثَمّ فلا بدّ من تثبيت العرش قبل رسم النّقش.
- من هذا المنطلق؛ لم يكن الإمام يتساهل مع من يُخلّ بهذا المنهج، أو من يقفز عليه ويتجاوزه إلى غيره، وفي هذا الصدد يقول: ” والذي ذهب إليه أهل التحقيق من مشايخ الحديث، وأئمة الأصوليين، والنّظار، أنّه لا يجب أن يحدّث المحدّثُ إلا بما حفظه في قلبه، أو قيّده في كتابه، وصانه في خزانته… والكلُّ مجمعون على أنّه لا يُحدّثُ إلا بما حَقّق، وإذا ارتاب في شيءٍ فقد حدّث بما لم يُحقّق”.
- المتتبّعُ لحياة القاضي عياض العلمية سوف يعجب من عظيم وفائه لهذا المنهج تنظيراً وتمثّلاً، سواء في مؤلفاته ومصنّفاته، أو في سلوكه وشخصيّته، وما كانت رحلته إلى الأندلس سنة: (507هـ) ولقائه بعلماء قرطبة ومشايخها إلا تصحيحاً لمروياته، وضبطاً لمسموعاته، ومقابلةً لأصوله، وهكذا نجده يقصد شيوخاً معيّنين اشتهروا بضبط الرّواية وصحّة السّماع، وعلوّ السّند؛ كحال شيخه الفقيه أبي محمد عبد الرّحمان ابن عتّاب [ت.520هـ]، الذي يقول عنه ابن بشكوال في «الصّلة»: ” كانت الرحلة في وقته إليه، ومدار أصحاب الحديث عليه، لثقته وجلالته وعلوّ إسناده، وصحّة كتبه، وكان صابراً على القعود للنّاس، مواظباً على الإسماع لهم يومه كلّه وبين العشاءين”.
- أو كحال شيخه الفقيه القاضي: أبي عبد الله محمد بن خلف التجيبي القرطبي المعروف بابن الحاجّ [ت.529هـ] الذي يصفه ابن الأبّار في «الأزهار» بقوله: ” كان معتنياً بالحديث والآثار، جامعاً لها، مُقيّداً لما أُشكل من معانيها، ضابطاً لأسماء رجالها وروّاتها، ذاكراً للغريب والأنساب، واللغة والإعراب، وعالماً بمعاني الأشعار، والسّير والأخبار”، وعنه في «الصّلة»:” قيّد العلم عمره كلّه، وعُني به عنايةً كاملةً، ما أعلم أحداً في وقته عُني به كعنايته”.
- نكتفي بالإشارة إلى هؤلاء الجِلّة من شيوخه المبرّزين في العلم والضبط والرواية، والذين قصدهم القاضي عياض من أجل التّأكد من سلامة المنهج النقلي، وتثبيت المادّة التي يقول عنها المرحوم الأستاذ محمد الطّنجي: “إذا لم تثبت بصورة صحيحة نسبتها إلى أصحابها، لا تصلح أساساً للبحث والدّرس وبناء أحكام عليها، سواء كانت هذه الأحكام دينيةً أو علميةً أو أدبيةً”، ويعتبر رحمه الله: “أنّ الحرص على إكمال المنهج النقلي وسلامته، واضحٌ في عناية القاضي البالغة في التّوسع في الرواية والقراءة، وبمقابلة كتبه بالأصول الصحيحة، والتّصحيح على الأصحّ والأفضل من رواياتها إلى أصحابها ، وبالنصّ كذلك على أنه قابل أو صحّح”.
- ومن يقرأ «الغنية»؛ سوف يلمس هذا الجانب المنهجي الذي أشار إليه المرحوم محمد الطّنجي والمتمثّل في العناية بالرواية وأنواعها، والمرويّات وضبطها بارزاً وواضحاً، من ذلك قوله عن شيخه أبي عبد الله محمد بن عيسى التّميمي السّبتي: ” لا زمته كثيراً للمناظرة في المدوّنة والموطّأ، وسماع المصنّفات، فقرأتُ وسمعتُ عليه بقراءة غيري كثيراً، وأجازني جميع مرويّاته”، وعن كتاب «الطّبقات» للإمام مسلم: ” قرأتهُ على القاضي أبي عبد الله، حدّثني به عن أبي العبّاس الدّلائي إجَازةً، ومِنْ أَصْل أبي العبّاس نقلتُ كتابي، وهو أصلُ شيخنا الذي أمسك عليّ وقت القراءة”.
- وعن شيخه ابن الحاج:” قرأتُ عليه في داره بقرطبة جميع كتاب «غريب الحديث» لابن قتيبة، وعارضتُ كتابي بكتابه، وأجازني جميع مروياته”. وعن شيخه أبي بكر بن العربي:” كتبتُ عنه فوائد من حديثه، وناولني كتاب «المؤتلف والمختلف» للدّارقطني”، وعن أبي العبّاس أحمد بن عمران الطليطلي:” قرأتُ عليه «إصلاح الغلط» لابن قتيبة، وقرأتُ عليه أيضاً أحاديث عالية، كانت عنده عن الجيّاني، وكانت عندنا عن الجيّاني إجازةً”.
- ونحن نتحدّث عن القاضي عياض بخصوص المنهج النقلي الذي اعتمده في مصنفاته واهتمامه الشديد بشأنه تحمّلاً وأداءً، لا يسبق إلى فهم القارئ الكريم أنّ الإمام كان يُغفل جانب الدراية، أو يُقلّل من شأنها، أو يُهوّن من شأن العقل لصالح النقل، بل بالعكس تماماً، وإذا كان قد اشتهر عن الإمام البخاري أنّ فقهه في تراجمه، فإنّ إمامنا القاضي كان عقله في نقله ودرايته في روايته.
- وفي هذا السياق يصحّح الدكتور محمد زنبير سبق الفهم هذا بقوله: “لأنّ عياضاً في تواضعه لا يسمح لنفسه أن يتوسّع في بسط آرائه، بل إنّ كثيراً ما نجده يرجع للآثار والرّوايات، وكأنّه لا فضل له إلا في النّقل، ولكـــن حــــذار من أن ننخدع لمثلك ذلك التواضع، إنّه وهو ينقل يتحرّك بمحرّك داخليّ يجعله يسير في خطّ معين، نحو أهداف معيّنة، فعمله يبرز على الحقيقة في الرّبط بين الرّوايات والنّقول برباط منطقي قويّ يجعل من علمه علم عمل”.
- تقدّمُ العلم الحديث وتطور مناهج العلوم، لم يمنع الكثير من أعلام الفكر المعاصر إلى تبنّي هذا المنهج والدعوة إلى إحيائه باعتباره حاجّة ملحّة في الدّرس العلمي أكثر من أيّ وقت مضى في تاريخنا المعرفي، فهذه المرحومة الأستاذة القديرة عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ)، تؤكد في كتابها «المقدّمة» وتقول: ” ومما أحرص على لفتكم إليه، هو ألا تظنّوا أنّ ضوابط هذا المنهج النّقلي قد انتهت الحاجة إليها بعد الانتقال من عصر المخطوطات إلى عصر الطباعة، بل تظلّ الحاجة إليه قائمة”.
- وبصريح العبارة كتبت بعد دراستها لكتاب «المشارق» قائلةً: ” ففهمتُ أنّ الرّواية هي الأصل والأساس، وقد يتصور وجودها دون دراية، ولا يتصوّر العكس، ولا يعيب الرّاوي ألا يفقه ما يرويه، بل الذي يعيبه ويُسقطه خلل الضّبط، وعدم تحرّي الصدّق، والأمانة فيما يرويه وينقل، أو أن يخوض فيما لم يُحط به علماً، فذلك مفسدةٌ للعلم والدّين معاً”.
د. محمد شابو









































































PDF 2025

