الحياة في المدينة
الإنسان في المدينة كأنه في غير هذا العالم لا يسمع من أخبار أهواله شيئا ولا يلهيه عن ذكر الله لاه من الملاهي. ومن انقطع فيها للعبادة لا يجد أدنى مانع له في ذلك مثل ما يجده في غيرها، ولا حياة أرخص له مما فيها، ولكن هيهات هيهات أن يطيق تأدية الأدب اللازم عليه فيها عندما يرى ما كان لإمامنا مالك رضي الله عنه من الأدب فيها مراعاة لساكنها عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. ولذلك لما أزمعنا على الرحيل وأدينا لسيد الوجود تحية الوداع علينا الفراق أشد من فراق الأهل والبلاد في أول سفرتنا، فلا حرمنا الله وإخواننا المسلمين من العودة إلى مقام سيد المرسلين.
الرجوع إلى جدة
ولما وصلنا إلى جدة بعد الخروج من مكة عند انتهاء مناسك الحج، كما أشرنا إلى ذلك سابقا كانت الهمة مصروفة إلى الرجوع إلى الأوطان فأقمنا فيها يوم الإثنين 17 حجة ويوم الثلاثاء وكان نزولنا فيها عند السيد عزة كبارة بباب المغاربة، فوجدنا عنده كل اعتناء وبرور وكانت الرياح والعواصف طول تلك المدة في غاية شدتها، وكان الحجاج قد تقاطروا بعدد وافر للإبحار مع أول باخرة تخرج من هناك وكانت مسألة تحضير أوراق السفر من الشركة الخديوية وأمر طبع جوازات السفر بقنصلية فرنسا ليس بالشيء الهين، ولكن من لطف الله بالحجاج المغاربة أن قيض الله لهم ذلك الرجل اللطيف السيد الحاج إبراهيم الكانوني البيروتي فأوقف نفسه هو وأخويه الأديبين السيد الحاج أحمد والسيد الحاج محمد لخدمتهم وتكفلوا لهم بذلك كله إلى أن أحضروا لهم الأوراق وقد كان ثمنها في الدرجة الثانية 910 فرنكات من جدة إلى بيروت غير داخل في ذلك واجب الأكل ولا بيت النوم. ولشدة ما كان عليه هيجان البحر إذ ذاك وعدم إمكان الإبحار اغتنمنا فرصة سكونه في فجر يوم الأربعاء 19 ذي الحجة وركبنا قبل الشروق في زورق بخاري بنحو عشر فرنكات للنفر، وذلك بعد اجتياز عقبات صعبة في الديوانة لما فيها من الازدحام بين حجاج الهنود والجاويين وغيرهم، وما يتطلبه من عرض جوازات السفر أيضا على ولاة الديوانة وجمع العفش في القوارب، والحال أن المسافة بين الديوانة ومحل رسو البواخر بعيدة جدا، بمعنى أن الزوارق أو القوارب لا تذهب إليه على خط مستقيم قواماً بل تدور دورة طويلة تتجنب فيها عن بعض النقط القليلة العمق والتي كثيرا ما تتصل فيها الفلايك بالرمال، ولذلك تقضي الزوارق في هذه الخطة مدة طويلة تقرب من نصف ساعة والقوارب نقضي فيها عدة ساعات إن عاكستها الرياح، وقد وصلنا والحمد لله بسلام، ولكن من بقي بعدنا لاقوا في البحر أشـد الصعوبات، وبالأخص أصحاب القوارب الهوائية وبلغ الحال أن تعذر عليهم الركوب وبقيت بنا الباخرة راسية في عرض البحر إلى صبيحة الغد باكرا فاغتنموا فرصة سكوته إذ ذاك وركبوا ثم أقلعت الباخرة وعلى ظهرها من الحجاج 660 نفرا جلهم من الأعجام.
الخطوة الأولى في طريق الرجوع إلى الأوطان بعد أداء الحج المفروض الإبحار من جدة
ركبنا من ميناء جدة مع الباخرة بولاق على الصورة التي سبق بیانها، وتلك هي إحدى البواخر الثلاث التي اعدتها الشركة الخديوية لنقل الحجاج إلى بيروت على ثلاثة أدوار بين كل دور نحو الخمسة أيام. وكانت هناك بواخر أخرى لنقل الهنود إلى الهند والجاويين إلى جاوة ومن جملتها باخرة زمزم المعدة للمصريين فقط لأنها تنزل في السويس ـ أي في تراب مصر ـ وهو لا يقبل نزول أي حاج من غير المصريين في ذلك الإبان، فكان ذهابنا مع البولاق لزوما رغما عن صغرها وعدم توفر ما في غيرها من أسباب الراحة. وقلنا أنها كانت تحمل 660 حاجا فلا تسأل عن حالة تراكم الكثير منهم من أهل العجم في عنابرها وجميع أطرافها بفراشهم ولوازم الطبخ وغيرها حتى يشتد خوفنا مما عسى أن يحدث عن ذلك من أسباب الحريق، إذ قيل لنا أن سبب حريق الباخرة آسيا كان من هذا القبيل، وقد كانت آسيا ماثلة هناك أمام أعيننا والنار لم تبق منها إلا هيكلها الحديدي تقشعر من سماع حادثته الجلود لا أعادها الله، ولكن علمنا أن الاحتياطات اللازمة قد اتخذت لذلك، فكان في الباخرة مكلفون بالطواف على جميع الحجاج ومنعهم من إيقاد النار بالكاز، وكان في الباخرة أيضا أحد رجال الجندرمية الفرنساوية من القوة الشرقية بلبنان موفودا من قبل الحكومة الفرنساوية لمصاحبة الحجاج من بيروت والرجوع إليها والسهر على راحتهم ومراقبة الضوابط المشترطة على الشركة في حق الحجاج وهو المسيو حسن الدراجي وقد تعرفنا به فعرفنا فيه رجلا بشوشا جمع بين اللطف والكياسة والمجاملة والبرور وإتقان اللغة العربية، ولحسن سيرته كانت هذه السنة الثامنة وهو يحمل على كاهله هذه المأمورية المهمة.
(يتبع)
محمد وطاش









































































PDF 2025

