3 ـ الرباوي (تتمة).
وليس أقل من هذا ما تضفيه المظاهر الأخرى للعشق من ربط للموضوع بهذا النوع من الغزل، وكمثال على ذلك ذكر الشاعر لموت العاشق. وما أكثر القصص التي تحكي عن موت العشاق من فرط عشقهم([1]) بل إنه لَيبدو أن الشاعر استحضر خبرا به عبارةٌ بارزة بنفس عنوان قصيدته “سيد العشاق“، ويؤيده ذكر البوح والموت من فرط العشق المذكور في هذا الخبر أيضا؛ فقد روي أن رجلا عشق جارية وعشقته؛ فأهداها إليه عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة، بعد عوائق حالت دون ذلك، فمكثت عنده سنة وماتت، فلم يلبث أن مات كمدا عليها؛ فقيل: «حمزة سيد الشهداء، وهذا سيد العشاق؛ فامضوا حتى ننحر على قبره سبعين نحرة، كما كبر النبيr على عمه حمزة سبعين تكبيرة»([2])!.
ويذكر الشاعر أيضا تمزيق القميص وهي عادة للعرب مرتبطة بالعشق؛ إذ كانوا يعتقدون أنه «إذا أحب الرجل منهم امرأة وأحبته فلم يشُقَّ بُرقُعَها وتَشُقَّ هي رداءَه، أنَّ حبهما يفسُد، وإذا فعلاه دام أمرهما، وفي ذلك يقول عبد بني الحسحاس[الطويل]:
فكم قد شقَقْنا من رداءٍ مُحَبَّرٍ ومن بُرقُعٍ عن طَفلةٍ غير عانسِ
إذا شُقَّ بُردٌ شُقَّ بالــــــبُرد مثلُهُ دَوالَيكَ حتى كُلُّنــــا غيرُ لابسِ»([3])
وفي الحماسة البصرية عند ذكر هذا الشعر قول يجمع إلى العشق السفرَ؛ مما له علاقة بما سنشير إليه أسفله من ارتباط النهر بالرحلة/السفر؛ فقد قال علي بن الحسن البصري: «تقول العرب إذا سافر الرجل سفرا فلم يشق الرجل رداءه ولم تشق المرأة التي يهواها برقعَها فسد ما بينهما»([4]). هذه الأجواء العبقة بالعشق في قصيدة الرباوي هي التي جعلت د. إبراهيم السولامي في تقديمه للديوان يظن أن الأمر يتعلق بعواطف عادية؛ قال بعد أن قسم شعراء المغرب الشرقي المعاصرين إلى شعراء ينحون منحى إسلاميا وآخرين لا ينحون هذا المنحى: «فأين موقع الشاعر الرباوي من هاتين الفئتين؟…الرباوي أقرب إلى الفئة الأولى دون أن يذوب فيها الذوبان الكامل، فهو يبقي على مسافة قصيرة بينه وبين المقربين من نفسه، مسافة يسمح فيها لعواطفه أن تبوح مشوقة للحبيب وذكراه، وللدنيا وما يتقلب فيها من إغراء، لكن المثل العليا الإسلامية تظل مهيمنة على أشواقه، فلا تعدوها إلى البوح السافر، فهو إذ يحن إلى ذكرياته بحي المحيط بالرباط يقول:
يا راحلا عبر المحيط
إذا مررت ذات ليلة بجيرة المحيط
فاقر الأحبة السلام……..»([5])
وواضح أن د. السولامي يبني على هذا الفهم للعشق حكما كبيرا جعل أو كاد من الرباوي قسما ثالثا(وسطا)، بينما الذي يبدو من خلال السياق يؤكد أن العشق المقصود هنا هو العشق الإلهي أو الصوفي، وقد سيجه الرباوي برموز مكانية، على الخصوص، شوشت على الفهم لخفاء الحدود فيها بين الواقعي والخيالي، وهذا أمر معروف في الرمز الشعري([6])، فسبو نهر معروف وفاس والقنيطرة مدينتان مغربيتان مشهورتان والمحيط هو حي المحيط كما يرى الأستاذ السولامي…الخ؛ كلها أماكن تسطع في الظاهر بمرجعيتها الواقعية بينما تخفي في ثناياها دلالات شعرية ترتفع عن هذا الجانب الحسي الواقعي، وإن كانت تنطلق منه، لتنشئ عالما ثانيا أوسع منه وأشمل. ولن نتصور هذا العالم الثاني تصورا سليما إلا إذا توصلنا إلى الخيط الرابط بين جملة من الرموز التي تعتبر مكوناتها الأساس. إذ كيف يستساغ مثلا الجمع بين هذه المتباعدات (سبو، المحيط، البحر، فاس، القنيطرة، الزهور)؟ ليس بإمكاننا هنا تحليل القصيدة بكاملها([7])، ولكن من خلال تأملها نتوصل إلى أن هذه الرموز اتخذها الشاعر للتعبير عن رحلة الذات وعذاباتها. وجعلُ النهر رمزا لرحلة الروح إلى المطلق أمر معروف لدى الصوفية([8])، يقول محمد إقبال من قصيدة “النهر” مشيرا إلى هذه الرحلة[الخفيف]:
اُنْـــــظرِ الـنـهرَ جاريا في هُــــــيامِ بَــــينَ خُضْرِ المروجِ مثل الْـمَجَرَّهْ
كان في المهدِ في السحاب نؤوما شاقهُ السير في مروج وخُـضرهْ
يَــبعثُ اللحنَ جاريا فــوق صخر صـافِيَ اللـــون في بـــهاءٍ ونضرهْ
يقصــــد البحرَ ذا الـــعُJبابِ طروبـــا وعَزوفا عن كل شيء غريبا([9])
فسبو/النهر المعروف برحلته المستمرة هو هذه الذات التي ليست، حسب “منهج” الرباوي، ذاتَه فقط وإنما هي ذات الجماعة أيضا=هي ذاته وذات المغاربة، ورحلة النهر/الذات إلى المحيط هي رحلة نحو ما هو أشمل=نحو الأمة ومن ثم نحو الله تعالى. بمعنى أن البحر أو المحيط، وهما اسمان يستعملهما الشاعر معا، هو الأمة وهو الذات الإلهية في المطاف الأخير التي تسعى الذات للاتصال بها، على طريقة النهر الذي ينحل في المحيط الأطلسي، تلبية للنداء:] يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية[([10]). قال جلال الدين الرومي: «الجسم اليابس، من شأنه أن يسير على اليابسة، وأما الروح فمجراها في صميم البحر…إن الموج الأرضي هو وهمنا…أما الموج المائي فهو المحو والسكر والفناء»([11])، فالبحر عند جلال الدين كما يقول د. محمد عبد السلام كفافي: «مظهر للوحدة الصورية واللونية يظهر للعين متشابها لا أول له ولا آخر. وغموضه شبيه بالغموض الذي يكتنف عالم الروح، على حين أن اليابسة تمتاز بتعدد الألوان…»([12]). وهذا هو البحر المعشوق لدى الرباوي، وإن كان الوصول إليه لا يتم إلا في إطار الجماعة المؤمنة عبر الجهاد كما يتضح من المكونات الأخرى للقصيدة كما يبرزها ضمير الجماعة؛ ومع أن الأمر أوضح من أن يُضطَرَّنا إلى الاستشهاد عليه فلا بأس من التمثيل، على الأقل، بالصورة التالية:
بلغهمو يا نهر أن خيلنا مُسْرَجَةٌ مُسَوَّمه
أن لها مَناخراً منها تَـنَفَّسُ السَّـمومُ…([13])
ومن الممكن أن ندعم التأويل السابق للنهر والمحيط بالاستشهاد من شعر الرباوي، الذي تتضح فيه تلك الدلالة على رحلة الذات والروح، مما يدل على أنه يقصد هذا الرمز قصدا، كقوله مثلا في قصيدة “الكأس”:
لكن النهر الصافي لم يحمل هذي الذات بعيدا([14])
وقوله من قصيدة “المسافر”:
تصفو مرآةُ النهر إذا ما استدعاه البحر
إلى مأدبة تتلألأ بالعشق القاتل
استسلمْ للقتل وقل لا للسد الدامس وهو
أمامك يمنع نهرك أن يمتد من الينبوع
إلى جوف البحر([15])
ولنلاحظ تركيز الرباوي، كلما ذكر النهر، على الرحلة والبحر والعشق القاتل والصفاء وعدم الصفاء والنبع…= الحافز+الانطلاق+الرحلة+عوامل مساعدة أومعاكسة+الوصول أو عدمه.
وإذا كانت غاية الرحلة هي المحيط بدلالاته السابقة؛ فإن نبعها يحدده الرباوي في “فاس”. قد يربط المتلقي بين هذا وبين وجود الرباوي بفاس في هذه الفترة([16]) كما فعل د. السولامي حين ذكر سكنى الرباوي بحي المحيط بالرباط، بل قد يزيده تأكيدا لذلك ما أشرنا إليه من نظمه قسما من القصيدة في فاس=البداية، وقسما في وجدة=النهاية . والحاصل أنها رحلة حقيقية ! قد يكون كل هذا صحيحا من الناحية الواقعية كما هو الحال هنا، ولكن الشعر الجيد يأبى أن يتقيد بقيود الواقع ويأبى أن يكون مجرد انعكاس بسيط لهذا الواقع إلا أن تشده إليه القراءة رغما وتعسفا. وقارئ شعر الرباوي في مجمله، وكما يؤكد هو دائما([17])، يجد هذا الانتقال من عالم الذات الضيق إلى عوالم الموضوع الشاسعة مما ألمحنا إليه سابقا بأنه منهجه الخاص في نظم الشعر. وفاس ،من هذا المنطلق وبالنظر إلى علاقتها بالمكونات الأخرى، اختارها الرباوي منطلقا للذات لما لها من مكانة علمية دينية مشهورة تجعلها الأصلح لترمز إلى هوية المغرب الإسلامية التي تجعله دائم النزوع إلى من يجانسه في هذه الدنيا وينزع من ثم إلى الله تعالى. لكن النهر المنطلق من فاس/الهوية لم يستطع الاتصال رغم عشقه الخالص؛ فقد مُزِّق([18]) قميصه من قبل فاس وتلك شهادة على دوام العشق والإخلاص على عادات العرب؛ «وكل من تمزقت ثيابه من العشق؛ فإنه يصبح طاهرا من الحرص، ومن كل العيوب»([19])كما يقرر جلال الدين الرومي. وموانع الاتصال كثيرة إلا أن أبرزها “القنيطرة”. إن الشاعر وهذه الذات الجماعية ذات الهوية الإسلامية لم تستطع أن تتجاوز القنيطرة؛ فالقنيطرة مشهورة بسجنها وهي أيضا على مستوى الاسم تصغير “قنطرة”، وهي من ثم أضيق من أن تفسح المجال الكافي لأحد بالمرور كما قد تفعل القنطرة! وقد جعلها الشاعر رمزا للعوائق التي تحول بين الذات وبين كل أنواع الاتصال بالإضافة إلى عوامل الضعف الذاتي ومنها عاملُ “قنيطرةِ” هذه الذاتِ؛ وهو الجسد الذي يظهر في القصيدة بلفظ غاية في الدلالة: “الصلصال“، فتكتفي هذه الذات بالنظر من هنا إلى تلك الزهور “عاشقة المحيط” وهي على أعتابه توشك أو تصل بما قدمته من تضحيات. وبالعودة إلى السياق نجد أن هذه الزهور جعلها الشاعر رمزا للأطفال الذين هم، كما نردد عادة، في عمر الزهور. ليس كل الأطفال وإنما “أطفال الحجارة” إذا شئنا أن نربط القصيدة ببداية الانتفاضة وهو التاريخ الذي ذيل به الشاعر قصيدته(1987)، ولا مانع بعد ذلك أن تعني جميع المجاهدين في كل مكان ممن لم تستطع ذاتنا نحن مدَّهم بشيء من المساعدة فوقفت تشعر تارة بوضعية المخَلَّفين وأخرى بوضع الإعداد للخيل([20]).
وهكذا نلاحظ أنه كما في النموذج(ا) يتجه الرباوي مرة أخرى إلى ربط العشق بالجهاد مخالفا بذلك مفهوم العشق عند جمهور المتصوفة، وإن كان من ناحية أخرى يستفيد منه من حيث كونه عشقا في الذات الإلهية مجاوزا لحد الحب العادي. وهذا الأمر نفسه تؤكده النماذج(ج، د، هـ) التي لولا ضيق المجال لتم بيان ذلك.
[1] – ينظر على سبيل المثال: -تزيين الأسواق؛ 55:2-66. والمستطرف؛ 631-638.
[2] – مصارع العشاق؛ 284:2.
[3] – عيار الشعر؛ 52. -المستطرف؛ 623. -بلوغ الأرب؛ 322:2. والبيتان في ديوان سحيم؛ 15-16.
[4] – الحماسة البصرية؛ 397:2.
[5] – الولد المر(المقدمة)؛ 8-9.
[6] – يقول د. مصطفى ناصف إنه في الاستعارة تكون «الاثنينية ماثلة أمامنا أما الرمز فصورة مستقلة وجودها ذاتي». – الصورة الأدبية؛ 157.
[7] – للكاتب دراسة للقصيدة كلها في كتاب: التناص في شعر الرباوي، صدرت بوجدة/المغرب سنة 2014.
[8] – ينظر في ذلك: – الرمز الشعري عند الصوفية؛ 319-321.
[9] – بيام مشرق (رسالة المشرق) محمد إقبال؛ 65.
[10] – الفجر؛ 28.
[11] – مثنوي؛ 128:1.
[12] – نفسه؛ 471:1.
[13] – الولد المر؛ 34.
[14] – الأحجار الفوارة؛ 15.
[15] – نفسه؛ 65-66.
[16] – يلاحظ أن جزءا من القصيدة نظمه الشاعر وهو بمدينة فاس، وأتم الجزء الباقي بمدينة وجدة كما يظهر من المكان والتاريخ المذيلين للقصيدة؛ -الولد المر؛ 35.
[17] – ينظر مثلا: – محمد علي الرباوي وبعض أسئلة الشعر (الحلقة الأولى)، حوار أجراه معه اسماعيل علوي اسماعيلي بجريدة “الزمن” المغربية بتاريخ؛ 3/7 إلى 16/7 – 1995.
[18] – بالمبني للمجهول كما في العلم الثقافي 3 يونيو1989. ويبدو من ذلك أن الشاعر يأخذ بهذا الوجه من القصة في عملية تمزيق القميص إذ يقوم كل من الرجل والمرأة بتمزيق قميص الآخر على عكس الرواية الواردة في الحماسة البصرية.
[19] – مثنوي؛ 75:1.
[20] – الولد المر؛ 33-34.
د. المختار حسني









































































PDF 2025

