سأضرب في الأرض ضاحكاً في غير عَبَثٍ، بل ضد عبثِ من كان وحده يتصور ألا أحد يقدر عليه، وسأمعن في سخريتي من ذاتي وأنا ألحف في البحث عن شيخ رأيته في صباي يمسك بكبش فداء وبسكين كبيرة ، لكني أشهد أنني لم أره يذبح شيئًا، بل لم يصل إلى أن يستريح من عدْوِهِ ، فيفكر في الذي دفع من كان منذوراً منذ البدء للفداء ، إلى عدوٍ ، حتى وهو يدري ألا شيء سينجيه من حد سكين يراه يلمع أمامه حتى في مناماته التي تزف إليه باقات ورد تحتها أكثر من مدية:
ظلفاك يا كبش لم يستطيعا الطيران كجناح حتى أمام أيّ ناب أو ظُُفْرٍ، فوقعت بين يدي من لم يسمِّ عليك، لتكتمل أركان ملهاتي ، وأنا اتسكع بين ممرات قطعها أحبابي نحو عوالم لم يرغبْ أحَدٌ في زيارتها عن طيب خاطر، وإن كانت نفوسهم لم تطمئن يوما ، كما أطمأنت إلى استيهاماتها، فليضحك مني هذا الصباح كلُّ مَمَرٍّ لم يمش عليه أيُّ عابر ، وليضحك أيضاً كل لحد لم تنزل به عذارى لم يطمثهن إنس ولا جان، وليضحك مني كل عاجز ما زال يسعى إلى أن يكتمل رغم افتقاره إلى ما لا يتصوره إلا في ملك آخر لم يَرَهُ يوماً، ويتصور أنه سيلقاه قريباً. وليضحك من هتافات تجمّعتْ صفوفُ دعاتها وتشتت قلوبُهم، رغم أن هناك من لا يغمض له جفن خوفاً منهم ،ويتوقع أن يتحركوا فتنهار الكواكب على حقول لولاهم لم تخضر، وتنهار بنايات لولا سواعدهم لم تناطح غيماً مقيماً أو سحاباً عابراً.
سأضرب في الأرض ولن أعود إلى حيث يكون انطلاق خطوتي، إلا إذا انثالت بين يدي قطوف لا حدود لإغراءاتها،
ولن أشبع إلا إذا دُعِيتُ إلى دخول أحضان لم أشبعْ من دفئها يوماً. وأعرف أنني لن أشبع… ولن أرتوي، لإدراكي أن هذا هو جوهر عجزي الفاقد لأي قدرة على الاكتمال.
سأضحك من قدراتي هذه التي أحلم بها
أنا الثابت في عجزي الذي لن يرتفع
دون أن أقدر على ابتسام، أو على إيمان بما يهبه الدمع من طمأنينة بين صفوف ركع سجود.
فيا هذه الأرض هيئي لي مكان رقود آمن.
وإن كنت لم أشبعْ بعدْ من لعبة وجودي.
أو أعثر على مسار تضيئه ضحكاتي العبثية التي بلا هدف ، إلا أن يكون بلوغي من الرضا حافة فرح لاوجود لها ، فيما تدركه حواسي ،وتسميه معارفي، بعد سنين ضوئية ، تقطع أصول يأسي، أو أهلك دونها.
فما عرف الناس في ما عاشوه قبلي ضحكا لا هدف منه ، ولو كان مما سنه اشقياءُ عادلون ، ظهروا في مرايا الناس عابثين بلا حدود.
فمن يستطيع أن يخط حرفاً من قصيدة دون أن يجاهد ظلمة ترهب الروح ولا تكف لحظة عن التلويح في وجه ضوء يريد أن يتفجر ، فترفع في وجهه آلاف السياط ليخمد كل رغباته الهائجة، ذاك صوتي في كل فجر ، تأسره أقفاص في دهاليز تحكم إغلاقها أيدي لا تطلب إلا القوت، حتى أصبح كل سجَّان عدوَّ كُلِّ عصفور سجين، وقد عميت عيون من وجهوه إلى سراديب لا عهد لها بأزمان أي فرح في أي فضاء ، وعلى أغصان أشجار أرضنا على هذه المجرة في أي ربيع.
أشهد ألا ليل إلا للغريزة تفترس الأجمل والأنقى، فهل نبكي ، أم هل نُـلوِّح برايات ضحك يخاصم كل سكوت؟
لم أعد أسمع من ابتهالات ضارعين، فقد طغت عليها ضحكات سكارى مرحين ، ولم أعد أجد في طريقي آخر الليل ساعياً إلى وضوءٍ ، بل ضجَّت شوارع ما قبل الفجر في مدينة الخوف برواد مواخير عاشقين ، وأعلنت كل جحيم ، تمام إطفائها قبل آخر غروب، بنهاية إجلاء آخر المعذبين بهدف التنظيف، وعمَّ السموات والأرض ضحكٌ مجنون ، أشبه بما استثارني في أول هذا الغناء من عبث طاغٍ، لا يريدني أن أستقر على حال، وأن أظل على متاهتي لا يدعوني أيُّ ضوء من صباح ، أو غسق أيِّ مساءٍ إلى ما أريد.
أحمد بنميمون









































































PDF 2025


