4/ اعتناء العلماء والعارفين في تآليفهم وإشاراتهم الذوقية بقيمة المحبة:
المحبة عاطفة جياشة خُلقت مع فطرة الإنسان لا يستغني عنها في شكل من أشكالها. واعتنى بها العربُ كثيرا في لغتهم حتى وصلت مسمياتها ستين اسما أو يزيد يدل كل واحد منها على درجةِ تمكُّن هذه العاطفة من قلب الإنسان. ولم ينظر علماء الشريعة إلى المحبة العفيفة على كونها شيئا ينبغي أن يُنزَّه عنه الرجال، بل نظروا إليها على أنها فطرةٌ إنسانيةٌ، تُهذَّب حتى لا تتحول إلى معصية. وهذا النوع من المحبة لم ينج منه لا الأنبياء ولا الصحابة ولا العلماء ولا الفقهاء ولا السلاطين ولا الأمراء ولا غيرهم من بقية الناس. وقد ألّف علماء الإسلام فيه مؤلفات، وذكروا مكانته في الشرع والدين والدنيا، وذكروا من قصص المحبين وما كان من أخبارهم. كما احتفت كتب التاريخ والسير والتراجم وحتى كتب التفسير، وشروحات الحديث بقصص المحبين على اختلاف درجاتهم. وكذلك الكتب التي عالجت قضايا أو مشكلات اجتماعية خاصة مثل كتاب «الداء والدواء» لابن القيم، وكتاب «ذم الهوى» لابن الجوزي، و»اعتلال القلوب» للخرائطي، و»الإحياء» للغزالي. إضافة إلى كثير من كتب الصوفية، نثرية كانت أوشعرية، والتي ربط الكثير منها المحبة بالحب الإلهي والحب المحمدي.
ومن أشهر الكتب كذلك التي ألفها علماء الإسلام واقتصروا فيها على الحب وما اتصل به:
– كتاب «طوق الحمامة في الألفة والأُلاف» للإمام الكبير ابن حزم الفقيه الظاهري الأندلسي (ت. 456هـ). وهو رسالة في الموضوع جمع فيها مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين.
– كتاب «روضة المحبين ونزهة المشتاقين» للفقيه الحنبلي ابن قيم الجوزية (ت. 751هـ). ويعتبر أكثر الكتب المؤلفة فائدة من جهة جمع الأحاديث والآثار والأخبار.
– «ديوان الصبابة» للفقيه المغربي الحنبلي ابن أبي حجلة (كان معاصرا لابن القيم).
– كتاب «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لعالم الطب والأدب داود بن عمر الأنطاكي (ت. 1008هـ)
وتجدر الإشارة إلى أن فقهاء الإسلام حينما ألّفوا في الحب والمحبة، كانت لهم أغراض متعددة، مثل الأغراض الأدبية أو أغراض البحث في العاطفة الإنسانية أو ذكر القصص والحكايات والطرف، دون إغفال ذكر عقوبة الوقوع في المعاصي وفضل العفة والتعفف.
5/ بعض النماذج المشرقة لقيمة المحبة:
سجل لنا التاريخ نماذج كثيرة ضربت المثل في المحبة بأنواعها. ومن هذه النماذج من فاقت بمحبتها تصور العقل والعاطفة المحدودين لدى العديد من الناس. ففي المحبة الإلهية نجد العارفين بالله هم أكثر الناس محبة لله سبحانه، فكلما عرف الإنسان ربه كلما ازداد حبا له حتى يفرغ قلبه عما سواه. وهؤلاء العارفون كلهم على هذا القدر من محبتهم لله، لذلك أفنوا حياتهم مع محبوبهم الله بالدلالة عليه والدعوة إليه والأخذ بيد الخلق إليه أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وحبهم للمصطفى من حبهم لله إرضاء له سبحانه الذي اجتباه بالمحبة العظمى على بقية الخلق لعلمه السابق بأنه أشرف الخلق جميعا.
كما ترك لنا التاريخ نماذج جميلة أكثر بكثير من أن تستقصى في المحبة التي تجمع الناس ببعضهم البعض؛ غير أننا في «الاقتداء والاهتداء» نأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مثال لكل أشكال المحبة: محبته لله تعالى والتي تتجلى في كونه ما كان يغضب إلا لشيء يتعلق بالله عز وجل. محبته الشديدة لأمته والذي يتجسد في كونه ما طلب من ربه شيئا لنفسه، وإنما توسل له ساجدا باكيا متضرعا أن يشفعه في أمته يوم القيامة. محبته لزوجاته أمهات المؤمنين وكيف كان حليما بهن لينا في معاملتهن منخرطا في دقائق أمورهن على كثرة اشتغالاته وانشغالاته. محبته لصحابته رضوان الله عليهم، محبته لنا حتى سمانا «أحبابه» نؤمن به ولم نره حتى بكى شوقا لنا وهو يتكلم عنا، محبته لصويحبات السيدة خديجة رضي الله عنها بِرا بها واعترافا بمكانتها الكبيرة في قلبه حتى بعد وفاتها، محبته لإخوانه الأنبياء والرسل وذكره لهم بكل إجلال وتقدير، محبته لأبنائه وبناته، محبته لأسباطه، محبته لناقته لمسجده لمنبره لجبل أحد… بتأملنا لهذا، نجده صلى الله عليه وسلم قدوة لنا في المحبة الصادقة الخالصة لوجه الله الكريم. وهي التي تحدث عنها العارفون بالله في كتبهم ومجالسهم. يقول السري السقطي: «لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر: يا أنا».
6/ مدى الحاجة الإنسانية لقيمة المحبة ضمن خصوصيات السياق العالمي المعاصر:
للأسف الشديد، أصبح العالم اليوم يتخبط في جو يسوده البغض والتباغض، يسوده الحقد والعنف والإرهاب الذي راح وما زال يروح ضحيته عدد من الأبرياء والضعفاء من النساء والأطفال والمسنين، وخلف كذلك تشويه الطبيعة والبيئة بما يهدد أمن واستقرار الإنسان على هذه البسيطة، التي خُلق وجُعل فيها أصلا خليفة للخالق عليها وعبادة له حق عبادته. أمام هذا الوضع الذي لا يطمئن، أصبح العالم في أمس الحاجة للترياق الشافي من كل الأدواء والأسقام التي ذكرناها. وما هذا الترياق إلا إكسير المحبة التي تطفئ الغضب وتزرع البهجة والحبور والتعاون والتآزر، وتمحي الفروق والخلافات نحو تعايش بتسامح وتفاهم يطبعه الود والوداد، والحب والحباب. وقد صدق سيدنا علي كرم الله وجهه وهو الموصوف بالعلم والحكمة من طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنفع الكنوز محبة القلوب». ومرد ذلك التأثير العجيب للمحبة في القضاء على الآفات الاجتماعية التي يخلفها البغض والكراهية والحقد والغيرة والحسد… ولذلك اعتبرت المحبة رَوْحَ اللهِ في عباده بل حتى في باقي مخلوقاته كالحيوان الأعجم الذي أصبح يقدم للإنسان دروسا وعبرا في المحبة والألفة بين صغاره وبني جنسه، بل حتى مع من يشاركه المأوى والمرعى…
7/ كيفية ترسيخ قيمة المحبة في المجتمع والوسائل الكفيلة بنشرها وإشاعة التخلق بها:
من المفروض أن يكون مجتمعنا الإسلامي مجتمعا محبا تطغى المحبة على أقواله وأفعاله، ما دام الإسلام نص على المحبة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وما دام سيدنا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأزكى التسليم أعطى خير مثال للإنسان المحب لربه ولعباده بل لكافة مخلوقاته، وما دام هو قدوتنا «ولنا في رسول الله أسوة حسنة». يجب علينا التحلي بالأخلاق المحمدية الراقية السامية التي تترجم المحبة في دقائق أمورها. كيف لا؟ وهو الممدوح بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. سورة القلم: الآية 4. وفي الجامع الصغير أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي».
ابتعدنا عن محجة المحب المحبوب فابتلينا بظواهر هجينة علينا. ولا خلاص لنا مما ابتلي به المجتمع إلا بالاقتداء التام بالرسول المحبوب الأكرم وأمهات المؤمنين والصحابة الكرام رضوان الله عليهم حتى تطهر نفوسنا وتغمر المحبة قلوبنا. ولن يتأتى لنا هذا إلا بتظافر جهود عدة أطراف أولها الأسرة الصغيرة والممتدة، والمدرسة خاصة في التعليم الأولي والابتدائي حيث يفترض تلقين الطفل مبادئ الأخلاق تتمة لدور الأسرة. ولا ننسى ما للإعلام من دور بناء أو هدام للفرد والمجتمع، لذا فإنه يناط به أيضا إذاعة أعمال تترك عند المستمع والمشاهد انطباعا يبعث على المحبة والخجل مما يناقضها، ومراقبة مواقع التواصل الافتراضية وما تنفثه من سموم مجتمعية أرخت بتأثيرها السلبي على ناشئتنا وشبابنا.
8/ علاقة قيمة المحبة مع باقي القيم ضمن فلسفة الأخلاق في الإسلام:
سئل أحمد بن عطاء الله عن المحبة، فقال: «أغصان تُغرس في القلب، فتثمر على قدر العقول». ومن أجمل ما قيل في المحبة أيضا أنها «نصف العقل»، وأنها «أول العقل»، وأنها «رأس العقل»، وأنها «نصف الدين». وهذه الصفات الجليلة التي وردت في المحبة جعلت منها – كما أورد أبو القاسم القشيري – حالةً شريفة، شهد الحق سبحانه بها للعبد. وبين الرَّاغب الأصفهاني عظمة المحبة بقوله: «لو تحابَّ النَّاس، وتعاملوا بالمحبَّة لاستغنوا بها عن العدل، فقد قيل: العدل خليفة المحبَّة يُستعمل حيث لا توجد المحبَّة، ولذلك عظَّم الله تعالى المنَّة بإيقاع المحبَّة بين أهل الملَّة، فقال عزَّ مِن قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ سورة مريم: الآية 96» . وقيمةٌ نبيلةٌ بهذا القدر الجليل كفيلةٌ أن تتولّد عنها قيمٌ جليلة أخرى كالإيثر والتعاون والتآزر والصحبة الصالحة والنصح والصبر على الأذى وتحمل الآخر وتقبله وغيرها من القيم الجميلة الأخرى. فشرف المحبة يجعلها قيمة ولاّدة لقيم أخرى تتكامل وتتناغم مع بعضها البعض لتشكل جميعها فسيفساء فلسفة الأخلاق في الإسلام.
د. لطيفة الوزاني الطيبي









































































PDF 2025
