-المبحث الثاني: التناص مع آيات بها ذكر لذاته تعالى وصفاته.
2/ 2
يتردد في هذه النماذج معجم مثل (السحاب، الغيم، الغيوم، الغيمة، السحابة، الرياح، الريح، البلد الميت، الغيث، الماء…) وهو معجم يحيل على آيات معينة من القرآن الكريم، نسوق منها ما يلي:
1-]هو الذي يرسل الرياح بُشْرا بين يدي رحمته حتى إذا أقَلَّتْ سحابا ثقالا سقناه لبلد مَيْت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات، كذلك نخرج الموتى لعلكم تَذَكَّرون[([1])
2- ]واللهُ الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسُقناه إلى بلدٍ ميْت فأحيينا به الأرضَ بعد موتها، كذلكَ النشُور[([2])
3-]…والذي نزَّلَ منَ السماء ماء بقَدَرٍ فأَنشَرْنا به بلدة ميتا، كذلك تُخرَجون[([3])
4- ]ونزّلنا من السماء ماءً مُبارَكا فأنبتنا به جناتٍ وحَبَّ الحصيد، والنخلَ باسقاتٍ لها طَلعٌ نَضيدٌ رِزْقاً للعباد، وأحْيينا به بلدةً مَيْتاً، كذلك الخروج[([4]).
فالعناصر الذاتية لهذه الآيات هي: الله عزوجل+ الرياح+ السحاب+ الماء+ البلدالميت+ الثمرات+ الموتى … الخ، وتشتمل عليها كلها الآية رقم (1)، ويشكل العنصر الأخير منها الغاية القصوى من إيرادها؛ فالغرض من السرد المفصل، في هذه الآيات، لمسببات إحياء الأرض؛ هو بيان كيفية إخراج الموتى بحيث ستكون، إذا قسنا المعلوم على المجهول، بنفس الطريقة؛ ولهذا فسر ابن كثير هذا التمثيل عند الآية الأولى بقوله: «ينزل الله سبحانه وتعالى ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوما فتَنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الْحَب في الأرض، وهذا المعنى كثير في القرآن»([5])؛ وهذا الربط بين الغيث والبعث، هو الذي استهوى شعراء المتن في نماذجهم السابقة مع إخضاع ذلك لمقاصدهم الخاصة كما سنرى من خلال تحليل تلك النماذج:
ا- بالإضافة إلى الآيات السابقة يتناص نموذج الرباوي(ا) مع آية أخرى هي قوله تعالى عن الكفار: ] مَثَلُ ما يُنفقونَ في هَذه الحياةِ الدنيا كَمثَل رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابت حَرثَ قومٍ ظَلموا أنفسَهم فأهلَكَته، وما ظلَمَهُمُ اللهُ وَلكنْ أنَفُسَهم يَظلِمُون[([6])، ويظهر هذا التناص من خلال كلمتي “الحرث” و”الريح” في نص الشاعر. والمقصود ب”الحرث”: ما حان حصادُه، و”الريح الصِّر”: التي تحرق الحرث بما فيها من برد شديد أو جليد أو نار([7]). وهكذا تكون عناصر هذه الآية في وضعيةِ تَقابُلٍ مع عناصر الآيات الأخرى؛ فالبلد الميت الذي لا نبات فيه يقابله الحرث أو ما حان حصادُه، والرياح التي ذُكرت بالجمع ليكون منها الإنتاج تقابلها الريح الصر التي تتلف ذلك الإنتاج([8])، والبعث الذي يَنتُج عن الأولى يقابله الإهلاك في الثانية، وحالةُ النمو في الأولى يقابلها التردي في الثانية. ولا شك أن الجمع بين هذه العناصر المتوترة في نص واحد دالٌّ، في حد ذاته، على وجود علاقة صراع تنتظمه. وتتضح علاقة الصراع هذه في النموذج(ا) منذ البداية حيث يجرد الشاعر من نفسه شخصا آخر ويخاطبه للدلالة على أنه اثنان لا واحد: وهما معا يعانيان من الجفاف والقحط ويختلفان في طريقة العلاج والمواجهة؛ فالشاعر(المتكلم) يريد أن “يستورد” الرياح بالصلاة والدعاء، وينتظر حتى يستجيب الله ويرسل الغيث، أما نفسه الأمارة بالسوء فإنها تصاحب الريح، وتفارق الشاعر متبعة السراب بلهاثها وراء الغيم، والشاعر لا ينفك يُذكرها بأمر الله وبجدوى صحبته والاستنجاد به والابتهال إليه؛ فالأمر يتعلق بتناصين:
-تناص يسعى الشاعر من خلاله إلى تثبيت الإيمان بالله في قلبه لما يرى من آثاره الإيجابية على ذاته المجدبة المشابهة للبلد الميت الذي يوضح به القرآن الكريم كيفية البعث. والشاعر يُصدق هذا التوضيح ويبجله.
– تناص يسعى به إلى تغيير مقصدية النفس المصاحبة للريح، الساعية مسعى مشابها لأهل الكفر، مما سيؤدي بها إلى هلاك أكيد وعذاب مقيم. والشاعر هنا أيضا يصدق هذا الأمر ويبجل مقصدية القرآن الكريم فيه.
ب- يخاطب بنعمارة في هذا النموذج ما يمكن أن يكون هداية أو صحوة جعلته ينتبه من غفلته، ويكتشف طريقه لأول مرة؛ بعد أن وجد الجواب عما كان يحيره من أسئلة حول طبيعة وجوده، وقد جاءته هذه الصحوة على شكل نور وسحاب وريح مُلَقِّحة تستثير فيه، كما تفعل بالبلد الميت، أسبابَ الحياة، وقد ردد الشاعر ما يدل على الماء في هذا المقطع وحده ست مرات، ويمكن اعتبار ذلك ناتجا عن طرافة الاكتشاف من جهة، وتلذذا بذكر شيء محبوب مرغوب فيه من جهة أخرى. مع ما يوحي به ذلك كله من حدة جفاف وفقر روحي كان يخيم على ذات الشاعر، وقد شبهها بالأرض الْمَوات للتعبير عن ذلك. وبهذا احتفظ بنعمارة بالعناصر الأساس للآيات السابقة مؤكدا ما جاء فيها مُذْعِنا لها مرحبا بما تجيء به إليه لشبهه بالبلد الميت، معليا من شأنها لاحتوائها على سر الحياة. وقد صرف بنعمارة بذلك سياق الآيات السابقة عن معناها ومقصديتها، كما حددناهما، وحوله إلى نسيج نصه ومتطلبات ذاته وما يكتنفها من هموم ورغائب.
ج- إذا كان الرباوي في النموذج (ا) لم يصل بعد إلى إقناع نفسه بالانخراط في النشيد/الدعاء، وإذا كان بنعمارة في النموذج (ب) لم يَصْحُ بعد من نشوة الاكتشاف واللقاء، فإن الأمراني في النموذج (ج) يبدو على صلة قديمة بالطل والرياح اللواقح والغيمة، والأهم في هذه الصلة أنها صلة انسجام تجعل الشاعر يدخل ضمن نسيج الكون وإيقاعاته يبادل الطلَّ العناقَ، والرياحَ الصلاة، والغيمةَ الحب…كالعائد من تيه طويل إلى أهله مكتشفا إياهم من جديد على أنهم أحباؤه الحقيقيون. فالعودة إليهم عودة إلى الهوية وتَلَفُّع برضاء الله تعالى ورحمته؛ ويذكر هذا في المقطع الذي يشكل الجزء الأخير من القصيدة.
وثمة ملاحظة يمكن استخلاصها من هيمنة موضوعة الغيث على غيرها مما هو مذكور في الجدول، وهي أن إسلامية شعر الشعراء الثلاثة كان الباعث الأساس على استحضار هذه الآيات بشكل مكثف، إما حرفيا أو عبر كلمات/علامات، ليتشكل التعبير عن البعث والخصب بما يتلاءم مع وجدان الأمة وهويتها بعد أن ساد التعبير عن هذه القضية بالرموز الوثنية في الشعر العربي بصفة عامة، واشتُهر منها تموز والفينيق. على أن هذه الملاحظة لا تعني دعوة إلى مقاطعة مثل هذه الرموز بقدر ما تعني ضرورة “الحوار” معها وتحويلها لصالح الذات وعقيدتها الخاصة. وهذا الوعي بالهوية أو هذه الصحوة التي ينعم بها الأمراني لطالما حلم بها ورأى فيها السحابة التي تنتظم البلد الميت كما يعبر عن ذلك في هذا النموذج، إلا أن هذا الأمر حسب رؤيته أيضا لم يتحقق بسهولة؛ فقد كان هنالك على الدوام من يعرقل هذا اللقاء الحار بين الشاعر وهويته، ويسعى جاهدا إلى مسخها، وجعلها مجرد وهم. وهذا هو الذي جعله يتساءل في استغراب عن استبدال هؤلاء للذي هو أدنى بالذي هو خير. لقد استغل الأمراني تقنية التناص هنا بنفس الآليات السابقة؛ سواء في المقصدية، أو أوجه المشابهة، أو العلاقة، إلا أن الكيفية التي تعامل بها مع العناصر الذاتية للآيات التي أشرنا إليها، تختلف عن طريقة الرباوي، وبنعمارة؛ بحيث تميز عنهما بهدوء العلاقة وانسجامها مع تلك العناصر، مما يعتبر-حسب التجربة التي خاضها في هذه القصيدة-انعكاسا لجو من الألفة قديم، بينما يطبع التوتر علاقة ذات الرباوي وذات بنعمارة مع نفس العناصر على اختلاف في مسافة هذا التوتر بينهما؛ إذ هو عند الرباوي أشد؛ لكثافة حضور عناصر الصراع في نموذجه. كما تميز الأمراني عنهما بتوسيع دلالة “البلد الميت” ومن ثم وظيفة “السحابة”؛ إذ جعل هذه الدلالة تشمل الآخر/المجتمع، كما يظهر من كاف الخطاب (الآخر)، والنون الدالة على جماعة المتكلمين (الذات الجماعية) في آخر المقطع من نموذجه. بينما انهمك كل من الرباوي، وبنعمارة في هموم الذات الفردية لطبيعة تجربتيهما في القصيدتين.
./.
ولا شك أننا سنجد شعراء آخرين تطرقوا لنفس القضايا التي تناولها شعراء المتن من خلال القرآن الكريم فحاوروا تلك الآيات القرآنية حوار تعضيد كما فعل هؤلاء، أو خالفوهم في الرؤية فحاوروها حوار سخرية وانتقاص؛ وهذه نماذج من الطريقتين:
في نموذج لمحمد الخمار الكنوني يحاول هذا الشاعر توعية صاحبه المحزون الذي تخلى عن الله وعن الفطرة السليمة، وعاذ بغيره في خمول منتظرا تدفق الخيرات عليه من وراء البحر(الغرب) بدلا من الخوض فيه على طريقة أجداده الفاتحين. “المحزون” يجيء إلى البحر وصخورِه السوداء لا كما أتاه يوما عقبة بن نافع الفهري عند انتهائه إلى آسفي ف«أدخل قوائم فرسه في البحر…ثم قال لأصحابه: ارفعوا أيديكم، ففعلوا، وقال: اللهم إني لم أخرج بَطِرا ولا أَشِرا وإنك لتعلم إنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين وهو أن تُعبَد ولا يُشرَكَ بك شيء…»([9])، وإنما يأتي وفي عينيه “جوع القاعدين” عن الجهاد بكل أنواعه، يراقب الموج وما قد تأتي به سفن الغرب من مواد الاستهلاك، ما عاد ينظر إلى السماء ولا ينتظر سحابها، ويوم كان يفعل ذلك أعزه الله، أما اليوم، وقد ولى وجهَه شطر الغرب فإنما يتخذ مِن عاجزٍ إِلها؛ وعجزُ هذا الإله الجديد يكمن في عدم القدرة على الخلق. وقد وظف الشاعر للتعبير عن هذه المعاني عدة آيات من القرآن الكريم منها قوله تعالى: ]أوَلَمْ يَرَوا كَيفَ يُبْدِئُ الله الخلقَ ثُم يُعِيدُه[([10])، و]خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُم قَالَ لَهُ كنْ فَيَكُون[([11])؛ يقول الكنوني:
وعند الأفْقِ ماءُ البحر أزرقُ كالسماءِ، أَتَيْتَهُ وجِلا…
أتيتَ صخورَه السوداءَ-ما أدخلْتَ فيه قوائم الفرسِ-
وفي عينيكَ جوعُ القاعدين يُراقبون الموجَ، تنتظرُ
الذي تأتي به السفنُ الغريبَةُ في حَشَاها…
ويَفرحُ قلبك المحزونُ للدُّخَانِ
ما إِنْ عادَ يفرح للسحاب الثَّــرِّ فيه الرعدُ والمطرُ
أطَلَّ الله لمّا صِحتَ: غيْثَـكَ غيثَـكَ الميمونَ فابتسما
أطلَّ الغيمُ تَدفَعُه رِياحُ الغَربِ، فَجَّرَ رَعدَه وهَمى
…فَمَن سيُطِلُّ يَبْسِمُ، أو يَمُدُّ التربَ بالمزنِ؟
وقَدْ وَلَّيتَ وجهَك خلْفَ هذا البحر تَسْتَسْقِي وتنتظرُ
وليسَ وراءَهُ رَبٌّ يُعيدُ الخلقَ لا يحيا
حياةَ الناسِ إذ تَسعى فلا زرعٌ ولا سُقْيا
يقولُ لِبعض هذا التُّرْبِ: كُنْ فيكونُ منه الماءُ والثَّمَرُ([12])
أما عبد الله راجع فيتعاطف في نموذج له مع الزنج و”يرى” بأن نسلهم قد امتد إلى هذا العصر، متنبئا بأنهم سيقومون بثورة “حمراء”، معيدين بها خلق كل شيء!:
إِنّا نُولِجُ في الليل نهارا، والشمسُ جعلناها قُرصا
فَوَّارا وشواطئكَ الأيامُ الحسنى…
وعلى الخيط الفاصل بين الأيام الحسنى
وصَلابَةِ هذا الليل اتَّشَحَت
خيلُ الزنج بأردية حمراءَ، فتَحتُ فمي حتى انكشف
البلعومُ صرختُ: أنا ابنُ علي بنِ محمدْ أُعلن أن الأرض
ستُوقِفُ دورتها حتى إشعار آخرْ.
لن يتسلل نهر من منبعه
لن يَغْمِسَ في الماء سوالفَه شجرٌ
آت بنبوءته البحر، بقدرته إذ يخلق شيئا ويقول
له كن فيكونُ
وآت سيد كل الألوان([13])
فقوله: “نولج في الليل نهارا”، و”كن فيكون”، و”الأيام الحسنى”، (والعبارة الأخيرة تحويل للأسماء الحسنى) كله من باب ما نسبه الله تعالى إلى نفسه ونقله الشاعر إلى غيره، ومر بنا كيف رد ابن حجة الحموي هذه الطريقة([14]).
ولربما كان أحمد بلبداوي أكثر الشعراء المغاربة سخرية من الدين، بصفة عامة، وإن كانت هنالك مجموعة من الشعراء الآخرين الذين لهم باع في هذا الموضوع؛ ومنهم محمد الشعرة، وأحمد هناوي، والمسكيني الصغير، وبنيحيى عبد اللطيف، كما لاحظ د. عزيز الحسين([15]). ومن نماذج بلبداوي التي فيها اجتراء على ذاته سبحانه وتعالى أن جعل اللهَ عز وجل رمزا للتسلط على الرقاب مشبها إياه بوحش طيبة([16]) سالبا منه القدرة على الخلق والتكوين، ناسبا إياها إلى نفسه هو، مقتديا في ذلك ب”أوديب” الذي تخلص في الأسطورة من ماضيه، داعيا ابنته “فدوى”: (الجيل الجديد) إلى الاشتراك معه في التخلص منه كما فعل أوديب بأبيه وكما فعل الشاعر/القدوة نفسه عندما قتل “أباه” و”أمه” (طبعا على الطريقة الأوديبية)، فاشتعلت في أحداقه عينا زرقاء اليمامة، وانفتحت أمامه آفاق الخلق:
يُقعي الشاهُ/اللهُ وَحيداً في السّاحَهْ
تَسْقُطُ عَنْ كَفَّيْهِ خُيُوطُ التكوينْ
وأبوكْ
هذا “الأوديبُ” الخارجُ مِن بطن الحوتْ
مارسَ قتلَ أبيه وأمهْ
فاشتعلَتْ في أحداقه عينا الزرقاءِ
لكنَّ الوَحشَ الرَّابِضَ عند مَداخل طيبةَ لم
يُقْتَلْ
فتعالي يا ابنتي نقتلْه([17])
وينبغي إدراك العلاقة هنا بين(يقعي= الرابض) + (الشاه/الله = وحش) + (الساحة = طيبة!) وهي علاقةُ مُشابَهة ينشئها الشاعر بين الله تعالى وبين وحش طيبة من جهة، وبينه، هو، وأوديب من جهة أخرى. ويقول في موضع آخر معتبرا الرحلة باسم الدين رحلة إلى الظلام، ووقوفَ الله عز وجل وراء الدعوة إلى الصبر سببا في القحط/الملح:
فما للصبر هذا لم يفجِّر ماءَ هذا النهرِ، لَمْ
يورِق رياحا؟ كنتَ يا ألله خلف الصبر والفرجِ؟
أمدُّ الطرفَ يا أللهُ: يغفو الأفْق في الملحِ
…فيا ألله هاأنذا كسرتُ اللوح والمجداف
حملتُ الفأس، دُسْتُ على جبين الصبر
والفرَجِ
أعيد الخلق، أنفخ فيكِ يا أشياءُ من
روحي([18])
فهذا احتجاج وتمرد على الله سبحانه وتعالى، وتأليه للإنسان في شخص الشاعر الذي يزعم أنه هو الذي يبدئ الخلق ويعيده فيما يشاء ومتى ما يشاء. على أن الشاعر لا يسلب اللهَ كلَّ شيء، وإنما ينسب إليه أحيانا بعض الوظائف الدالة على العبث واللاجدوى (فيما يحتفظ هو بالخلق):
نهارُ العينْ
يغيبُ الآن في رحِم البنادقِ، ما يزال اللهُ
يشحنها بزيت الخِروعِ
الممزوج بالصابونْ([19])
وبنفس السخرية يقول سميح القاسم:
صَوِّبوا كلَّ التعاويذ بوجه الطائراتْ
أَلِّبوا اللهَ عليها
واقذفوها بالوصايا العشرِ
والجَفرِ
وآيات السماء البينات
…كنتُ طفلا آنذاك
علَّموني أن مجرى الأرض في كف السماءْ
عَلَّموني أنه ، سبحانه، يحيي ويُفني ما يشاءْ
علموني أن أطيع الأولياء
يا أبي المهزومَ ..يا أمي الذليله!
إنني أقذف للشيطان ما أورثتُماني
من تعاليم القبيله
إنني أرفضها تلك الطقوسَ الهمجيه
إنني أجتثها من جذرها
تلك المراسيم الغبيه([20]).
فهذان حواران: حوار تعضيد وتقديس لدى شعراء المتن، بالإضافة إلى نص محمد الخمار الكنوني، وحوار سخرية وتحقير لدى عبد الله راجع وأحمد بلبداوي وسميح القاسم. وقد تحكمت في النوعين التصورات والمواقف المختلفة قبل الحاجة الجمالية. والتمرد ليس بحال من الأحوال رديفا بالضرورة للجمال بل قد يكون مما تشمئز منه النفوس إذا كان يستهدف تدنيس المقدسات والاجتراء “الدونكيشوتي” على الله سبحانه وتعالى؛ ]فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض[([21])./.
[1] – الأعراف؛ 57.
[2] – فاطر؛ 9.
[3] – الزخرف؛ 11.
[4] – ق؛ 9-11.
[5] – تفسير القرآن العظيم؛ 2: 271.
[6] – آل عمران؛ 117.
[7] – تفسير القرآن العظيم؛ 1: 488.
[8] – قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ] وأرسلنا الرياح لواقح[، [الحجر؛ 22.]: »…وذكرها [الله تعالى] بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج، بخلاف الريح العقيم فإنه أفردها ووصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج لأنه لا يكون إلا بين شيئين فصاعدا» . فالرياح فيها المبشرة والمثيرة والمؤلفة والملقحة. – تفسير القرآن العظيم؛ 2: 668. وفي الدعاء: ”اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا”- المخصص؛ 9: 91.
[9] – الاستقصا، الناصري؛ 138:1.
[10] – العنكبوت؛ 19. وينظر: الروم؛ 11،27.
[11] – آل عمران؛ 59. وينظر آيات أخرى مشابهة في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم؛ 814.
[12] – “وراء الماء”، رماد هسبيريس؛ 10-11.
[13] – “مرثية الزنج”، سلاما وليشربوا البحار؛ 89،92-93.
[14] – خزانة الأدب، (الحموي)؛ 455:2.
[15] – شعر الطليعة في المغرب؛ 198-202.
[16] – ينظر عن وحش طيبة مثلا:- الأساطير الإغريقية الرومانية؛ 200-202.
[17] – أحمد بلبداوي، “إلى ابنتي فدوى”، سبحانك يا بلدي؛ 36.
[18] – نفسه، “الرحلة والوصول”؛ 12-13.
[19] – نفسه، “الجثة”؛ 17.
[20] – ديوان سميح القاسم؛ 237-239. وينظر أيضا: مديح الظل العالي، محمود درويش؛ 27-28،39-40. و”الناس في بلادي”، ديوان صلاح عبد الصبور؛ 31:1.
[21] – الرعد؛ 17.
د. المختار حسني









































































PDF 2025


