وقد تمكن زروق بفضل مكانته العلمية الكبيرة، وقدمه الراسخة في طريق القوم الصوفية، وبمجهوداته التأصيلية والإصلاحية أن يبعد ما علق بالتصوف من شبه وانحرافات علقت به، وخاصة للمنتسبين إليه، كما وضع أسسا ومعايير يعتمد عليها كل من انتسب للطريقة، فيحفظ نفسه من التيه والزيغ والضلال، مستكملا بذلك ما قام به الإمام الشاذلي في هذا الباب، الذي عمل على التصدي للتصوف الفلسفي الذي عرف انتشارا واسعا في الأندلس مع ابن عربي الحاتمي (ت 638هـ)، والوقوف في وجه كل النزعات الدخيلة الموغلة في الانحراف والابتداع، مع وضع قواعد للسلوك السليم البعيد عن كل انحراف.
وفيما يلي، أهم القواعد والأسس التي بنى عليها زروق منهجه التقعيدي والتجديدي في التربية الصوفية:
- تحكيم الكتاب والسنة:
ساد في المغرب خلاف كبير بين الفقهاء والصوفية في التمييز بين الشريعة والحقيقة، وقد فصل زروق القول ضمن قواعده في هذه المسالة الشائكة التي كانت لها نتائج غير إيجابية على المجتمع الذي سقط في الحيرة بين الفريقين، حيث نادى بضرورة الاعتصام بالكتاب والسنة باعتبارهما حبل النجاة، وأصل كل بناء قويم، ولا صلاح يرجى بعيدا عنهما، حيث يقول في القاعدة 198 من قواعده: «لا حكم إلا للشرع، فلا تحاكم إلا له، قال الله تعالى: ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر))، وقد أوجب وحرم وندب وكره وأباح وبين العلماء ما جاء عنه، كل بوجهه ودليله». وبهذا الموقف الصريح الذي تكرر بين ثنايا كتبه، فهو يوافق أقوال كبار الصوفية واستشهد بها على أقواله، ومنها قول سهل التستري (ت283هـ): «بنيت أصولنا على ستة أشياء: كتاب الله وسنة رسوله، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق»، وقول أبي عثمان: «من أمر السنة نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة»، وقول أبي العباس بن عطاء (ت309هـ): «من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة ولا مقام أشرف من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأحواله»، وقول أبي القاسم النصرابادي (ت 367هـ): «أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع وتعظيم حرمات المشايخ ورؤية أعذار الخلائق والمداومة على الإعراض عن الآثام وترك الرخص والتأويلات».
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
تصدى زروق في دعوته لكل البدع والمنكرات التي سادت المجتمع بشكل عام، وما علق بالممارسة الصوفية بشكل خاص. وقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعد من القضايا الأساسية التي انبنت عليها طريقته التجديدية الإصلاحية، وذلك عملا بقوله تعالى: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس، تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)). فلا يمكن تصور إصلاح دون الاعتماد على النهي عن المنكر، فهو يعتبر أول ما يبدأ به لتصحيح الانحرافات، وقد جاء كتابه «عدة المريد» حافلا بتنبيه الناس إلى المنكرات التي يسقط فيها كثير من الطوائف الإسلامية التي لم تنتهج سلوكها على منهج الكتاب والسنة.
ولخطورة الأمر، لم يترك زروق عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفتوحة لكل من هب ودب، وإنما قيد ذلك بشروط تضبط هذه الممارسة، تجنبا لإصدار أحكام على الناس دون علم أو بينة. وهذه الشروط نجدها مفصلة في كتابه: «الجامع لجمل من الفوائد والمنافع»، ونذكر منه قوله: «فصل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب إلا بشروط كونه منكر متفقا عليه في معتقد الفاعل، والقدرة عليه بلا ضرر فادح، وأن لا يؤدي إلى منكر أعظم، وإلا فالتغيير باللسان ضراعة إلى الله ونحوها في إزالته ثم كراهية بالقلب إن لم يقدر، وقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (قل الحق ليعرفك الله ولا تقله ليعرفك الناس)، وقال بعض العلماء: (لا يسمى الغير صادقا حتى يصدق حيث لا ينجيه إلا الكذب)».
ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعد من الواجبات على كل مسلم كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد خصص جزء هاما من مكتوباته للتفصيل في معاني هذا الحديث، وخاصة عند شرحه لما جاء في رسالة أبي زيد القيرواني التي يذكر فيها هذا الأمر، ويعتبره من الفرائض. فقد وضح زروق ذلك جيدا، خاصة ما يتعلق بمن هو أهلا لذلك، والقدرة عليه، وخاصه وعامه، وغيرها من القضايا، مستندا على أقوال من سبقوه من أهل العلم والصلاح. وهو يرى أن ذلك لا يتم إلا عن طريق النصح والنصيحة، باعتبارهما جوهر الدين، فجاءت مجموعة من كتبه التي انتقد فيها مجموعة من الممارسات الصوفية بالتي هي أحس عنونها: «النصح الأنفع والجنة للمعتصم من البدع بالسنة»، و«النصيحة الكافية لمن خصه الله بالعافية». وهو باستعماله لهذه المفاهيم يعبر عن مدى ارتباطه بالنهج القرآني، والسنة النبوية.
والنهي عن المنكر هو الوسيلة الأساسية التي بواسطتها يمكن التصدي للبدع والمنكرات والانحرافات، وقد وضع لذلك آدابا تمنع من كل تشنيع وفضح لا يليق بمن يرغب في تحقيق الإصلاح وإرجاع الناس لجادة الطريق، يقول رحمه الله: «إنكار المنكر إما أن يستند لاجتهاد أو لحسم ذريعة أو لعدم التحقيق أو لضعف الفهم أو لقصور العلم أو لجهل المناط أو لانبهام البساط لوجود العناد. فعلامة الكل الرجوع للحق عند تعينه». ويؤكد رحمه الله أن ذلك ينبغي أن يكون برفق ولين وحلم حتى يدخل في باب النصيحة، وإلا صار ذلك تشنيعا وهتكا وفضيحة، حيث يقول: «فمن عرفك بك من حيث لا يشعر الغير فهو الناصح، ومن أعلمك بعيبك مع شهود الغير فهو الفاضح .. وقد صح من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن أقال مسلما عثرته أقال الله عثرته يوم القيامة».
رابعا: مرحلة الانتشار والتوسع:
خلال القرن العاشر وما بعده، سيعرف المغرب تأسيس عدد كبير من الزوايا في مناطق مختلفة من المغرب. وقد جاء ذلك بناء على حاجة الناس إلى ذلك من جهة، وإلى اكتمال نضج التجربة من خلال ما ألف من كتب قعدت للعمل الصوفي من جهة أخرى. فالناس وجدوا في دعوات التصوف بغيتهم العلمية والتربوية، بالنظر للأدوار الاجتماعية والتعليمية والتربوية التي قامت بها الزوايا. ولأن التصوف في المغرب تأثر منذ نشأته بالإمام الجنيد الذي يعتمد في منهجه السلوكي على الكتاب والسنة؛ فإن المغاربة تفاعلوا معه بقلوب مطمئنة بعيدا عن كل انحراف أو شبهة أو خلل.
فبعد نهاية العهد المريني، ودخول المغرب مرحلة من الضعف والهوان بفعل غياب سلطة سياسية قوية في البلاد؛ تمكن الأوروبيون من استعمار مجموعة من الثغور على السواحل المتوسطية والأطلسية. هذا الواقع شكل صدمة قوية جدا في المجتمع المغربي أفقدته توازنه السياسي والاجتماعي والفكري، مما كان دافعا أساسيا للبحث عن كيفية استرجاع التوازن المفقود. فكان أن بحث الناس عمن يصلح لقيادتهم لمجاهدة العدو الأجنبي، فلم يكن إلا رجالات الصلاح من الصوفية، وكان على رأسهم الشيخ محمد الجزولي الذي كان يدعو للجهاد.
وبهذا قامت الدولة السعدية التي رفعها الصوفية إلى الحكم، وخاصة الطائفة الجزولية، واسترجع المغرب توازنه من جديد. هذا التحالف بين هذه الطائفة والدولة السعدية سيمكن من انتشار الزوايا في المغرب بشكل كبير في الحواضر والبوادي، وستتطور أدوارها وتتسع، وصارت تشمل المجالات التالية إلى جانب البعد الروحي الذي يعد مركز اهتمامها:
- المجال الديني:
من خلال نشر الإسلام في شعوب وقبائل لم يصل إليها الفتح الإسلامي، وتوطين معالم الدين في سلوكيات أقوام ظل إسلامهم لا يتعدى المظاهر. فكان أن تأسست مواسم دينية ارتبطت بأحداث أو شخصيات صوفية معينة، أو إحياء لذكريات دينية، كما نظمت سفريات للحج وتلقي العلم من المشرق.
- المجال التعليمي:
عن طريق نشر حفظ القرآن الكريم، وبناء المدارس العلمية وتدبيرها، وإنشاء الخزائن وملئها بالكتب العلمية، وتوفير إمكانيات التأليف واحتضان أصحابه، إضافة إلى نشر الثقافة العامة الشفوية عند غير القارئين في مجالس الذكر والمذاكرة.
- المجال الاجتماعي:
صارت الزوايا توفر الإيواء للطلبة والمريدين ولعابري السبيل، وتطعم الطعام، خاصة في زمن المجاعات. وبهذا كثر أتباع الزوايا في المجتمع المغربي، بعد أن صارت تساهم في ضمان التوازن فيه، عن طريق تقديم العون للفقراء والمعوزين.
خامسا: خاتمة:
بعد القرن العاشر الهجري، تلاحقت أمواج التغطية الصوفية لجميع أطراف المغرب، ولا سيما على أيدي تلامذة كل من الشيخ زروق الذي كان له تأثيرا كبير في الوسط المغربي لمكانته الكبيرة بعد أن امتلأ علما وتقوى في الدين، ولما خلف من تراث كان محل عناية وتقدير شرحا ونظما، والشيخ محمد الجزولي الذي كان له دور كبير في بعث الجهاد في نفوس الناس لتحرير البلاد من الغزو الأجنبي، وذيوع كتابه «دلائل الخيرات» بين الناس، حتى صار يتلى في جل مساجد المغرب.
وهكذا، سيتحول التصوف من توجه مذهبي إلى حركة فاعلة في المجتمع، حيث «لعبت الزوايا في المغرب خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين دورا كبيرا في نشر الوعي الديني والصوفي»، حيث كان للأحداث السياسية والاجتماعية الأثر البين في تجاوب الناس مع الزوايا بسبب القلق والقهر والإحباط الذي كان يعيش فيه الناس، فانتشرت الرباطات، وساد التصوف في صورته الاجتماعية كثير من مظاهر الانصراف عن الحياة الدنيا لحقارتها، وهذا ما جعل الإحساس يتقوى في أوقات القهر، ويتزايد في زمن الأزمات.
وبسبب اختلاف الرؤى والنظرة إلى الواقع وكيفية التعامل معه، فقد تميزت كل زاوية بأسلوبها ونهجها التربوي والتغييري، فمنها من لعبت أدوارا تربوية واجتماعية وسياسية كبيرة، جعلها تدخل في حروب ونزاع على السيادة والسلطة، وأخرى حافظت على دورها العلمي – الصوفي، فلم تساهم في إذكاء نار التفرقة السياسية، مكتفية بالدعوة إلى الكف عن المنكر وإلى تعاطي العلوم، وبث الأيمان في قلوب الناس، وحثهم على التحلي بمكارم الأخلاق.
——-
المصادر والمراجع
- ألفرد، بل. الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، ترجمة عبد الرحمن بدوي، الطبعة 3، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1987.
- أبو حامد، محمد العربي. مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن، تحقيق الشريف محمد حمزة بن الكتاني، ص: 436 – 437، الطبعة الأولى، بيروت، 2008م. دراسة وتحقيق محمد حمزة الكتاني، الطبعة الأولى، بيروت 2007.
- Kisaichi,M «Sufi Saints in 12th Century Maghreb Society: Ribat And Rabita», In Urbanism in Islam, ed. T. Yukawa, vol. 6, Tokyo, 1989.
- البكري، أبو عبيد. المسالك والممالك، ج/2، بيت الحكمة والدار العربية للكتاب، تونس- ليبيا، 1992.
- التادلي، يوسف. (ابن الزيات)؛ التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي عباس السبتي، تحقيق أحمد التوفيق، الرباط 1984.
- الرابطات والزوايا في تاريخ المغرب، تنسيق نفيسة الذهبي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات رقم 69.
- القادري، إبراهيم بودشيش. المغرب والأندلس في عصر المرابطين، دار الطليعة، بيروت، 1993.
- الكحلاوي، محمد. الفكر الصوفي في إفريقية والغرب الإسلامي، دار الطليعة – بيروت،2009.
- المراكشي، عبد الواحد. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العربان ومحمد العربي الخطابي، القاهرة، 1949.
- Le Tourneau, R,«Sur la disparition de la doctrine almohade » Studia islamica, 1970/.
- الشريف، محمد. الغرب الإسلامي: نصوص دفينة ودراسات، الطبعة الثانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانة، تطوان، 1999.
- زروق، أحمد. قواعد التصوف، الطبعة الثالثة، القاهرة، 1980.
- زروق، أحمد. الجامع لجمل من الفوائد والمنافع، مخطوط خ ع بالرباط رقم 2207 د..
- القيرواني، ابن ابي زيد. متن الرسالة، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1994.
- العلوي، عبد الله بنصر. أبو سالم العياشي المتصوف الأديب، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1998.
د. عبد المجيد الخطيب









































































PDF 2025


