منذ شهرين تقريبا، وأنا أشاهد يوميا في طريقي خارجا من بيتي، مارا بـ “السوق الداخلي بطنجة”، امرأة ما بين الستين أو السبعين من عمرها تجلس بمقهى شعبي جدا، وسط عموم البسطاء من الناس تشرب شايا مغربيا محضا وتقرأ بين يديها كتابا يقع في تقديري بين 500 أو 700 صفحة.
امرأة لم تسمح لي أناقتها الواضحة ولا هيأتها المرفهة بتحديد جنسيتها. لكن سمح لي وضعها المثير أن أنتبه إلى أنها لم ترفع عينيها عما تقرأ، أن أنتبه إلى انها أكملت خلال الشهرين قراءة ثلاثة كتب من نفس الحجم.
القراءة، ولربما الكتابة، تحتاجان فقط لعينين مركِّزتين على سواد الحروف. تحتاجان لما هو أبسط… شايا خفيفا ومحيطا حيويا.
أتخيل الآن ماذا يمكن أن تفعله بك 2100 صفحة من القراءة خلال شهرين. أتخيل هذا العدد مضروبا في عدد سنوات عمرك.
عندما تأملت مليا في الأمر تساءلت، وأنا عائد لبيتي مساء:
هل اندحار القراءة قدر عربي؟
الفضاء الافتراضي والرقمي اكتسحا كل الجغرافيات الإنسانية، وملآ حياة الناس بكل فئاتهم العمرية، لكن القراءة الورقية ظلت عندها ذات شغف روحي لا يقاوم، ولا يمكن أن تلغيه أية قوة ساحرة بديلة، لأن القراءة هي هوية روحية صاحبت الإنسان منذ وجوده الأول.
قرأت في كتاب “لسان آدم” للكاتب المغربي الأشهر عبدالفتاح كيليو أن اول قصيدة شعرية ظهرت للوجود هي قصيدة رثائية نظمها آدم عليه الصلاة والسلام في رثاء ابنه هابيل.
وآثرني قولة رهيبة صادفته في كتاب ” صبح الأعشى في كتابة الإنشا” لأبي العباس القلقشندي…” اليد التي تكتب ِرجْلٌ”.
أليس ـ على سبيل التناص الدلالي ـ من حقنا أن نجرأ ونقول…” العين التي تقرأ تُفْقأ”.
عبدالإله المويسي









































































PDF 2025


