- 1. سبقت الإشارة إلى أنّ رحلة الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي إلى المشرق حام حولها خلاف في أسبابها ودواعيها، هل كانت رحلة سياسية أم دينية أم علمية؟ وهي أسئلةٌ قد تخصّ الإمام ابن العربي (الأب)، أكثر ما تخصّ ابن العربي (الابن)، وإلا فإنّ داعي الرّحلة بالنسبة للإمام أبي بكر كان واضحاً، والهدف جليّاً، وليس ذاك إلا العلم، ولا شيء غير العلم.
- يؤكّدُ الدكتور إحسان عبّاس هذا المنحى في مقالته المعاد نشرها ضمن جمهرة مقالاته الباذخة: «بحوثٌ ودراساتٌ في الأدب والتّاريخ» بقوله: “وقد افترضتُ من قبل أنّ الحجّ ربّما كان غاية حافزة للتوجّه إلى المشرق، أُضيفت إلى الحافز السّابق، أعني للنّجاة ممّا قد يلحق الأب عند استيلاء المرابطين على بلده، ولكن؛ من يطالع «القانون» يجد أنّ هذه الغاية لم تتملّك إلا نفس الأب، فأمّا الابن فإنّ قلبه كان متعلّقاً بشيءٍ آخر يقدّمه على الحجّ، وهو الاستمرار في طلب العلم”.
- والمشارُ إليه من كتاب «القانون» في كلام الدكتور إحسان قول الإبن للأب بعد أن تشرّفت قدمه بالخطو في بيت المقدس، واستنشق نسمات العلم المنبعثة من بين جنبات ذاك البيت المبارك، ” فقلتُ لأبي -رحمه الله-: إن كانت لك نيّةٌ في الحجّ فامض لعزمك، فإنّي لست برائمٍ عن هذه البلدة حتّى أَعْلَم عِلْم مَن فيها، وأجعل ذلك دستوراً للعلم وسُلّماً إلى مراقيها، فساعدني حين رأى جِدّي، وكانت صحبته لي من أعظم أسباب جِدّي”.
- كانت نشوة العلم وحُلم الرّحلة في طلبه يُراود فكر إمامنا القاضي وهو فتىً حديث السن، “وبرد الشباب قشيب، وكأس الفتوّة نضيب، وغصن الأماني رطيب” بحسب تعبيره، ويحدّثُ نفسه بذلك ويمنّيها مُنتظراً فرصةً سانحةً للرّحلة، وقد أذكتْ نارَ أشواقه رِزْمَةُ كتب مُعتّقة جلبها الإمامُ أبو الوليد الباجي [ت.474هـ] من المشرق، وقد وقعتْ بين يدي إمامنا فاهتبل بشأنها، وحرّكت أوراقها لواعج حنينه إلى الشّرق علوماً وأعلاماً، وفعلتْ تلكم الرِّزمة في رأسه مالم تفعله خمرة عمرو بن كثلوم في عقله عندما قال:
مُشَعْشَةً كأَنَّ الحُصَّ فيها ** إذا ما الماءُ خالَطَهَا سَـــخِينا
تجُورُ بذي اللُّبَانَةِ عن هَواهُ ** إذا ما ذاقــها حتّى يليــــــــــــــــنا
- نتركُ إمامنا القاضي يُحدّثنا عن أمنيّته بنفسه فيقول: ” ولقد كنتُ يوماً مع بعض المعلّمين، فجلس إلينا أبي -رحمة الله عليه- يطالعُ ما انتهى إليه علمي في لحظةٍ سرقها من زمانه مع عظيم أشغاله، وجلس بجلوسه مَن حضر مِن قاصديه، فدخل إلينا أحدُ السّماسرة، وعلى يديه رِزمة كُتب، فحلّ شِناقها، وأرسل وِثاقها، فإذا هي من تأليف السّمناني شيخ الباجي، فسمعتُ جميعهم يقولون:
- “هذه كتبٌ عظيمةٌ، وعلومٌ جليلةٌ، جلبها الباجي من المشرق، فصدّعت هذه الكلمة كبدي، وقرعتْ خلَدِي، وجعلوا يُوردون في ذكره ويُصدرون، ويحكون أنّ فقهاء بلادنا لا يفهمون عنه ولا يعقلون، ونذرتُ في نفسي طِيَّةً، لئن ملكتُ أمري لأُهاجرنّ إلى هذه المقامات، ولأفدنّ على أولاء الرّجالات، ولأتمرّسنّ بما لديهم من العقائد والمقالات، واستمررتُ عليها نِيَّةً، واكتتمتُها عزيمةً غير مَثْنويّة”.
- ذِكْرُ القاضي ابن العربي للإمام أبي الوليد الباجي وشيخه السّمناني يجعل حديثنا يتوّقف عندهما هنيهة، فالإمامُ الباجي كانت له بدوره رحلة إلى المشرق جاوزت مدّتها ثلاثة عشر سنة كما أورد ذلك القاضي عياض في «ترتيب المدارك»، درس خلال هذه المدّة على كبار أعلام مكة وبغداد وغيرهما من المدن والحواضر العلمية بالشّرق، وبمدينة الموصل لازم شيخه السّمناني المذكور مدّة سنة لدراسة الفقه والأصول، كما يقول عنه ابن بشكوال في «الصّلة».
- والسّمناني هو الإمامُ أبو جعفر محمّد بن أحمد بن محمد السّمناني،[ت.444هـ]، من أعلام المذهب الحنفي، وكبار أصحاب الإمام أبي بكر الباقلاني، وقاضي مدينة الموصل، ذكره ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري» في الطبقة الثالثة من أصحاب الإمام أبي الحسن الأشعري، وقال عنه: “كان ثقةً عالماً فاضلاً سخيّاً، حسن الكلام، عراقي المذهب يعني: حنفيّا، ويعتقد في الأصول مذهب الأشعري، وكان له في داره مجلس نظرٍ يحضره الفقهاء ويتكلّمون”، وقال عنه الحافظ الذهبي في السّير: «لازم الإمام الباقلاني حتّى برع في الكلام، تخـــــــــــــرّجَ به في العقـلـــــــــيات القاضي أبو الوليد الباجي”، وقد مدحه بقصيدة أوردها ابن بسّام في «الُذّخيرة».
- لم ينته ورودُ ذكر الإمام الباجي على لسان القاضي ابن العربي بخصوص الرّحلة في بدايتها وبواعثها فحسب، بل سيذكره مرةً أخرى في نهايتها ولكن هذه المرّة في موطن الفخر والاعتزاز، يقول عنه المقري في «أزهار الرياض»: ” وقدم إلى إشبيلية بعلمٍ كثير، لم يدخل به أحدٌ قبله ممن كانت له رحلةٌ إلى المشرق، ولذا نُقل عنه أنّه قال: كلّ من رحل لم يأت بمثل ما أتيتُ به أنا والقاضي أبو الوليد الباجي، أو كلاماً هذا معناه، أو قال: لم يرحل غيري وغير الباجي، وأمّا غيرنا فقد تعب أو نحو هذا، ممّا لم تحضرني عبارته الآن”.
- ولسنا ندري إلى أين مردّ قول إمامنا ابن العربي هذا وشهادته في رحلات غيره، هل يرجع ذلك إلى ما حصّله كلٌّ منهما من العلوم العقلية والنقلية؟ أم لتمرّسهما في علم المناظرة والجدل؟ أم للقائهما بكبار علماء مكّة ودمشق وبغداد؟ أم لعلوّ سندهما في مرويّاتهما؟ أم لطول مدّة رحلتهما؟ ومهما يكن من ذلك كلّه، فإنّ إمامنا القاضي -طيّب الله تربته- بكلامه هذا يكون قد حجّر واسعاً، وإلا فأين نحن من رحلة الإمام أبي علي الصّدفي لوحده على سبيل المثال، الحسين بن سكّرة الذي رحل بدوره إلى المشرق والتقى بكبار أعلامه، وأُلّفت في مشيخته المعاجم، وقصده أهل الأندلس للرّواية والأخذ عنه، وامتدّت رحلته من سنة: 481هـ إلى سنة: 490هـ، وبقي ببغداد وحدها خمس سنين كاملة! يتبع…
د. محمد شابو









































































PDF 2025


