من أعلام طرب الألة بطنجة: الشيخ المبدع الفنان المتألق أحمد بن الحسين الزيتوني الصحراوي -4-
جريدة الشمال – عبدالمجيد السملالي ( باحث في تاريخ موسيقى الألة المغربية)
الجمعة 05 ينــاير 2018 – 16:45:04
إيمانا بأهمية المحافظة على الميراث الموسيقي التليد، ورغبة في حماية طرب الألة من الضياع، بادرت في خطوة موفقة وزارة الثقافة المغربية بالتعاون مع دار ثقافات العالم بباريس في الفترة الممتدة من 1989 إلى 1992م، إلى توثيق موسيقى الآلة المغربية، وعهدت الوزارة إلى لجنة فنية، ضمت ثلة من الباحثين والمتخصصين والفنانين ونخبة الأساتذة الجامعيين وممثلين عن بعض جمعيات هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب، للإشراف على هذا المشروع الفني الضخم. وقد قر رأي تلك اللجنة على اختيار أربعة أجواق هي كالآتي:
• جوق البريهي من فاس برئاسة الحاج عبد الكريم الرايس، كلف بتسجيل أربع نوبات: غريبة الحسين، الحجاز الكبير، الحجاز المشرقي، الاستهلال.
• جوق المعهد التطواني برئاسة الفنان محمد العربي التمسماني، كلف بتسجيل نوبتين: رمل الماية، الأصبهان.
• جوق الإذاعة الوطنية برئاسة الحاج محمد الطود. كلف بتسجيل نوبتين: العشاق، رصد الذيل )
• جوق المعهد الموسيقى بطنجة برئاسة الشيخ أحمد الزيتوني. عهد إليه بتسجيل ثلاث نوبات: الرصد، عراق العجم، الماية.
و هذا العمل الفني التراثي الضخم تم تسجيله في ثلاثة وسبعين قرصا مدمجا، واشتملت مدة الزمنية لنوباته: واحدا وثمانين ساعة، كما هدف هذا العمل إلى توثيق ميزانين آخرين: قدام البواكر، وميزان قدام الجديد، وأسند تسجيلهما إلى جوق الشباب التابع لوزارة الثقافة برئاسة الفنان محمد ابريول.
ولم يكن اختيار جوق المعهد الموسيقي بطنجة بمحض الصدفة بين مجموعة من الأجواق العتيدة، بل إن هذا الجوق الطنجي أبان عن علو كعبه في الأداء الفني الجيد في المهرجانات الوطنية العديدة التي شارك فيها، وبفضل حنكة قائده الكبير الفنان المقتدر أحمد الزيتوني .
ولقد عمل جوق المعهد الموسيقي بطنجة على توثيق ثلاث نوبات، (زاد مجموع ساعتها عن 21 ساعة) موزعة على النوبات التالية:
نوبة الرصد: يتضمن تسجيلها الكامل: سبع ساعات وخمس عشرة دقيقة.
نوبة الماية: يتضمن تسجيل كامل ميازينها: سبع ساعات وثلاثون دقيقة.
نوبة عراق العجم: يتضمن تسجيل كامل ميازينها: سبع ساعات وعشرون دقيقة.
وكانت المجموعة الموسيقية التي تشرفت بتسجيل تلك النوبات الثلاث، تتألف من الفنانين المقتدرين الأكفاء:
أحمد الزيتوني (رئيس الجوق:)، الكمان ألطو.
جمال الدين بن علال، الكمان.
عبدالسلام الربيع، الكمان.
محمد الدريسي، الكمان.
عبدالرحمن فـيليلي، ألطو.
العربي أكريم الـسوسي، العود.
عمر المتيوي، العود.
عبدالمجيد المؤذن، الفيولانصيل.
محمد بن عبدالسلام التمسماني، الرباب.
عبد السلام العمراني بوخبزة، الطار.
العربي الحريزي، الدربوكة.
محمد العربي السرغيني، منشد.
عبدالحميد الحدّاد، منشد.
نبيل العرفاوي، الكمان.
عبدالرجاء العروسي، الكمان.
نوبة عراق العجم ورحلة البحث عن صنعة (ليلي نهاري) النادرة:
من التحديات التي واجهت الجوق خلال تسجيل نوبة عراق العجم، تصديرة ميزان قائم ونصف عراق العجم: (ليلي نهاري)، وهي صنعة خماسية نادرة موجودة في كناش الحايك غير أن جزءً من صيغتها اللحنية كان يعد في حكم الضائع.

وبحكم اهتمامات الفنان أحمد الزيتوني الواسعة بتراث طرب الألة، وبحثه المتواصل عن الصنائع النادرة والغريبة التي كان يعتني بجمعها منذ الستينات من القرن الماضي، اجتهد الفنان الزيتوني في السؤال المتواصل عن تلك الصنعة بين هواة طرب الألة، ولم يتوان في البحث عنها عند شيوخ الألة وأقطاب هذا الشأن الفني.
فسأل عنها أستاذه الفنان محمد العربي التمسماني الذي أكد له عن احتمال ضياعها، وبعد ذلك التمس الفنان أحمد الزيتوني (كان يرأس في تلك الفترة جوق جمعية هواة الموسيقى العربية بطنجة) من مولاي إدريس دوزان (رئيس الجمعية)، بمراسلة جمعيات الهواة على الصعيد المغربي بخصوص هذه الصنعة، فلم يتلق أي إفادة بشأنها .
ولم يفقد الفنان أحمد الزيتوني الأمل في البحث عن ضالته (الصنعة)، وفي إحدى المناسبات الفنية التقى بالأستاذ الحاج مَحمد بن المليح ، الذي هو أحد كبار الحفاظ المولعين بطرب الألة على الصعيد المغربي، وسبق له أن تقلد منصب رئيس جمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب، فسأله عن هذه الصنعة فأخبره بأن تلك الصنعة تعتبر من الصنائع الضائعة .
وخلال مناسبة تكريم الفنان محمد العربي التمسماني بمدينة مكناس في سنة 1989م، اتصل الحاج مَحمد بن المليح بالشيخ أحمد الزيتوني وأخبره أن الصنعة التي يبحث عنها ستكون مفاجأة ذاك الحفل التكريمي، وسيقدمها شخص من مدينة فاس، كان يحتفظ بها.
وفي فترة الاستراحة الأولى من الحفل التكريمي المذكور، تقدم أحد الفنانين إلى المنصة وقام بأداء صنعة (ليلي نهاري في سوى) مصحوبا بعوده، لكن من سوء حظ الرجل أنه لم يكن موفقا في أدائها، حيث إن الفنان الحاج عبد الكريم الرايس لوّح بإشارة يديه من خلفه، أوحى للحضور من خلالها أنها ليست هي الصنعة المبحوث عنها، فإن الصنعة الأصلية عدد أدوارها سبعة عشر دورًا، و ما عرض على أسماع الحاضرين أدِّيَ في تسعة أدوار.
وبعد ذلك اللقاء التكريمي بفترة اتصل الحاج امحمد بلمليح مرة أخرى بالشيخ أحمد الزيتوني، وأكد له هذه المرة أن الصنعة التي كان يظن أنها مفقودة تسنى لها الظهور، وأن الفنان حاتم نجل الفنان الكبير مولاي أحمد الوكيلي يحتفظ بها، وهي لديه مسجلة بصوت والده.
وإثر ذلك اتصل الشيخ أحمد الزيتوني بالباحث يونس الشامي الذي كانت تربطه به علاقة طيبة، والتمس منه أن يتوسط له مع صهره حاتم بخصوص تلك الصنعة المفقودة، وبعد تدخلات عديدة من قبل أطراف أخرى، وبعد مكابدة ومشاق كثيرة، وبعد جهد جهيد استطاع الفنان أحمد الزيتوني الظفر بالصنعة النفيسة. وحرصا منه على انتشارها وحمايتها من الضياع قام بتسجيل نسخ منها، وبعث بها الى أستاذه الفنان محمد العربي التمسماني بمدينة تطوان، وإلى محمد العطار رئيس جمعية البعث، والفنان الحاج محمد مصانو الشرتي بمدينة فاس.
لقد وثق الشيخ أحمد الزيتوني تلك الصنعة النفيسة وسجلها في أنطلوجية الآلة ضمن تصديرة قائم ونصف عراق العجم، وقدم تلك الصنعة معا جوق المعهد التطواني وجوق معهد طنجة في مهرجان الموسيقى الأندلسية بمدينة فاس سنة 1990م.
وأود أن نشير في هذا السياق إلى أن جوق المعهد الموسيقي بطنجة برئاسة الفنان أحمد الزيوني قام بدور طلائعي في توثيق بعض النوبات الموسيقية التي عهد إليه بتسجيلها، كما ساهم في إنقاذ المشروع التوثيقي وذلك بتحمله مسؤولية توثيق وتسجيل نوبة الماية التي كانت من نصيب أحد الأجواق الذي اعتذر في آخر لحظة ولم تستطع الوفاء بالتزامه، فبادر جوق معهد الموسيقى بطنجة برئاسة الشيخ أحمد الزيتوني إلى تحمل هذا العبء الثقيل وسدّ هذه الثغرة بكل جدارة واستحقاق، فأنقذ الموقف حسب أحد أعضاء اللجنة الفنية المشرفة على تسجيل الأنطولوجية.
تسجيل نوبة الماية:
بعد تسجيل نوبتي عراق العجم والرصد، كان مقررًا أن يقوم جوق المعهد التطواني بتسجيل نوبة الماية، و لكن ظروفا قاهرة حالت بينه وبين الوفاء بالتزامه، الأمر الذي دفع باللجنة الفنية المشرفة على التسجيل إلى اختيار جوق معهد طنجة برئاسة الشيخ أحمد الزيتوني للنهوض بتسجيل النوبة المذكورة.
قدم الشيخ أحمد الزيتوني في هذه النوبة مجموعة من الصنائع النادرة التي تلقاها عن أستاذه الفنان محمد العربي التمسماني، وقد سبق لأستاذه أن قد أدى بعض تلك الصنائع صحبة جوق المعهد التطواني في المهرجان الوطني للموسيقى الأندلسية بمدينة فاس سنة 1985م، ومن تلك الصنائع:
صنعة: ( باكر إلى شاذن ) التي تعتبر أكبر صنعة في ميزان بسيط الماية.
صنعة: ( جفاني قومي ) من ميزان بسيط الماية .
صنعة: ( شمس العشيا بالله مهلا على غرضي) من ميزان بطايحي الماية
صنعة: ( شمس العشيا رونقت جمع الكتائب والبطاح ) من ميزان بطايحي الماية
صنعة: ( شمس العشي قد فرقت للبحر مالت) من ميزان قدام الماية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الحاج محمد بن المليح (الرئيس السابق لجمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب)، سبق أن أمد الشيخ أحمد الزيتوني بتسجيل صوتي نادر يتضمن صنائع نفيسة من ميزان قدام الماية، وهذه التسجيل الموسيقي شارك فيه نخبة الولوعين بطرب الألة: الحاج محمد بن المليح (الطار)، والفنان احمد لبزور التازي (العود)، والفنان الغالي الشرايبي (الكمان الآلطو)، ومن تلك الصنائع التي كان يتضمنها التسجيل المذكور، صنعة (ما أحسن الأنس بالملاح) من قدام الماية وصنائع أخرى.
التنويه بعمل الفنان أحمد الزيتوني في تسجيل الأنطولوجية
خلال الندوة العلمية التي نظمت بالموازاة مع مهرجان الموسيقى الأندلسية بمدينة فاس سنة 2016م، تقدم الدكتور عبد الملك الشامي بمداخلة نوه فيها بمجهودات الفنان أحمد الزيتوني في توثيق بعض نوبات موسيقى الألة، ومما جاء في كلمة الدكتور وهو أحد أعضاء اللجنة الفنية المشرفة على تسجيل الأنطولوجية، ما يلي:
« لقد وقعنا أثناء التسجيل في مأزق بحيث أن أحد الأجواق ( جوق المعهد التطواني ) الذي كان من المفترض أن يسجل نوبة الماية تعذر عليه ذلك لأسباب قاهرة، مما اضطرنا إلى البحث عن البديل، وكان ذلك صعبًا للغاية، بحكم التزامنا بمواعيد محددة في هذا المشروع المشترك بين وزارة الثقافة المغربية ودار ثقافات العالم بباريس، واستطاع [أفراد] جوق معهد طنجة برئاسة الفنان أحمد الزيتوني أن يحققوا هذا الإنجاز الباهر خلال وقت قياسي»…









































































PDF 2025


