- 1. عرف الفكر المغربيّ بروز شخصيات فكرية ندرت نفسها للتّعريف بأعلام هذا الفكر في شتّى حقبه، وغابر أزمانه، وسخّرت يراعها في الكتابة عن تاريخه وقضاياه ومعالمه، واعتكفت باحثة صابرة في محراب العلم المقدس، وأوقفت ما أوتيته من بسطة في العلم والجُهد والنَّفَس، في سبيل تعريف الأجيال المغربية النّاشئة واللاّحقة بتاريخ أجدادهم ومجدهم الفكري، إيماناً منها بأنّ استمرارية حضارة جيل الأحفاد مرهونة بالاعتبار من تراث الأجداد.
- ولن نجد خير من يُمثّل هذه الشخصيات الفكرية المغربية المعاصرة في ريادتها، وعظيم جهدها، وشدّة تفانيها وفنائها، وعجيب صبرها واحتسابها، كشخصيّة المرحوم العلاّمة الفقيه المؤرخ الصّوفيّ سيّدي محمّد حجّي [ت. 1423هـ/2003م]، الشّخصيّة الفكريّة المغربيّة النّاصعة الوضّاءة، والخالدة في جبين تاريخ الفكر المغربّي؛ تلكم الشخصية التي عبّر لها المرحوم المؤّرخ عبد السّلام بن سودة بلسان صوفيّ إشاري قائلاً: ” لقد خلعت شاشية التّاريخ وألبستك إيّاها، كما خلع سيّدي عبد الرّحمان المجذوب شاشية الولاية وألبسها الشيخ أبا المحاسن الفاسي”.
- حادي حديثي عن العلاّمة المؤّرخ محمّد حجّي قول للعلاّمة محمّد الفاسي: ” من يريد أن يخدم المغرب أكبر خدمة فليجمع وليترجم لعلمائه”، وحادٍ آخر؛ وهو أنّ الحديث عن هذه القامة العلميّة السّامقة، والشخصية الفكريّة الشّامخة، حديثٌ باذخٌ وثرّ ومُغْرٍ، مغر من كلّ جوانبه، ومن شامل سيرته، في نسبه ونشأته مغر، في مسيرته العلمية مغر، في مهامه ومسؤولياته مغر، في جهوده الفكرية مغر، في دماثة أخلاقه وصوفيّته مغر، ومغرٍ جدّاً.
- يقول أحد رفقاء دربه وهو فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد التّوفيق في مقالته”محمّد حجّي القدوة”: إنّ الكلام في ذكرى الفقيد محمّد حجّي يقودنا إلى الحديث عن ضرورة العمل على إبراز الشخصيّة المغربية في مقوّماتها الإنسانية لتقريبها من الأجيال الصّاعدة المعاصرة لمراحل الانتقال الذي يمرّ منه المغرب، وعلى الاحتفاظ بروح الإخلاص لأعلام المغرب البارزين الذين يجسّدون الأسوة الحسنة، وكذا عن ضرورة اعتبار إحياء ذكراهم والاحتفاء بهم والاعتراف بأفضالهم فرصة لاستشفاف الخصائص والمميّزات التي جعلتهم أهلاً أن يكونوا القدوة التي يجب أن يحتذى بها، واستخلاص العبرة بما يفيد في مواصلة المسيرة”.
- ونحن من هذا المنطلق؛ سنخصّص قادم حديثنا الفكريّ عن هذه الشّخصيّة الفكريّة العظيمة الأثر والتّأثير في الدّرس الفكري المغربي، واقفين في محطات سيرته الذّاتية، وواصلين في إبراز جهوده الفكرية، وكاشفين عن لمعان أخلاقه الصّوفية، في حديث متريّث، وخطىً متّئدة، ونَفَسٍ هادئ، يعبق من طيب شخصيّة محمّد حجّي الهادئة.
- منطلق الحديث عن شخصيّة المرحوم الأستاذ محمّد حجي الذي ببسم الله مجراه ومرساه، يبدأ بذكر نسبه ومشاهير البيت الحجّي، فشخصيّة حديثنا تنتمي إلى أسرة سلوية عريقة، “موطنها الأول في بني ورياكل، شمالي مدينة فاس، حيث ما يزال قائماً ضريح الشّيخ عمرو حجّي أخي الشّيخ أحمد حجّي الجدّ الأعلى للحجّيين”.
- وقد عرفت بعض المدن المغربية كمكناس والرّباط والدّار البيضاء وتطوان، وكذلك مدينة طنجة؛ استقرار بعض الأسر الحجّية التي هاجرت إليها كما يقول-محمّد حجّي-لأغراض تجارية وحرفية وإدارية، وطاب لهم المقام فاستقرّوا بصفة دائمة، وقد ورد ذكر أسرة حجّي من بين الأسر التّطوانية في وثائق القرنين الثالث عشر والرابع عشر، (19/20)، ولكنها انقرضت.
- يقول الفقيه المؤرخ محمد داود في «عائلات تطوان»: ” عائلة حجّي كانت بتطوان في أواخر القرن الماضي، أوائل هذا القرن، وكانت لها دار معروفة بدار حجّي في حومة سيّدي السعيدي، وقد وقفت على رسم فيه أنّ الحاجّ بن عبد الله حجّي التطواني، اشترى غرسة بتطوان عام: 1305هـ، وأنّها بقيت على ملكه إلى عام 1316هـ، وكان هذا السّيد حيّاً عام 1320هـ.
- عرفت هذه الأسرة الكريمة شهرة واسعة، ” وكانت ذا سمعة وتعظيم واحترام” كما يقول ذلك عنها جان كوستي في «بيوتات أعلام سلا»، ولوصل الخلف بالسّلف يهمنا ذكر أبرز الشّخصيات الحجّيّة التي كان لها بالغ الأثر في التاريخ الفكري والصّوفي المغربي، فمنهم: أحمد حجّي، [ت. 1103هـ]، الجدّ الأعلى الجامع للحجّيين، هاجر في منتصف القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي إلى فاس ثمّ إلى مكناس، قبل أن يستوطن سلا ويدفن بها.
- اشتهر بالتّصوف والزّعامة، قال عنه القادري في «نشر المثاني»: “ومنهم الوليّ الصّالح: سيّدي أحمد حجّي، قال فيه أبو العبّاس بن أبي عسرية الفاسي في «رحلته»: الكامل الأوصاف على الإطلاق، الحائز الولاية بالاستحقاق، لكرم نفسه، وأعماله ليوم رمسه، أخلاقه صافية، حدّثني من أثق به أنّهم لم يشاهدوا في مشايخ عصره من يشبهه في أخلاقه، مع الاجتهاد ودوام الأوراد، الجمال يغلبه، والجلال في الأسماء يلهبه، قد جمع بين الحالتين، وورث القسمتين”.
- سلك طريق التّصوف على يد الشيخ عبد الله الجزّار المكناسي [ت. 1061هـ]، عن الشّيخ الحارثي بن موسى، عن الشيخ موسى بن علي، عن الشيخ أحمد الحارثي، عن الشّيخ محمد بن سليمان الجزولي؛ يقول محمد حجّي: وهكذا فإنّ الطّريقة الشيخ أحمد بن حجّي شاذلية جزوليّة عيساوية، وأورادها هي أحزاب هؤلاء الشيوخ، غير أنّ الورد الرّاتب فيها هو حزب “سبحان الدّايم”، للشّيخ محمد سليمان الجزولي، يُقرأُ في الزّاوية الحجّيّة مساء كلّ جمعة”.
- كان له أتباع ومريدون، وكانت بينه وبين السّلطان مولاي إسماعيل مواصلة تامّة، وأخوة كاملة توارثها ذرّيتهما من بعده، كما يروي ذلك عنه الفقيه العلاّمة محمّد بن علي الدّكالي في «إتحاف الوجيز»، ومن مظاهر ذلك، أمر السّلطان مولاي إسماعيل ببناء مسجد الشيخ أحمد حجّي حذاء ضريحه، وعيّن بظهير حرمة الضّريح، حتىّ كان من دخله بقصد التّحصن لا يمسّ بسوء، كما اشتمل الضّريح على عدد غير قليل من الكتب.
- ومنهم: أحمد بن عبد السّلام حجّي: [ت. 1391هـ-1979م]، يقول عنه محمد حجيّ: نشأ ودرس على علماء المدينة، وسلك طريق القوم على يد الشيّخ المربّي محمّد بن عبد السّلام ابن عبود المكناسيّ الدّرقاوي حين استوطن سلا، ولازمه وأصهر إليه، وأوغل في الزّهد وقهر النّفس على طريقة المتفقّرة أهل التّجرد من أصحاب الشّيخ العربي الدّرقاوي، ترك مؤلفات، منها: «الفتوحات الإلهية الموهوبة المستعجلة، لطالب حصّة الدّار البيضاء بالسّاعات الإدارية لمآت السنين المستقبلة». و«الفردوس المفقود في بيان حال الشيّخ محمد ابن عبود، أو الدّر المنضود في ترجمة الشيح ابن عبود».
- ومنهم: عبد الرّحمان بن أحمد حجي: [ت. 1384هـ-1965م]، قال عنه ابن سودة في «إتحاف المطالع»: العالم اللّغوي، والأديب المشارك، الشّاعر المبدع الشهير، والمدرس المخلص، المدافع عن وطنه”، كان شاعراً، قرض الشعر وهو ما يزال طالباً بفاس، حيث درس بالقرويين أزيد من ثلاث سنوات، ولازم دروس الشيّخ أبي شعيب الدّكالي، فكانت لهذه الدّروس تأثير كبير في نفسه ازدادت به معارفه واتّسعت مداركه، كما يقول عنه ذلك محمد العبّاس القباج في «الأدب العربي في المغرب الأقصى»، وممّا أورده القباج من شعره قوله:
نظر الدّهـــــــــــــر لي بعيني شزرا ** حين ألفاني في المحامد وترا
غار منّي حتّى تميّز غيظاً** وشجاه حجاي فازداد وغـــــــــــــــرا
رام منّي له الخنــــــــوع فلمّا **لم أُطـــــــــــــــــــــع أمره أتى مُكْفــــــــــهرا
فانتضى سيف خطبه فوق رأسي** يبتغي أن ينال منّي وترا
فرأى من رباطة الجأش منّي**جبلاً راسياً وليثاً مــــــــــــــــــــــــــكرا
يتبع…
د. محمّد شابو









































































PDF 2025

